
من التحالف إلى الحزب: تقاليد اشتراكية
ما يشترك فيه الحزب الاشتراكي في زمن يوجين دبس ونورمان توماس مع الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA) اليوم هو التقليد الاشتراكي المتمثل في الانقسام الداخلي الشديد.
فكلتا الحركتين – سواء الحزب الاشتراكي آنذاك أو "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" اليوم – تتألفان من تجمعات سياسية على المستوى الوطني تنقسم إلى مجموعات فرعية رسمية وغير رسمية، تتجاوز الحدود الأيديولوجية والإقليمية والجيلية والإثنية.
وبالتالي، فكلتاهما تحالفات واسعة أكثر من كونها منظمات منضبطة ومتماسكة، إذ جمعت ــ أو ما تزال تجمع ــ تيارات سياسية مناهضة للرأسمالية متنوعة للغاية تحت مظلة واحدة في الولايات المتحدة.
أما اليوم، فإن بعض التيارات الداخلية في "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، المعروفة بإسم (Caucuses) [وتعني تجمع لأعضاء ومناصري حزب أو جماعة سياسية، غالباً لاختيار مرشح لمنصب سياسي رفيع. ومن أشهرها التجمعات التي تختار فيها كل ولاية أمريكية مرشحيها الرئاسيين ضمن أحزابها.] تمتلك ــ على الأقل في بعض الفترات ــ موظفين بأجر ومنشورات خاصة بها، وتعقد أيضاً اجتماعات وطنية مستقلة. بل وإن بعض هذه التيارات يمتلك عدداً من الكوادر والقيادات يقارب، بل يفوق أحياناً، ما كانت تمتلكه "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" ككل في فترتها الضعيفة بين عامي 2000 و2015.
بمعنى آخر، يمكن القول إن بعض (Caucuses) أصبحت اليوم، من حيث حجم النشاط والتأثير السياسي، مساوية أو حتى أقوى من "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" نفسها في تلك السنوات.
لفهم كيفية عمل الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا اليوم، يجب أولاً أن ندرك أن الـ (Caucuses) نشأت في الأساس من داخل صفوف المنظمة نفسها ــ تماماً كما كانت الفصائل داخل الحزب الاشتراكي (SP) في الماضي.
هذا لا يعني أن هذه المجموعات لا تضم أعضاء من خارج "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" أو أنها لم تتأثر بـ تقاليد يسارية دولية أخرى.
إن إدراك القواسم المشتركة بين هذين التنظيمين الاشتراكيين في تاريخ الولايات المتحدة يساعد على فهم تصورهم للديمقراطية وعمليات اتخاذ القرار داخل "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" بشكل أفضل.
فمعرفة كيفية تفاعل المجموعات الداخلية المختلفة وكيف يؤثر هذا على صياغة البرامج السياسية وعلى صورة "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" لدى العامة أمر أساسي لفهم الطريقة الفعلية التي تعمل بها المنظمة.
تشكّل الفصائل كجزء من "الحمض النووي" الاشتراكي
الانقسامات والفصائل داخل الحركة والسياسة الاشتراكية ليست ظاهرة فريدة من نوعها في الولايات المتحدة (ولا حتى في اليسار بشكل عام).
لكن ما يميز الوضع هنا ربما هو أن كلاً من الحزب الاشتراكي (SP) و"منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" نشأ نتيجة اندماج مجموعتين اشتراكيتين أخريين.
في حالة الحزب الاشتراكي، كان الأمر يتعلق بأعضاء حزب العمل الاشتراكي (SLP) والحركة الديمقراطية الاجتماعية في أمريكا (Social Democracy of America) اللذين اتحدا لتأسيس حزب جديد.
أما في حالة تأسيس "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا"، فقد كان اندماجاً قانونياً كاملاً بين "اللجنة التنظيمية للاشتراكيين الديمقراطيين (DSOC) "و"الحركة الأمريكية الجديدة" (New American Movement).
