إن الطريقة التي يستقبل بها الإنسان موته هي التي تكشف معدنه. والحاكم، أيُّ حاكم، هو إنسان قبل كل شيء. فحين يقترب الموت، وتدنو النهاية، وتسقط السلطة وتزول سطوته، وفي اللحظة التي تغيب فيها أفواج الحراسات الخاصة، وطقوس الوجاهة والحماية، يقف مجردًا كإنسان، لا يستطيع إيقاف رصاصة، ولا الإفلات من التأرجح في نهاية حبل.

في كل اقتراب لذكرى ثورة الرابع عشر من تموز 1958، أستذكر شخصيًا صورة قائدها، الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم، وأستذكر تحديدًا الساعات الأخيرة من حياته، بعد وقوع انقلاب الثامن من شباط الغادر. وأتوقف طويلا عند ذلك القرار الذي يبدو صغيرًا، لكن أثره كبير جدًا. فبعد أن قدّر أن الانقلابيين نجحوا في مسعاهم، حلق ذقنه، وتعطّر، وارتدى بدلة نظيفة، ثم سلّم نفسه إلى قاتليه.

أدرك أن ميزان القوى اختل لصالح الانقلابيين، وأن من ينتظرونه لن يتركوا له بابًا للنجاة. لم يختر أن يذهب إلى مصيره منكسرًا، بل حرص على أن يكون كما عرفه الناس: إنسانًا مرتبًا، هادئًا، يحترم نفسه في ساعته الأخيرة. قد تبدو هذه التفاصيل هامشية للبعض عند استحضار ثورة الرابع عشر من تموز، لكنني أزعم أنها تكشف لنا جانبًا عميقًا من شخصية هذا الإنسان.

لست مع شيطنة عبد الكريم قاسم، ولا مع تأليهه. كان مصلحًا، وقاد ثورة، وارتبط اسمه بالإصلاح الزراعي، والإسكان الشعبي، وإنجازات عديدة، وبنزاهة شخصية شهد بها حتى خصومه. وفي المقابل، ارتكب أخطاء سياسية جسيمة، إذ دخل في صراعات عزلته حتى عن القوى السياسية التي ساندته، فسهل ذلك نجاح أعداء الثورة في انقلابهم الدموي، الذي دفع الشعب العراقي ثمنه غاليًا.

وفي ذلك الصباح الحزين، لم يعد رجل سياسة، بل إنسانًا اختار أن يواجه مصيره بكرامة. لم يتعطر من أجل احتفال، ولم يكن يأمل بالنجاة، بل أراد الاحتفاظ بكرامته في ساعة لم يعد يملك فيها شيئًا غيرها. ولهذا ظل هذا المشهد حاضرًا في الذاكرة العراقية بكل بهائه.

وعلى الجانب الآخر، وبعد عقود مريرة، تحضر إلى الذهن هيئة رجل حكم العراق بالحديد والنار، وقامت سلطته على العسف والإرهاب. أغرق البلاد بصوره وتماثيله، حتى أصبحت الدولة مجرد ظل لشخصه. وروّج إعلام النظام لصورة “القائد الضرورة”، وردّدها وعّاظ البلاط ومرتزقة الثقافة، حتى صدّق الرجل نفسه ذلك. لكن الموت لا يمكن خداعه بالأوهام.

حين انهارت دولة العسف والخوف تحت جنازير دبابات الاحتلال، وحين لم يجد من يدافع عن نظامه، لم يبق من تلك الهالة المتضخمة سوى رجل يُسحب من حفرة، بلحية كثيفة وهيئة بائسة، بعد أن ملأ الدنيا ضجيجًا بشعارات صاخبة جوفاء عن البطولة والقوة. تهاوى كل شيء، وتبخر كل البريق الذي غلّف عرشه. وكشفت النهاية أكذوبة “القائد الضرورة”، وأعادته إلى حجمه الطبيعي.

ولعل هذا هو الفارق الأعمق بين عبد الكريم قاسم وصدام حسين. ليس فقط في طريقة الحكم، بل في العلاقة مع السلطة نفسها. أحدهما، رغم أخطائه، بدا في ساعاته الأخيرة متصالحًا مع مصيره، محتفظًا بقدر من الوقار والكرامة. أما الآخر، فقد أمضى حياته يصنع أسطورة عن نفسه، ثم انتهت تلك الأسطورة في حفرة، قبل أن تنتهي على منصة الإعدام.

إن الديكتاتور لا يطلب من الناس أن يحبوه، بل أن يخافوه. لكنه ينسى أن الخوف لا يصنع احترامًا، وأن التماثيل لا تصنع مجدًا، وأن القصائد التي يكتبها المرتزقة لا تكتب التاريخ. إنها تؤجل الحقيقة فقط، إلى أن يأتي يوم يسقط فيه كل شيء دفعة واحدة. ولهذا، كلما عدت إلى صباح عبد الكريم قاسم الأخير، أدركت أن الأناقة لم تكن في البدلة، ولا في العطر، ولا في الوجه الحليق، بل في احترام الإنسان لنفسه وهو يعرف أن الموت ينتظره.

أما الطغاة، فغالبًا لا يسرق منهم الموت حياتهم وحدها، بل ينتزع منهم أوهامهم أيضًا.