تصدرت منصات التواصل الاجتماعي والأوساط الثقافية موجة واسعة من الجدل إثر التصريحات الأخيرة التي أطلقها الإعلامي نجم الربيعي، والتي شن فيها هجوما حادا على شريحة الأكاديميين وأساتذة الجامعات، حاطا من خصوصية دورهم المعرفي ومتعاملا معهم بصفتهم مجرد موظفين حكوميين لا يختلفون في شيء عن أقرانهم في دوائر الخدمة العامة والمؤسسات التنفيذية. هذا الطرح لم يمر مرور الكرام، فقد فتح الباب أمام سؤال جوهري يبدو أن الكثيرين يغفلون أبعاده، وهو هل الأكاديمي الجامعي مجرد موظف دولة يؤدي ساعات عمل محددة، أم أن الاختلاف بين البيئتين هو اختلاف في الجوهر والرسالة وليس فقط في العنوان الوظيفي.
في البدء، لا بد من الإشارة إلى أن احترام مؤسسة الخدمة العامة وموظفي الدولة أمر لا نقاش فيه، فالموظف العام هو العمود الفقري لتسيير معاملات المواطنين وتطبيق قوانين الدولة وسياساتها وفق تسلسل هرمي صارم يخضع للتعليمات المباشرة. لكن خلط الأوراق يبدأ عندما يقاس الأكاديمي بمكيال الإدارة التنفيذية، فالهدف الأساسي للأستاذ الجامعي لا يتوقف عند حدود تسيير معاملة أو تطبيق قانون، بل يتعداه إلى إنتاج المعرفة، وتفكيك الظواهر الاجتماعية والعلمية، وبناء العقول النقدية. فالموظف ينفذ النص، بينما الأكاديمي يسائل النص ويختبر صحته بالتفكير والبحث العلمي.
كما أن أحد أبرز أوجه الخلط يكمن في النظر إلى ساعات الدوام والحرية الممنوحة لكل منهما، فبينما تحكم الموظف العام ضوابط زمنية محددة تبدأ ببصمة الحضور وتنتهي بإنهاء ساعات العمل الرسمية، يمتد عمل الأكاديمي إلى بيته بين تحضير المحاضرات، وتصحيح الاختبارات، والإشراف على الرسائل والأطروحات، وكتابة الأبحاث التي قد تستغرق سنوات. وبجانب هذه المرونة الزمنية المقترنة بالإنتاج، يخضع الموظف العام لمدير مباشر ولا يملك حق الاجتهاد الشخصي خارج اللوائح، في حين يتمتع الأكاديمي بالحرية الأكاديمية التي تمنحه المساحة الكافية للنقد والتحليل وطرح الرؤى المختلفة دون خوف من ملاحقة إدارية. مع ان هذه الرؤية مؤجلة في الوقت الحاضر في ظروف هيمنة الفاسدين على أمور التعليم.
وتتضح الفوارق بشكل جلي أيضا عند النظر إلى طبيعة الجمهور والبيئة التفاعلية لكل منهما. فبينما يحكم عمل موظف الدولة نمط من العلاقات الرسمية وقصيرة الأجل مع المواطنين والمراجعين بهدف إنجاز خدمة محددة وفق القانون، نجد أن الأكاديمي يتعامل مع بيئة مختلفة تماما، حيث يبني علاقة ممتدة وتربوية وتفاعلية مع الطلاب والباحثين. وجوهر التفاعل لدى موظف الخدمة العامة يقوم على الالتزام الصارم بالتعليمات الإدارية والحياد التام لضمان استقرار العمل، في حين يتلخص دور الأكاديمي في غرس روح التفكير النقدي، والتوجيه العلمي، وتطوير المهارات، معتمدا على إثارة النقاش الفكري والتقييم العلمي والحوار الحر داخل القاعات الدراسية وخارجها.
وحتى على مستوى التطور الوظيفي، يبدو الفرق شاسعا بين الطرفين، فالسلم الإداري للموظف العام يعتمد بالدرجة الأولى على الأقدمية وتقارير الأداء السنوية والدورات التدريبية للانتقال إلى مناصب أعلى كمدير قسم أو مدير عام. أما الأكاديمي، فلا تشفعه الأقدمية وحدها ما لم يقدم إضافة معرفية ملموسة، إذ إن ترقيته الأكاديمية من أستاذ مساعد إلى أستاذ، تبقى مرهونة بحجم ونوعية الأبحاث المنشورة في مجلات علمية رصينة محليا ودوليا، والمشاركة في المؤتمرات وتأليف الكتب.
إن اختزال المؤسسة الأكاديمية في دائرة حكومية وتأطير قاماتها العلمية في صفة موظفين ليس مجرد رأي إعلامي عابر، بل هو تشخيص قاصر يسهم في تسطيح قيمة العلم والمؤسسات التعليمية. فحماية هيبة الجامعات والأكاديميين لا تعني رفعهم فوق مستوى النقد لان بينهم الكثير من المتقاعسين والانتهازين وحملة الشهادات المزورة، بل تعني فهم طبيعة دورهم الذي يتجاوز مفهوم الوظيفة التقليدية ليكون ركيزة أساسية في بناء مجتمع المعرفة وصناعة المستقبل.