كان الهدف من هذه الاندماجات، التي جمعت القوى الاشتراكية في منظمات جماهيرية واسعة النطاق، هو التغلب على الانغلاق الفصائلي والانقسامات الصغيرة.
فعلى سبيل المثال، أشار موريس هيلكويت (1971, ص 295) صراحة إلى أنه هو ورفاقه تركوا الحزب الاشتراكي SLP لأن الحزب كان يعتبر العضوية امتيازاً لبعض المختارين فقط، وكان متردداً في فتح أبوابه أمام الجماهير.
حتى عندما غادر رجال مثل هيلكويت حزبهم القديم عن وعي، ظلوا جزءاً من الصراعات بين الفصائل المختلفة ومنطق الانقسام الفصائلي.
كانت مجموعة هيلكويت داخل الحزب الاشتراكي SLP، والتي كانت تتألف في الأساس من محامين (وكان هو نفسه محامياً)، تُعَرَف سخريةً باسم «الكنغر». وقد أُطلق هذا الاسم لسببين: أولاً لأنها كانت تُعتبر غير مستقرة، وثانياً كإشارة إلى ما يُعرف باسم "محاكم الكنغر" (Kangaroo Courts)، حيث تُصدر الأحكام ضد المتهمين قبل حتى بدء المحاكمة.
ومنذ تأسيس الحزب الاشتراكي، أصبحت مثل هذه الانقسامات جزءاً من "الحمض النووي" للحزب.
وكانت أهم نقاط الخلاف، إلى جانب مسائل أخرى عديدة، تتعلق بـ:
- ما إذا كان ينبغي المشاركة في الانتخابات وكيفية ذلك.
- الموقف من حركة النقابات العمالية.
- تفضيل المركزية أو اللامركزية في هيكل الحزب.
- العلاقة مع الحركة الاشتراكية الأوسع في الولايات المتحدة وخارجها.
تشكيل التيارات الداخلية بشكل رسمي
كانت المجموعات الداخلية داخل الحزب الاشتراكي تحمل أسماءاً مختلفة. ومن أبرزها في عهد ديبس:
- "الصفراء"، وهي التيارات المعتدلة مثل مجموعة فيكتور بيرغر وأوسكار أمرينغر، التي دافعت عن اشتراكية تطورية (evolutionary Socialism).
- "الحمراء"، وكان من بينها يوجين ديبس و"بيغ" بيل هايوود، الذين كانوا يميلون أكثر إلى اشتراكية ثورية أو تمردية(insurrectionary Socialism) (Green 1978, 48).
مواقف "الصفراء:"
- دعم مركزية الحزب.
- العمل على اختراق الاتحاد الأمريكي للعمل (American Federation of Labor) من الداخل لإصلاحه.
- السعي إلى انتخاب الاشتراكيين في المناصب الحكومية.
مواقف "الحمراء":
- تفضيل الهياكل اللامركزية.
- التعاطف والمشاركة مع العمال الصناعيين في العالم (Industrial Workers of the World)، وهو اتحاد نقابي أكثر صرامة ونشاطاً.
وكان هناك، داخل كل من هذين المعسكرين الكبيرين، خلافات إضافية ملحوظة.
فعلى سبيل المثال، كان هيلكويت، الذي اعتنق نظرياً الماركسية الأرثوذكسية الوسطية، يميل لدعم "الحمراء" في قضايا حركة العمال والانتخابات، لكنه في خلافات أخرى كان يقف إلى جانب بيرغر وحلفائه لأسباب خاصة به. (Kipnis 1952, 184)
خلال قيادة نورمان توماس في ثلاثينيات القرن العشرين، تشكّلت تيارات داخلية جديدة داخل الحزب الاشتراكي:
- "المعتدلون": ظلوا لفترة طويلة تياراً مهماً. كان توماس يميل للتسامح معهم ودعمهم ضمنياً، لكنه لم يكن عضواً رسمياً بينهم.
- "الحرس القديم": اعتبرت نفسها خليفة للتيار «الأصفر»، وكانت أكثر التيارات اعتدالاً بين الثلاثة.
