المقدمة:

لا يمكن لأي عملية قرصنة ان تكون عملا بطوليا، ولا لأي قرصان أن يكون شجاعا، واثيرا عند الجماهير بأي بقعة من العالم.

وفقدان أي مناضل وطني وعنيد وشجاع مثل مادورو لن يفت في عضد المناضلين المدافعين عن اوطانهم من حاملي رايات الحرية، ولا ان يتقهقروا للخلف بل يتخذون من أي بطل أسير مبعثا لفخرهم واصرارهم على النضال والسعي لطرد اي غاصب ومحتل. ويوم اغتالت قوى الشر جيفارا لم يفت بعضد رافعي رايات الحرية ذلك بل أصبح رمزا وايقونة تقض مضاجع الإمبرياليين وكل الاصنام التي صنعوها من خونة الشعوب وعبيد الاجنبي..

تلك هي معادلة الدم والسيف، دم المناضلين الذي يكسر سيف الجلاد وكل جيوشه ومريديه..

لذلك لا زلنا منذ يوم عملية القرصنة على كراكاس عاصمة فنزويلا لليوم نبحث ما بين الوجوه عن وجه حالك السواد، يجلله عار الخيانة، كما تذكر لنا الحكايات صورة ابي رغال الذي دل جيش ابرهة الحبشي على طريق مكة..

مبررات الامبريالية التي تنقصها حقائق ووثائق:

مقدما لا يمكننا ان نبرئ اي نظام وطني يقوده برجوازيون صغار من اي تهم بالتقصير في ادارة البلاد وحتى بعمليات قمع لمناضلين تقدميين يكافحون من اجل اسعاد البشرية ومنها شعوبهم، كون الانظمة الوطنية البرجوازية غير متكاملة التكوين وتنحو احيانا كثيرة للنهج الشعبوي ووفق شعارات ديماغوجية في قيادة السلطة ، مما يوقعها بأخطاء كبيرة تشمل ادارة الدولة واقتصادها وبالتالي ينعكس ذلك سلبيا على علاقتها بالجماهير ، بسبب من عدم نضوج الوعي الثوري السياسي ،من خلال حتى تطبيق بعض المفاهيم الاشتراكية بطريقة خاطئة لا تخدم جماهيرها ، وفنزويلا من ضمن تلك البلدان التي وقعت السلطة فيها بأخطاء كثيرة ، وخلافات وصلت لحد القمع ضد اطراف تقدمية يتقدمها الحزب الشيوعي الفنزويلي واطراف سياسية يسارية ، بسبب يتعلق بالسياسات الخاطئة للنظام الفنزويلي التي تسببت بحالة من الفقر والفاقة عند جموع كبيرة من ابناء الشعب الفنزويلي نتيجة للسياسات والتصرفات الفردية لأطراف حاكمة ابتعدت بسبب تصرفاتها عن تعاطف الجماهير وتسببت بحدوث شقاق بين السلطة البرجوازية والاطراف اليسارية.

لكن السؤال هل يبرر اي خلاف سياسي، واخطاء بإدارة الدولة التدخل الاجنبي، ويصل لحد اختطاف رئيس منتخب بطريقة القرصنة الاستعمارية التي تعود اصولها الى القرون الوسطى؟

والجواب طبعا كلا، لان من حق الشعوب فقط محاسبة حكامها، بطرق عدة اولها الحوار السياسي، وتفاهم بين السلطة والمعارضة بعيدا عن اي تدخل خارجي، ووفق الاطر الديمقراطية التي لا تخلخل اطر الدولة واسسها ومؤسساتها.

لذلك تبقى كل الادعاءات والتهم الامريكية تجاه الرئيس الفنزويلي باطلة ولا اساس لها من الصحة اطلاقا.

ما حصل يعود بنا للعام 1989 واختطاف الجنرال نوريغا:

وبالعودة للعام 1989، ورغم الفارق بين الرجلين الجنرال نوريغا حاكم بنما، والرئيس نيكولاس مادورو، ونقولها سلفا ان لا جامع بينهما سوى الحدث المشابه. يمكننا ان نتمعن بكل تصرفات اليانكي الامريكي ودوره في التدخل في بلدان عدة جلب لها الخراب والدمار بتصرفاته التي كان ولا زال مبعثها جشع الامبريالية وطمعها في احتلال البلدان واستغلال ثرواتها ونهب خيراتها والامثلة عديدة ولسنا بصدد تعدادها ولا تفصيلها، لكنها السبب الرئيسي لكل تهور الإمبرياليين وتصرفاتهم هي اللصوصية، والسطو على ثروات الشعوب واذلالها..

