تأسست الدولة العراقية الحديثة في ظل الانتداب البريطاني، وتأسس الجيش العراقي سنة 1921 كأحد أدوات بناء الدولة. ساهمت النخبة السياسية الحاكمة في ترسيخ المؤسسة العسكرية بدلاً من تفعيل مسارات السلطة المدنية، وعملت على دفع الجيش تدريجياً إلى قلب المعادلة السياسية، بالاعتماد عليه في ضبط التحركات الداخلية، ومنحتهُ مكانة رمزية وسياسية تجاوزت وظيفته الدفاعية التقليدية.

لم ينجح النظام الملكي في بناء مؤسسات دستورية قادرة على استيعاب دور المعارضة السياسية بصورة سلمية، وتعرضت الأحزاب الوطنية إلى المضايقة والملاحقة طيلة 37 عاماً. كانت الحكومات تتغير بفعل الإرادة الملكية أكثر مما تتغير بإرادة البرلمان. وكانت الانتخابات مزيفة وتمتاز بالتدخل الحكومي، وفي ظل هذا الانسداد السياسي والانغلاق الأيديولوجي، اقتنعت مجموعة من النخب المدنية بدور الجيش باعتباره الوسيلة الوحيدة الأكثر قدرة على إحداث أي تغيير منشود، هذا الأمر منح العسكر شرعية سياسية لم تكن مستمدة من الدستور، بل من عجز النظام السياسي الملكي من مواكبة مستجدات الحداثة.

أوضحت الدراسات الوثائقية للحكم الملكي في العراق (1921–1958) بأنه شهد انقلابات عسكرية، ومحاولات انقلابية لها الأثر الكبير في تطور الحياة السياسية، أبرزها انقلاب بكر صدقي، في أكتوبر 1936، الذي يُعد أول انقلاب عسكري ناجح في تاريخ العراق والعالم العربي ضد حكومة ياسين الهاشمي، بعد أن تبلورت لدى بكر صدقي القناعة بأن المؤسسة العسكرية ينبغي أن يكون لها الدور المباشر في إدارة الدولة بالقوة والقضاء على الاضطرابات والتمردات الداخلية، هذا الأمر عزز مكانته داخل الجيش وأكسبهُ ثقة عدد من الضباط، وسهل عليه مهمة الانقلاب الذي كان نتيجة تداخل عوامل سياسية وعسكرية وشخصية. لقد أبقى فيه النظام الملكي قائماً، لكن استبدل الحكومة بوزارة جديدة برئاسة حكمت سليمان، وأصبح الجيش لاعباً اساسياً في التوجهات السياسية.

لم يكن الحدث مجرد تغيير للحكومة، بل أسس لسابقة دستورية خطيرة مفادها أن الجيش قادر على فرض إرادته السياسية بالقوة المسلحة، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد الانقلاب العسكري أمراً مستبعداً، بل أصبح احتمالاً قائماً داخل الثقافة السياسية العراقية. وحسب رؤية الكثير من المؤرخين أن انقلاب بكر صدقي عام 1936 هو الذي أرسى سابقة استخدام الجيش لتغيير السلطة، وهي سابقة أثرت في الحياة السياسية العراقية حتى سقوط النظام الملكي عام 1958.

ثم جاءت حركة رشيد عالي الكيلاني  سنة 1941، لتؤكد أن المؤسسة العسكرية أصبحت لاعباً سياسياً مباشراً، قادراً على تغيير توجهات الدولة في صياغة تحالفاتها الداخلية والخارجية. شُكلت حكومة جديدة ذات توجه مناهض للنفوذ البريطاني، هذا الحدث أفزع الغرب، مما أدى إلى تدخل القوات البريطانية وإعادة الوصي إلى السلطة في أيار 1941.

فالحركة لم تكن مجرد انقلاب عسكري، بل كانت نتيجة أزمة سياسية داخلية تزامنت مع ظروف الحرب العالمية الثانية، أبرز أسبابها رفض الوجود والنفوذ البريطاني، لأن العراق كان دولة مستقلة اسمياً منذ استقلاله في عام 1932، لكن بريطانيا احتفظت بنفوذ سياسي وعسكري كبير بموجب معاهدة 1930، بما في ذلك قواعد عسكرية وحق استخدام الأراضي العراقية زمن الحرب. فشلت الحركة بعد أن رفضت القوى الغربية الاعتراف بالأمر الواقع، وتحركت قوات عسكرية بريطانية من قواعدها في المنطقة، ودخلت في حرب ضد القوات العراقية، انتهت الحرب في أيار 1941 بانتصار بريطانيا، وهروب رشيد عالي الكيلاني، وعودة الوصي عبد الإله إلى الحكم.

كان هاجس الفشل مرافقاً للكثير من الضباط الاحرار فيما بعد، خوفاً من تدخل القوات الغربية  وحماية النظام الملكي، ورغم فشل الحركة بعد التدخل البريطاني، إلا إنها كرست فكرة تدخل العسكر في رسم السياسات الوطنية، ورسخت في الوعي العسكري أن الجيش ليس مجرد مؤسسة مهنية، بل قوة سياسية ذات مهام كبيرة في الحياة السياسية.