- "المتطرفون": كانوا أقرب إلى الأفكار الراديكالية حول طريق الاشتراكية، ويميلون أحياناً إلى الاستلهام من بعض عناصر الحركة الشيوعية دون تبنيها بالكامل. (Fleischman 1964, 128)
وكما يُظهر التاريخ، لم تكن هذه الانقسامات دائمة، فقد تغيرت مع الزمن. فعلى سبيل المثال، غادر جزء كبير من "الحرس القديم" الحزب في أوائل الثلاثينيات لتأسيس "الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي" (Social Democratic Federation)، وعادوا بعد عقدين تقريباً إلى الحزب الاشتراكي، ثم انقسم الحزب بشكل نهائي بعد خمسة عشر عاماً.
وتشير السجلات التاريخية إلى أنه من السهل تبسيط الحركة الاشتراكية إلى جناح يميني وجناح يساري فقط، لكنه من الأدق اعتبارها طيفاً متنوعاً من القيم والمعتقدات، يتراوح من المعتدل نسبياً، لكن يساري إلى تيارات أكثر راديكالية وثورية.
تجاوز الانقسام بين اليسار واليمين
يقدّم جيمس وينشتاين، بالاستناد إلى أبحاث جيسي والاس هوغان، ملخصاً ممتازاً لهذه الرؤية، التي ترى أن المنظمات الكبرى للحركة الاشتراكية في الولايات المتحدة غالباً ما شملت طيفاً متواصلاً من المعتقدات.
فالحزب الاشتراكي، بحسب هوغان، لم ينقسم أبداً إلى معسكرين مُتعارضين أو إلى سلسلة من الفصائل المُتناحرة بالكامل. بل كانت هناك أشكال مختلفة من التعاون بين جميع مجموعات الحزب، مثل: إصدار الصحيفة الحزبية، الدفاع عن حرية الرأي، أو المشاركة في صراعات عمل محددة. ومع ذلك، يمكن ملاحظة تدرجات تدريجية وانتقالات بين: الثوريين في الجناح الأيسر، وأنصار الاشتراكية البناءة في الجناح الأيمن، مع وجود مجموعات وسطية متغيرة باستمرار، يصعب تحديد خصائصها بدقة، ويميل أفرادها إلى النقد المتبادل المستمر. (المصدر السابق)
الشخصية الني جسدت هذه التعقيدات وعدم الوضوح كانت كيت ريتشاردز أوهاري.
نشأت أوهاري، مثل ديبس، في الغرب الأوسط الأمريكي، وأصبحت اشتراكية بعد أن اقتنعت بأن الطرق الأخرى لإحداث التغيير الاجتماعي لم تكن كافية. سافرت هي وزوجها عبر عدة ولايات، وسرعان ما أصبحت معروفة على الصعيد الوطني وواحدة من المتحدثات البارزات بإسم الحزب.
كانت البراغماتية السياسية تجمعها مع أمرينجر، لكنها في الوقت نفسه دافعت مع آخرين عن لامركزية أو إقليمية العمل الحزبي.
وعلى الرغم من أنها لم تعتبر نفسها نسوية، إلا أن رجالاً مثل بيرغر وهيلكويت ــ الذين كانت تتفق معهم سياسياً في نقاط عديدة ــ كانوا منزعجين من جنسها ومن أصولها القريبة من سهول الغرب الكبير (Great Plains)، وبالتالي عارضوها. (Miller 1998, 570)
تماماً كما كان من المستحيل في الماضي إسناد أوهاري إلى فصيل محدد، نرى اليوم تعقيداً مماثلاً في كوادر وهياكل "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا".
عادةً ما يكون القادة المُنتخبون على المستوى الوطني في "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" ليسوا مستقلين مثل أوهاري، بل ممثلين لفصائل داخلية معينة تُعرف باسم الـ(Caucuses) . هؤلاء القادة هم أعضاء رسميون في لجنة تسمى "اللجنة السياسية الوطنية" (National Political Committee – NPC)، والتي يتم تحديد أعضائها عبر مندوبين كل عامين في الاجتماعات الوطنية.