ففي 20 ديسمبر/كانون الأول 1989، أصدر الرئيس الأميركي جورج بوش الأب قرارا بغزو بنما، ونشرت الولايات المتحدة أكثر من 26 ألف جندي لتنفيذ عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "القضية العادلة" أطاحت برئيس البلاد مانويل نورييغا.

وبسبب ممر حيوي بأمريكا اللاتينية وهي قناة بنما نشب الخلاف بين نورييغا الذي كان يتمتع بدعم أميركي في السابق، إلا أن العلاقات بين الجانبين شهدت توترا متصاعدا في ثمانينيات القرن العشرين، وبدأت واشنطن توجه له اتهامات بالفساد السياسي وغسل الأموال وتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، إلى جانب عدم القدرة على حفظ الأمن ​​حول قناة بنما.

وكذلك وبنفس الحجج قامت امريكا بالانقلاب على عملائها السابقين مثل صدام حسين وأصبح العميل السابق بعد ان نفذ كل ما طلبوه منه عدوا جديدا يجب اقصاؤه. وذلك بسبب موقع العراق الاستراتيجي وثرواته النفطية والثروات المعدنية الاخرى وقربه من كل من إيران وروسيا والصين.

وهكذا افتعلت امريكا تهمة تهريب المخدرات للرئيس مادورو، كحجة رئيسية بعد ان اعيتها الحيل والاساليب التآمرية لإسقاط حكمه بواسطة عملائها وتنصيبها شفهيا البعض منهم حتى كرؤساء للجمهورية خارج نطاق الرغبة الشعبية والاطر الديمقراطية بفنزويلا..

لذلك لجأت لأسلوب العصابات والقرصنة العسكرية من قبل دولة هي امريكا ووفق اوامر من الدولة العميقة الحاكمة بأمريكا والعالم بواسطة المجمع العسكري الامريكي بعمليتها الاخيرة.

ما الدرس الذي نأخذه من كل ما جرى؟

خلاصة ما نستنتجه مما حدث سابقا من قيام امريكا بالاطاحة بنظم وطنية ومنذ خمسينيات القرن الماضي بعد ان عبرت المحيط لمنطقتنا بعد الحرب العالمية الثانية، بأن لعابها سال لموارد معدنية ونفوط لدول تراها بعينها الحولاء انها غير اهل للاستفادة منها داخل امريكا اللاتينية والشرق الاوسط وبانها الاحق وفق التفكير الامبريالي الاستعماري لغزو البلدان واحتلالها واذلال شعوبها وتحطيم اقتصادياتها ونشر الفقر والعوز فيها.

وكذلك تخريب النظام المالي والاداري واشاعة الفساد فيها المجتمعي والاخلاقي والاداري وتفشي الرشوة، ودعم عملاء ظاهرين او مخفيين يساهمون بتمكينها من الاستحواذ على تورات بلدانهم، وربطهم بالتبعية الغربية بواسطة امريكا.

أي ان كل ما يتم تنفيذه من قبل الادارات الامريكية للبلدان الغنية يعود بسبب ملكيتها لثروات بترولية ومعدنية، وممرات بحرية مهمة وحيوية وتدر ارباحا طائلة وتشكل مواقع ستراتيجة لأمان مرور سفنها البحرية وجيوشها ومعداتها العسكرية التي تنقلها تلك السفن.

ولذا لن تكون عملية القرصنة الاخيرة لاعتقال الرئيس الشرعي لفنزويلا نيكولاس مادورو وإحدى أقرب مستشاريه وهي زوجته المحامية سيليا فلوريس، المعروفة بلقبها الحركي "سيليتا"، بل ستفتح شهيتها للتوجه نحو دول " مارقة " اخرى بنظرها لاعتقال حكامها او قتلهم واذلال شعوبها مالم تتشكل كما في خمسينات القرن الماضي قوى تحرر من احزاب وطنية وثورية واشتراكية للوقوف بوجه اي عدوان مستقبلي على شعوب العالم، وحفظ حقوقها الشرعية بالحرية والديمقراطية والتحرر من الاستعمار، وحماية ثرواتها الطبيعية ...

*رئيس تحرير جريدة السيمر الأخبارية