حاسوب اٌلانقراض اٌلرقميٌ

قبل بضعة أعوام، كنت في زيارة لمتحف التاريخ الطبيعي في مدينة شيكاغو الامريكية. وفي المتحف، وقفت أمام حاسوب رقمي جداري ضخم أرقامه تدور بسرعة لتصل الملايين، وتحته كتب ببساطة "أعداد الأصناف الحياتية المنقرضة". وفي الدقائق القليلة التي قضيتها بالتأمل أمام تلك الجدارية الرقمية المخيفة اختفى للأبد من كوكبنا مئات الأصناف الحياتية. *

ساعة يوم القيامة

على مدار السنوات التسع والسبعين الماضية، يقوم علماء مجلة "بوليتين" بتغيير توقيت ساعة يوم القيامة الافتراضية سنويًا وفقًا لتقديراتهم لمدى قرب البشرية من الفناء التام (منتصف الليل). ويتغير التوقيت في بعض السنوات، بينما يبقى ثابتًا في سنوات أخرى. ويحدد التوقيت خبراء من مجلس العلوم والأمن التابع للمجلة بالتشاور مع مجلس رعاتها، الذي أسسه ألبرت أينشتاين في ديسمبر 1948، وكان ج. روبرت أوبنهايمر أول رئيس له. ويضم المجلس حاليًا ثمانية من الحائزين على جائزة نوبل، معظمهم في الفيزياء أو الكيمياء.

ولكن وقبل أيام، وبعد ما يقرب من ثمانية عقود من التنبؤات، تم تحريك الساعة الافتراضية الى 85 ثانية قبل منتصف الليل، وهي أقرب نقطة وصلت إليها الساعة من منتصف الليل على الإطلاق، ويمثل منتصف الليل اللحظة التي سيجعل فيها البشر كوكب الأرض غير صالح للسكن.

العراق

حين يتحدث العالم عن ساعة يوم القيامة أو حاسوب اٌلانقراض اٌلرقميٌ، يتحدث عن احتمالات،
ولكن العراق، يعيش النتائج.

العقارب تقترب من منتصف الليل في التقارير الدولية، لكننا هنا نعدّ الوقت بطريقة مختلفة
بماءٍ أقل، وبصيفٍ أطول، وبقلقٍ صار اعتياديًا.

لسنا بحاجة إلى ساعة كي تخيفنا، يكفي أن ننظر حولنا، في العراق، تبدأ القصة بالماء وتنتهي بالماء، حين ينخفض منسوب النهر، لا يتراجع رقم في تقرير، بل تتراجع حياة كاملة.

أراضٍ ومزارع واهوار تُترك، فلاحون يغيّرون مهنتهم، مدن تكبر بلا موارد تكفيها، ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع أزمة المياه كأنها ملف ثانوي، أو شأن تفاوضي مؤجل. في العراق الماء والمناخ ليسا ملفًا، بل أساس الاستقرار والرفاهية.

درجات الحرارة العالية التي نعيشها اليوم، ليست طبيعيًة، ولا عابرًة، هي نتيجة مسار طويل من الإهمال، محليًا واقليميا وعالميًا، تغيّر المناخ هنا يعني ضغطًا على الكهرباء، على الصحة، وعلى الاقتصاد.
ومع ذلك، ما زال ملف المياه يُعامل كقضية بيئية هامشية، لا كخطر وطني. ساعة يوم القيامة تقول إن المناخ يهدد العالم، العراق يثبت أن هذا التهديد يبدأ من الدول الأضعف.

حين يقلّ الماء وتشتدّ الحرارة، يتهدد الاقتصاد، الاقتصاد الذي يعتمد على النفط، ويستورد غذاءه، ولا يملك بدائل حقيقية، هو اقتصاد هشّ مهما بدا قويًا في أرقام الموازنة. نحن لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي من دون ماء، ولا عن استقرار من دون بيئة قابلة للحياة.

ما يقلقني في ساعة يوم القيامة ليس اقتراب منتصف الليل، بل أننا في العراق اعتدنا العيش قربه، اعتدنا الأزمات، وإدارة الأزمات، واعتدنا أن نسمع أنها “مؤقتة، واعتدنا أن نؤجل الأسئلة الكبيرة، واعتدنا ان لا نحاسب او نطالب دول الجوار بسبب التزاماتنا الطائفية، ناسين أن الاعتياد على الخطر لا يجعله أقل خطرًا، بل يجعله أكثر رسوخًا.

العالم قد يملك وقتًا إضافيًا، ولكن ليس العراق.

والحكومة العراقية الجديدة أمام اختبار مبكر لا يحتمل المجاملة. فالبلد لا يحتاج إلى إدارة أزمة إضافية، بل إلى تغيير في طريقة التفكير نفسها. المياه، والمناخ، والاقتصاد ليست ملفات تقنية يمكن ترحيلها، بل شروط استقرار لا تقبل التأجيل. والاعتراف بذلك ليس ضعفًا سياسيًا، بل نقطة البداية الوحيدة الممكنة.

30 كانون الثاني 2026

* من مقالة سابقة لي.