ويلاحظ أن معظم أعضاء "اللجنة السياسية الوطنية" NPC الحاليين ينتمون إلى وجهة معينة، على عكس غالبية أعضاء المنظمة. لذلك، غالباً ما تعكس تصويتاتهم مواقف أكثر من معتقداتهم الشخصية.
لا تمتلك "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" نظاماً برلمانياً يسمح للوجهات المختلفة بتشكيل تحالفات رسمية، ومع ذلك تتحدث منشورات المنظمة عن "أغلبية" و"أقلية" داخل NPC . لكن هذه التحالفات ليست دائمة أو مستقرة بالضرورة، وينطبق الشئ نفسه على تغيرات الأغلبية داخل اللجنة.
فقد تتفق بعض المجموعات على مسائل محاسبة السياسيين الذين تدعمهم "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا"، لكنها تختلف بشأن السياسة الدولية.
وبالتالي، ينطبق على "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" ما لاحظه هوغان سابقاً عن الحزب الاشتراكي: تحت ظروف معينة، يمكن للمنظمة أن تتصرف بالإجماع و بشكل موحّد.
الحماس واستثمار الفرص كشرط أساسي للوحدة
كان الحزب الاشتراكي في عهد ديبس، مثل "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" في العقد الماضي، من الناحية القانونية منظمة سياسية واحدة، لكنه في الممارسة تحالفاً يتألف من عدة منظمات.
ان وجود أفكار متنوعة وفصائل وقادة مختلفين، كما هو الحال داخل "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا"، لا يعني بالضرورة أن الحياة الحزبية أو النقاشات محكومة فقط بالصراعات.
فـآليات التصويت المستخدمة في اتخاذ القرارات البرنامجيّة يمكن أن تعزز الوحدة.
كما أن الحملات المشتركة، والتركيز على السياسة الراهنة، واستغلال فرص التدخل الفعّال يمكن أن تعزز التماسك الداخلي، وتخفف التوترات، وتمنع الانقسامات.
يمكن القول بشكل عام إن طابع التحالف في أي تنظيم اشتراكي لا يتعرض للخطر فقط بسبب وجود الفصائل أو وجهات النظر، التي تعود جذورها إلى الخلافات السياسية التاريخية. كما كان الحال في الحزب الاشتراكي (SP)، تعمل اللجنة الوطنية في "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" اليوم بشكل مستقل، وتؤثر على توجه المنظمة وصياغة برامجها.
في عشرينيات القرن الماضي، كان حوالي نصف أعضاء الحزب الاشتراكي ينتمون إلى ما يُعرف بالجمعيات اللغوية الأجنبية. وكانت لهذه الروابط العرقية تأثير كبير على العديد من القرارات بعد الحرب العالمية الأولى، وساهمت في تشكيل توجهات الحزب ودفع حماسته للثورة الروسية. وتجدر الإشارة إلى أن جزء لا يستهان به من هؤلاء الأعضاء انضم لاحقاً إلى الحركة الشيوعية الناشئة.
في "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا"، مارست بعض التجمعات الوطنية في الماضي نفوذاً خاصاً، مثل تجمع العمل والتجمع الدولي. فمثلاً، كان يُسمح لها إصدار بيانات مستقلة في مناسبات معينة. وحتى اليوم، يظل تأثيرها على مواقف وتوجهات "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" كبيراً.
كما تعمل هذه التجمعات بإسم "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" مباشرة مع شركاء خارجيين، متجاوزة القادة المنتخبين والموظفين الرسميين بالمنظمة.
في العقد الأول من تأسيس الحزب الاشتراكي (SP)، ساهمت زيادة عدد الأعضاء بسرعة، ومشاركة مرشحيه الناجحة في الانتخابات، وتنامي تأثيره على النقابات، والأنشطة الثقافية الملهمة، وغيرها من العوامل في خلق جو من الحماسة والانطلاق ومنع الانقسام الداخلي.
