في بلاد مثقلة بموروث اجتماعي يتماهى فيه الاستبداد السياسي مغلفاً بالمقدس الديني قسراً وبهتاناً، متمظهراً بالصنمية السياسية والاجتماعية، بالراعي والرعية، وبأنتشار أوهام ثقافة القطيع؛ تكتنف مهمة التنوير والتغيير صعوبات جمة، خصوصاً عندما يقاتل الضحية والجلاد من وراء ذات المتراس تحت تأثير وعي مستلب صنعته بحرفية عالية الأوهام الموروثة، ومن يقف وراءها، لإدامة التخلف بقصدية نفعية واستغلالية صرفة.

ولذا لابد من نشاط نقدي، فكري وثقافي ميداني على الصعيد الاجتماعي، مدروس ومبرمج بعناية، يتيح للشرائح الشعبية من ضحايا أكاذيب ودسائس التاريخ والسياسة، افقاً لتفكيك ما تغلغل في العقول من أوهام. ولإشاعة وعي جديد يمنح الناس قدراً من الحرية الشخصية في التفكير والاختيار، والرؤية المستقلة، ويكسر قيود الخوف والرضوخ للاعراف والتقاليد والطاعة، ويفتح الابواب لمساءلة المألوف والموروث.

  ذلك ما تضطلع به عادة النخب الثقافية الطالعة من رحم الطيف المجتمعي، المنفتحة على التقدم العلمي والحضاري المتسارع عالمياً. جنباً الى جنب مع الجهود الحثيثة لأحزاب اليسار والديمقراطية في المجتمع والدولة، وهي تواصل كفاحها بتصميم، لتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية للبلاد، ولتوفير الأمن والكرامة والعيش الآمن لعموم افراد المجتمع، من خلال بناء وترسيخ سلطة المؤسسات، على أساس مبادئ الديمقراطية وأحكام القانون والعدالة الاجتماعية.

 هذا التحدي يتطلب نضالا متواصلا وعملا دؤوبا، يمكن ان تتصدى له الفئات والطبقات الاجتماعية ذات المصلحة في تحقيق هذه المقاصد النبيلة، والبناء عليها وتطويرها بأستمرار.

انطلاقاً من ذلك فإن السيرورة السياسية الديمقراطية وهي تنغمس وتتجذر في بنية المجتمع، وتتقدم نحو الأمام؛ تستمد طاقتها من الدعم الشعبي الواسع والمنظم، ممثلاً في أحزاب وقوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني واتحادات شعبية ومنتديات اجتماعية وثقافية ونقابات ... الخ.

وعموم هذه المنظمات لا يمكنها أن تلعب هذا الدور الساند، دون أن يكون الانتماء الفردي إليها مبنياً على أساس الاختيار الطوعي والقناعة الواعية والاستعداد للعمل الميداني بين الجماهير، وفق لوائح داخلية تنظم عملها، ضمن ضوابط وشروط واضحة، بآليات وثقافة ديمقراطية.

إن نمط العلاقات البينية الداخلية لاي هيكلية تنظيمية، هي ما يمنح عناصرها القوة المحفزة للنشاط، ويطلق مبادراتهم الإبداعية. وتتفجر الطاقات وتزدهر المواهب، عندما ترتكز على علاقات رفاقية ودية، تقوم على التساوي في الحقوق، والاحترام المتبادل بين الرئيس والمرؤوس، والتفاهم والتفهم المشترك للخصوصيات الفردية في اطار العمل الجماعي.

 في التنظيمات الديمقراطية والجماهيرية تمايزات بشرية متنوعة بين الافراد في التخصصات والاهتمامات، تستلزم العناية والمتابعة المستمرة، لكي تأخذ موقعها المناسب في ميدان النشاط، وهناك قابلبات متفاوتة لإستيعاب الجديد وتقبل المختلف، والتمكن من استئصال الأدران المكتسبة من التنشئة الاجتماعية. وهو ما يستدعي جهداً استثنائياً واعياً، لنقد وتقويم الذات بلا هوادة في مجرى الكفاح للتغيير الاجتماعي الشامل.

إن البيروقراطية والاختلال في التواصل والتفاعل في أي هيئة تنظيمية، مستقلة كانت، او ضمن بنية مؤسسية اوسع، سواء بين الأعضاء انفسهم او بين الأعضاء والمرجع القيادي، من بين اهم أسباب التراجع والفشل، خصوصاً عندما تترافق مع ضعف الانصات للمقترحات والمبادرات بين الطرفين، او تجاهل التجاوب والاستجابة عن قصد او غير قصد.

 ذلك ما يؤدي بالضرورة إلى ندوب نفسية ومعنوية تؤثر سلباً على سلامة وسلاسة الأداء. وان عدم الانتباه اليها والوقوف عندها بحزم، ومعالجتها بجد، يحدث شرخاً في المصداقية، وانتهاكاً لمعايير الممارسة الديمقراطية في الحياة التنظيمية الداخلية، ويسلب قوى التغيير بعضاً من رصيد قوتها نحو تحقيق أهدافها المنشودة في التعددية والعدالة والبناء والاستقرار، والتقدم الاجتماعي.