واسهمت المتغيرات الإقليمية في تعزيز الحضور السياسي للعسكر في العراق ودوره المهم  في رسم توجهات النظام السياسي، فالمشاركة في حرب فلسطين سنة 1948، وما أعقبها من تصاعد كبير للمد القومي العربي، عزز تنامي الشعور لدى عدد من الضباط بأنهم يمثلون طليعة الأمة وحاملي مشروعها القومي، وهو تصور ازداد قوة بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار في مصر سنة 1952، التي أصبحت أنموذجاً للعسكريين العراقيين الذين خططوا لثورة 14 تموز.

الأسئلة المثيرة للجدل في التاريخ السياسي العراقي الحديث، تتعلق بالعلاقة بين ثورة 14 تموز 1958، وظاهرة عسكرة السياسة، التي وردت وشاعت في الأدبيات السياسية بأنها كانت نقطة الانطلاق لهيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة العامة، وإنها الوسيلة الأكثر شيوعاً لتداول السلطة. ولكن القراءة التاريخية المتأنية تقتضي التحرر من الأحكام المطلقة، وضرورة تتبع المسار التاريخي منذ تأسيس الدولة سنة 1921، لكي نتوصل إلى الحقيقة البينة بأن الظواهر السياسية الكبرى لا تنشأ عادةً دفعةً واحدة، وإنما تتكون عبر تراكمات مؤسسية وثقافية وسياسية تمتد لعقود.

ثورة 14 تموز 1958، لم تأتِ بفكرة عسكرة السياسة من العدم، وإنما ورثت بنيةً سياسية شهدت تنامياً مطرداً لدور المؤسسة العسكرية في المجال السياسي منذ العهد الملكي، حتى أصبحت المؤسسة العسكرية القوة الفاعلة الرئيسية في تقرير مصير السلطة. وبهذا فإن  ثورة تموز لم تكن بداية تدخل العسكر في السياسة، وإنما كانت تتويجاً لمسار طويل بدأ مع مرحلة تأسيس الدولة.

فبعد إسقاط النظام الملكي، أصبحت السلطة السياسية بيد تنظيم الضباط الأحرار، وتولى قائد الثورة عبد الكريم قاسم رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع وقيادة القوات المسلحة، فاجتمعت السلطات المدنية والعسكرية في يد شخصية واحدة. وعلى الرغم من الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية المهمة التي حققتها الثورة، فإنها لم تؤسس نظاماً سياسياً مدنياً مستقراً يقوم على تداول السلطة عبر المؤسسات، بل ظلت شرعية الحكم تستند بدرجة كبيرة إلى القوة العسكرية.

ومنذ ذلك التاريخ، دخل العراق في دورة متكررة من الانقلابات والصراعات العسكرية، بدءاً بانقلاب الثامن من شباط سنة 1963، ثم انقلاب الثامن عشر من تشرين الثاني 1963، ثم انقلاب السابع عشر من تموز 1968، جميعها عمليات نقل للسلطة نفذتها القيادات العسكرية.

ومن الناحية الفكرية، ثورة 14 تموز لم تؤسس لفكرة عسكرة السياسة بقدر ما قامت بإضفاء الشرعية العملية عليها. فإذا كان انقلاب بكر صدقي قد فتح الباب نظرياً أمام تدخل الجيش، فإن ثورة 1958 جعلت هذا التدخل مستمراً ببناء النظام السياسي، وأثبتت عملياً أن الوصول إلى السلطة يمكن أن يتحقق عبر السيطرة على المؤسسة العسكرية أكثر مما يتحقق عبر المؤسسات الدستورية.

تحميل ثورة 14 تموز 1958، وحدها مسؤولية عسكرة السياسة ينطوي على قدر من المغالطة التاريخية، لأن العوامل التي أنتجت هذه الظاهرة كانت قد تشكلت بالفعل في العهد الملكي، سواء من خلال الانقلابات، أو ضعف الحياة النيابية، أوهيمنة السلطة التنفيذية، أو توظيف المؤسسات العسكرية في الصراعات السياسية. وفي المقابل، فإن تبرئة الثورة من المسؤولية لا تنسجم مع الوقائع، لأنها رسخت حكم العسكر، وأدخلت العراق في مرحلة أصبح فيها التغيير السياسي يقترن بالقوة العسكرية أكثر من اقترانه بالإجراءات الدستورية.

فهم هذه الحقيقة يساعدنا على تجاوز القراءات الأيديولوجية التي تميل إلى تمجيد العهد الملكي أو إدانة ثورة 14 تموز بصورة مطلقة، ويقود إلى استنتاج أكثر دقة، مؤداه أن أزمة الدولة العراقية لم تكن وليدة حدث واحد، وإنما كانت نتاج تراكمات مؤسسية وسياسية امتدت منذ تأسيس الدولة الحديثة، قبل أن تبلغ ذروتها بعد سنة 1958، حين أصبح السلاح الوسيلة الأكثر حضوراً في صناعة السلطة وتداولها.

نأمل أن تظهر دراسات موضوعية تنصف ثورة 14 تموز، وأن يكون هناك توافق سياسي ومجتمعي وتشريع قانوني من السلطات المختصة يعيد الاعتبار لثورة 14 تموز 1958، وجعل هذا التاريخ يوماً وطنياً للعراق، يحمل دلالات سياسية ورمزية باعتباره اسقط النظام الملكي، وأقام النظام الجمهوري، وأنهى النفوذ الأجنبي، ورسخ سيادة العراق.