لم يظهر الخلاف والانقسام إلاّ عندما بدأ القمع الحكومي، وظهرت الخلافات حول موقف الحزب من الاتحاد السوفيتي الجديد، عندها أصبح الانفصال الداخلي أمراً لا مفر منه.
لم يفقد الحزب الاشتراكي أعضاءه فقط لصالح الحزبين الشيوعيين اللذين تأسسا حديثاً في الولايات المتحدة (واللذان اندمجا لاحقاً)، بل فقد أيضاً أعضاءاً لصالح حزب العمل(Labor Party) الذي لم يَدُم طويلاً.
وكان سبب هجرة الأعضاء في كلا الاتجاهين ليس لأن الحزب تبنى مبادئ خاطئة، بل لأنه، كما حدث في حالة حزب العمل، أصبح غير قادر على العمل السياسي الفعّال بسبب الصراعات الداخلية بين الفصائل.
بالعودة إلى الحاضر: شهدت "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" أول دفعة من الوحدة خلال اللحظة السياسية التي مهّدت لبعثها من جديد، وهي ترشيحات بيرني ساندرز للرئاسة (2016 و2020).
لم تسهم حملات ساندرز في رفع مكانة الاشتراكية الديمقراطية وجذب الآلاف للانضمام إلى "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" فحسب، بل أدخلت قضايا مثل "Medicare for All" (تأمين صحي شامل للجميع) إلى النقاش العام السائد.
وقد أثارت الحملات الداعمة لهذه الإصلاحات حماسة تجاه "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" وبرنامجها السياسي، وخلقت ديناميكية ومناخاً من الأمل كان ضرورياً للحفاظ على تماسك المنظمة حتى في الأوقات الصعبة، خصوصاً عندما ازدادت الخلافات وظهرت علناً.
على سبيل المثال، كان دعم "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" لساندرز في 2020 أكثر تعقيداً وأقل إجماعاً مقارنة بترشيحه الأول للرئاسة. ومع ذلك، ومن خلال عملية تصويت ديمقراطية داخلية، تمكنت المنظمة في النهاية من التوحد مجدداً والدفاع عن ساندرز بكل قوتها. (4).
* لمزيد من التفاصيل حول تاريخ توصيات الـDSA في انتخابات الرئاسة الأمريكية والعمليات الديمقراطية التي تقوم عليها هذه التوصيات، انظر فصلي بعنوان:
"الاشتراكيون الديمقراطيون والرئاسة الأمريكية في العصر النيوليبرالي"، في: Burnham/Elbaum/Poblet 2022.)
فيما يتعلق بوحدة المنظمة، شهدت "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا تقلبات منذ انسحاب ساندرز من الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في أبريل 2020.
ففي صيف 2020، وقفت منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" بشكل موحّد خلف احتجاجات جورج فلويد وحركة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter).
ومع ذلك، كانت انتخابات الرئاسة 2020، ولا سيما حكومة بايدن التالية، وقضية التعامل مع أجندتها السياسية مواضيع نقاشات محتدمة ومتباينة داخل المنظمة.
فعلى الرغم من أن أبرز الاشتراكيين الديمقراطيين في البلاد، مثل ساندرز وألكسندريا أوكاسيو- كورتيز، دعموا حملة بايدن وأجندته الداخلية في السنوات الأولى بشكل صريح، كانت "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" أكثر تشككاً وتفاوتاً في مواقفها تجاه الرئيس، ولم يكن هناك اتفاق واضح حول كيفية التعامل مع سياسة الحكومة الفيدرالية.
وكان هناك استثناء يتعلق بإصلاح قانون حماية الحق في التنظيم (Protecting the Right to Organize Act – PRO Act)، حيث دافعت "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" بشكل موحّد وقوي، إلاّ أن المشروع فشل في مجلس الشيوخ.
أما مشاريع القوانين الأخرى التي دعمتها "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا"، مثل "Medicare for All" (الرعاية الطبية للجميع)، فقد كانت فرص نجاحها ضئيلة منذ البداية.
وبسبب رفضها لبعض السياسات ولأنها لم تكن قوة سياسية كبيرة بما يكفي، لم تتمكن "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" من ممارسة أي تأثير فعّال على سياسات بايدن.
