منذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق عام 2003، لم تتأخر القوى المتنفذة في العراق لحظة واحدة قبل أن تضع يدها على الدولة وتحوّلها إلى مزرعة خاصة. نظام المحاصصة الذي بشّروا به كـ"شراكة وطنية" لم يكن سوى غطاء لفساد لم يشهد له العالم مثيلاً، فسادٌ يلتهم الدولة كما تلتهم النار الهشيم، ويحوّل ثروات العراق إلى غنائم تتقاسمها الأحزاب وزعماؤها وزبانيتهم.

الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني يقدّر كلفة الفساد المالي والسياسي بأكثر من تريليون دولار. نعم، تريليون كامل، رقم لا يمكن لعقل أن يستوعبه، لكنه يعكس حجم الخراب الذي صنعته هذه الطبقة السياسية. جزء كبير من هذه الأموال لم يعد موجوداً في العراق أصلاً، فقد اندمج في اقتصادات خارجية، في بنوك أوروبا وآسيا، في عقارات دبي وأنقرة، وفي حسابات سرية لا يعرفها إلا اللصوص الكبار.

ولكي تكتمل الفضيحة، تتضارب الأرقام الرسمية نفسها حول حجم الأموال المنهوبة: دراسات اقتصادية تقدّرها بـ 600 مليار دولار، الحكومة تقول350  مليار، وبرهم صالح يعترف بـ 150  مليار فقط. هذا التناقض ليس بريئاً، بل هو دليل إضافي على أن الفساد أصبح مؤسسة قائمة بذاتها، لها أرقامها الخاصة، ولغتها الخاصة، و"خبراؤها" الذين يخفون الحقيقة أكثر مما يكشفونها.

بعد عام 2018، انفلت الفساد من كل عقال. ارتفعت كلفة شراء المناصب الوزارية من 5  ملايين دولار إلى 50- 100 مليون دولار. الوزير لم يعد موظفاً عاماً، بل مستثمراً جاء ليسترد رأس المال مع الأرباح، وهذا يعني أن كل وزارة تحوّلت إلى مشروع فساد متكامل، من أعلى الهرم إلى أصغر موظف في الدائرة.

ولأن الفساد لا يأتي وحده، فقد جرّ معه خراباً اقتصادياً واجتماعياً لا يمكن إصلاحه بسهولة. العراق يعاني نقصاً يقدّر بـ 9000  مدرسة منذ عام 2005، والقطاع الصحي لم يشهد بناء أكثر من مستشفى أو مستشفيين منذ ثمانينيات القرن الماضي. معدل الفقر بلغ 25% ، ومعدل البطالة ارتفع في 2025 إلى 15.49%، وعجز السكن وصل إلى 2.4  مليون وحدة. هذه ليست أرقاماً جامدة، بل هي حياة ملايين العراقيين الذين يدفعون ثمن فساد طبقة سياسية لا تعرف سوى لغة النهب.

وسط كل هذا الخراب، تأتي أزمة الرواتب لتضيف جرحاً جديداً. جهات متنفذة داخل الحكومة تدفع نحو صرف الرواتب كل   40  يوماً بحجة أزمة السيولة، وتحذّر من أن الأزمة قد تمتد إلى الأشهر المقبلة. ملايين العراقيين يعتمدون على الراتب الحكومي كمصدر دخل وحيد، وتأخيره يعني دفعهم نحو الديون، نحو الإذلال، نحو الانهيار الاجتماعي.

أما في إقليم كوردستان، فالمأساة مضاعفة. أكثر من 30  راتباً انتُزعت من الموظفين والمتقاعدين خلال السنوات الماضية، وفرضت الحكومة ما سمّته "الادخار"، وهو في الحقيقة سرقة مقنّعة لا أفق لصرفها. الخلافات بين بغداد وأربيل ليست سوى ستار يخفي فساداً هائلاً في ملف النفط والحسابات المالية، فساداً يدفع ثمنه المواطن الكردي قبل غيره.

الغريب – بل الفاضح – أن القوى المتنفذة في العراق لا تعمل على معالجة هذه الأزمات، ولا تتخذ خطوة واحدة جادة لإنهاء أزمة الرواتب. لكنها تنشط إعلامياً، وتطلق جيوشها الإلكترونية لتقنع الناس بأن "الكرامة أهم من الراتب"، وأن "الراتب بلا كرامة لا يعني شيئاً". أي كرامة هذه التي يتحدثون عنها؟ كيف تكون الكرامة بلا خبز؟ بلا دواء؟ بلا قدرة على دفع إيجار البيت؟ الراتب هو الذي يحفظ كرامة الإنسان، وتأخيره هو الذي يدفعه إلى كسرها: إلى الاحتيال، إلى السرقة، إلى الرذيلة، إلى كل ما لا يليق بإنسان يريد فقط أن يعيش.

الجيش الإعلامي لهذه القوى هو الوحيد الذي يعيش ببحبوحة، بعد أقطاب السلطة وزبانيتها. هم وحدهم الذين لا يشعرون بالأزمة، لأنهم يكدسون أموال الفساد، ويهربونها إلى الخارج، ويبنون بها القصور والفلل، ويقامرون بها، ويمارسون كل أشكال الفساد الأخلاقي. ثم يقفون أمام الناس ليحدثوهم عن "الكرامة". عن أي كرامة تتحدثون أيها الفاسدون؟ كرامتكم أنتم مبنية على إذلال الناس، وكرامة الناس تُداس تحت أقدامكم كل يوم.