من "القبة الحديدية" إلى 7 أكتوبر: جدل "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" حول التضامن مع فلسطين
نظراً لأن "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" لم تكن قادرة على ممارسة الضغط على حكومة بايدن أو التأثير عليها، أصبح سلوك التصويت لأعضائها في الكونغرس الأمريكي ذا أهمية خاصة، لا سيما في القضايا المتعلقة بفلسطين ودعم الولايات المتحدة لإسرائيل، والتي أدت إلى أحد أشد الصراعات الداخلية بين الفصائل في تاريخ المنظمة.
كان جمال بومان مربياً، وتم انتخابه في عام 2020 كعضو في الكونغرس عن ولاية نيويورك على قائمة الحزب الديمقراطي، وكان عضواً في "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا". وقد دعموه في حملته التمهيدية بشكل متأخر نسبياً.
ويعود نجاح بومان الانتخابي بشكل رئيسي إلى مجموعات مثل(Justice Democrats) "ديمقراطيو العدالة التقدمية"، التي تركز على الانتخابات التمهيدية، والتي ساهمت أيضاً بشكل كبير في فوز أوكاسيو- كورتيز.
وكان بومان ثاني عضو من "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" يمثل ولاية نيويورك في مجلس النواب في عصرها الجديد. (5) (كان بعض أعضاء الكونغرس، مثل ميجور أوينز وجيرولد نادلر، أعضاءاً في اللجنة التنظيمية للاشتراكيين الديمقراطيين (DSOC) و"منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" قبل عام 2016. وكان أوينز آخر عضو من الـمنظمة في مدينة نيويورك بالكونغرس قبل انضمام ألكسندريا أوكاسيو- كورتيز.
في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، هزم بومان الدبلوماسي المعروف والناشط في السياسة الخارجية إليوت إنجل، وميّز نفسه بشكل واضح عن مواقف إنجل بشأن سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، وخاصة تجاه الحكومة الإسرائيلية.
لكن ونظراً لوجود عدد كبير من الناخبين في دائرته الذين ما زالوا يتعاطفون مع مواقف إنجل في السياسة الخارجية، اضطر بومان إلى مراعاة هذا الجانب إلى حد ما في مواقفه.
تصاعد هذا الصراع إلى ما أصبح يعرف بـ فضيحة بومان، عندما صوّت النائب في الكونغرس لصالح تمويل "القبة الحديدية" الإسرائيلية، وهو برنامج دفاع صاروخي.
دخلت مجموعات "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" والناشطون البارزون وأعضاء المنظمة في جدل محتدم حول ما إذا كان هذا التصويت يشكل انتهاكاً للقيم الديمقراطية ومواقف المنظمة المعلنة.
في الماضي، كانت الـمنظمة قد دعمت حملة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" (BDS)، التي تدعو، من بين أمور أخرى، إلى وقف كل أشكال المساعدات العسكرية لإسرائيل. وقد عاد هذا الجدل مؤخراً عندما صوّتت ألكسندريا أوكاسيو- كورتيز أيضاً لصالح تمويل "القبة الحديدية".
في النهاية، لم يُستبعد بومان من "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" كما طالب البعض، بل انسحب بهدوء وخسر توصية المنظمة الانتخابية لعام 2022.
ومن اللافت أنه انضم لاحقاً مجدداً، وتمت المصالحة مع فرع المنظمةDSA في مدينة نيويورك، الذي قدم له دعماً كبيراً خلال حملته الانتخابية غير الناجحة لعام 2024.
الفصيل الذي كان الأكثر صراحة في الدعوة لاستبعاد بومان كان مجموعة عمل BDS داخل "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا".
أدى التحرك العدائي لمجموعة عمل BDS ضد بومان، والخلافات القائمة، وعدم الامتثال لتوجيهات القيادة الوطنية إلى جدالات صعبة على المستويين المحلي والوطني.
بعد أشهر من النزاع، قررت "اللجنة السياسية الوطنية" (NPC) في النهاية، بعد تصويت مُتقارب، حل مجموعة عمل BDS، ونقل مهامها إلى اللجنة الدولية.
ورداً على ذلك، انسحب أعضاء مجموعة عمل BDS من المنظمة احتجاجاً، وحظي انسحابهم بدعم علني من بعض الفروع المحلية لمنظمة الديمقراطيين الأشتراكيين في اميركا.
لم تكن هذه المرة الأخيرة التي تغادر فيها مجموعة من اعضاء "منظمة الديمقراطيين الأشتراكيين في اميركا" بسبب الخلافات المتعلقة بإسرائيل واحتلالها لفلسطين.
فعقب هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، وما تبعه من ضربات عسكرية إسرائيلية شديدة ضد الفلسطينيين في غزة، شهدت المنظمة انسحاب أعضاء كانوا يميلون للتعاطف مع إسرائيل ويجدون صعوبة في اعتبار حماس تمثيلاً سياسياً شرعياً للشعب الفلسطيني.
من الأمثلة على ذلك انسحاب 24 عضواً قديماً من "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" بعد شهر من هجوم حماس، وقد برروا ذلك في رسالة مفتوحة. تضمنت الرسالة فقرتين عن الخلافات حول الانضباط الانتخابي في التصويت البرلماني، والتعامل مع جهود بايدن الناجحة لوقف إضراب السكك الحديدية.
لكن في بقية الرسالة، انتقد المؤلفون "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" لعدم إظهارها قدراً كافياً من التعاطف مع ضحايا هجوم حماس من الإسرائيليين، ولسلوكها العام الذي اعتُبر متساهلاً للغاية تجاه الأنظمة السلطوية.
1- توضح هاتان الحالتان من الانقسامات داخل "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" وانسحاب أعضاء مجموعة عمل BDS، وانسحاب الأعضاء الدائمين الذين يميلون للتعاطف مع الصهيونية – حقيقتين أساسيتين عن المنظمة الحالية:
الفصائل والتحالفات يمكن أن تتغير، لكن بعض المحتويات البرنامجية، مثل التضامن مع فلسطين، تبقى ثابتة.
2- تنبع الخلافات في الغالب من داخل المنظمة نفسها، وهي نتيجة للنزاعات والصراعات الداخلية المتعلقة بالاستراتيجية والتوجه السياسي الأساسي.
جميع الأعضاء الذين غادروا "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" من المجموعتين المذكورتين أعلاه كانوا ناشطين كأفراد داخل المنظمة، ولم يكونوا خارجين دخلوا الـمنظمة بهدف توجيه سياستها في اتجاه معين أو تقسيمها.
فالانسحاب من التنظيمات السياسية يحدث بطبيعة الحال عندما يشعر الأفراد أنهم لم يعودوا قادرين على تحقيق أهدافهم ضمن العملية الديمقراطية المعتمدة داخل المنظمة.
الخطر الحقيقي والمتخيل للاختراق الداخلي (Entrismus)
يكتسب التمييز بين الخلافات الداخلية و"المحرضين الخارجيين" أهمية كبيرة، لأن تاريخ اليسار الأمريكي شهد مراراً حالات دخلت فيها مجموعات صغيرة عمداً ككتلة داخل منظمات أكبر. وتعرف هذه الممارسة عادةً باسم الاختراق الداخلي.
وفقاً لتعريف المؤرخ اليساري موريس إيسرمان، فإن الاختراق الداخلي هو:
عملية تنضم فيها مجموعات منظمة بإحكام، دون مشاركة مُعتقدات المجموعات أو الأحزاب الأكبر والأكثر مرونة، إلى هذه الأخيرة بهدف تدميرها أو، إن أمكن، السيطرة عليها لمصالحها الخاصة، التي تتعارض مع روح وأهداف الأعضاء الأصليين.
ويُعتبر القلق من خطر الاختراق الداخلي في "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" كبيراً خاصة بين الذين يتذكرون نشاطات الماويين في ستينيات القرن الماضي، عندما دخل "طلاب من أجل المجتمع الديمقراطي" (SDS) بهدف تدويل المجموعة وجعلها أكثر راديكالية.
وقد أدى ذلك إلى أن أصبح برنامج SDS أكثر ثورية، لكنه سرعان ما أدى أيضاً إلى حل المنظمة.
ويشير أولئك الذين يخشون الاختراق الداخلي إلى تجربة الحزب الاشتراكي في ثلاثينيات القرن الماضي. ففي عام 1936، دخلت أجزاء من الحركة التروتسكية ككتلة واحدة إلى الحزب، لكنها فشلت في السيطرة عليه كما كانت تخطط. وبعد عامين، كان معظمهم قد غادروا بمحض إرادتهم أو تم استبعادهم.
ومع ذلك، أسفرت تحركاتهم عن موجة انسحابات بين الأعضاء الأكثر تحفظاً، الذين أسسوا لاحقاً "الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي" (Social Democratic Federation) الذي، وفي مفارقة تاريخية، تعاون لاحقاً مع الشيوعيين في أماكن مثل نيويورك ضمن "حزب العمل الأمريكي" الجديد (American Labor Party)، رغم المعارضة الشديدة السابقة لهم.
ولم يعد الحزب الاشتراكي بعدها يستعيد قوته السابقة، بل فقد على مدى العقود التالية أهميته بشكل كبير.
مع ذلك، تعتبر مثل هذه الحوادث استثناءاً أكثر من كونها قاعدة، إذا نظرنا إلى تطور المنظمات الاشتراكية الديمقراطية في الولايات المتحدة.
لا شك أن محاولات الاختراق الداخلي حدثت بين الحين والآخر حتى فيما يتعلق بـ DSA، مثلاً من قبل مجموعات صغيرة مثل "البديل الأشتراكي"، لكنها بقيت إلى حد كبير بلا تأثير.
ما حدث في "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" لا يمكن وصفه بالاختراق الداخلي، بل هو إعادة تأسيس غير مخطط لها لليسار. والفكرة الأساسية وراء هذا الأمر هي جمع البنى الراديكالية القائمة لتشكيل كيان جديد، وكسب القوة من خلال إعادة توجيه استراتيجي.
ويمكن القول إن هذا الأمر حدث إلى حد ما بالفعل، وإن كان بطريقة عشوائية وغير مُنظمة: ففي السنوات الأخيرة، انضم مئات من أنصار مجموعات يسارية أخرى إلى منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا كأفراد. ومع ذلك، لم يشغل هؤلاء "القدامى" الاشتراكيون أي مناصب قيادية كبيرة داخل المنظمة، ولم يكن هدفهم ذلك أصلاً.علاوة على ذلك، شهد العديد من الاشتراكيين القدامى تغيّراً في توجههم السياسي بعد انضمامهم إلى الـمنظمة.
من أبرز الأمثلة على ذلك الأعضاء السابقين في "المنظمة الاشتراكية الدولية" (ISO) والتي كانت تنظيماً تروتسكياً بكادر ديمقراطي - مركزي يضم حوالي 500 إلى 1000 عضو، وقد انحلّ في عام 2019.
وانضم العديد من أعضائها السابقين بعد ذلك إلى "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا"، وهم اليوم نشطون في فصائل ومشاريع مختلفة داخل المنظمة. ويمثل بعضهم اليوم توجهاً سياسياً أقرب إلى "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" القديم منه إلى ISO.
ومع ذلك، يمكن القول بشكل عام إنه لا يمكن تحديد مسارات تطوير موحدة للاشتراكيين القدامى الذين انضموا إلى "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا"، حتى وإن جاءوا من تيارات خارجية متشابهة.
--------------------------------------
· ديفيد دوهالدي: هو رئيس "صندوق الاشتراكيين الديمقراطيين الامريكيين"، وهي منظمة تعليمية غير ربحية شقيقة للحزب الاشتراكي الأمريكي. وهو المدير السياسي السابق للحزب الاشتراكي الأمريكي.
(يتبع)







