يشهد عالمنا المعاصر حزمة من المتغيرات شملت كثرة من القضايا السياسية - الفكرية منها- انهيار التجربة الاشتراكية والسيادة العالمية لإسلوب الإنتاج الرأسمالي ومنها كثرة النزاعات الاجتماعية في الدول الوطنية ومنها تعدد التدخلات الدولية في الشئون الوطنية وأهمها العقوبات والحصارات الاقتصادية للدول الرافضة للهيمنة الاجنبية.

-- التحولات العاصفة في العلاقات الدولية لم تكن أحزاب اليسار الاشتراكي بعيدة عنها اذ تبدلت موضوعات برامجها الفكرية وغابت عنها كثرة من الركائز المفصلية منها أسلوب استلام السلطة السياسية، طبيعة الدولة الوطنية، وقيادة التحالفات السياسية المناهضة لسياسة التبعية والتهميش.

-- التغيرات السياسية التي أفرزتها وحدانية التطور الرأسمالي تتطلب التوقف عند مضامينها الفكرية – السياسية ومدى تجاوبها مع التبدلات الكبرى في العلاقات الدولية.

استندا الى تلك التبدلات نعمد الى دراستها عبر ملفات ثلاث-

اولاً- التبدلات السياسية ومهام القوى اليسارية – الديمقراطية.

ثانياً– وحدانية التطور الرأسمالي وبناء الدولة الوطنية.

ثالثاً - اليسار الديمقراطي والتحالفات الوطنية.

استنادا على منهجية المقال نسعى الى التقرب من مضامينها السياسية -الفكرية.

اولاً- التبدلات السياسية ومهام القوى اليسارية – الديمقراطية.

- اعتمد اليسار الاشتراكي في مرحلة ازدواجية خيار التطور الاجتماعي على برنامج سياسي – اجتماعي استمد شرعيته من انقسام العالم الى نهجين للتطور الاجتماعي وتبعاً لذلك اعتمد برنامج اليسار الاشتراكي على مرحلتين للتطور السياسي - الاجتماعي أولهما استلام السلطة السياسية وما يتطلبه ذلك من سيادة مرحلة انتقالية لبناء ركائز السلطة الثورية، وثانيهما بناء الممهدات المادية لانتقال الدولة والمجتمع الى التشكيلة الاشتراكية.

  -- حظي برنامج المرحلة الانتقالية بمشروعية سياسية – تاريخية استندت على انقسام العالم الى نموذجين للتطور الاجتماعي اشتراكي – رأسمالي.

- انهيار النموذج الاشتراكي للتطور الاجتماعي أدى الى ازمة فكرية سياسية لأحزاب اليسار الاشتراكي تمثلت بانهيار برنامجه السياسي- الاقتصادي الهادف الى بناء الدولة الاشتراكية وما تطلبه ذلك الانهيار من ضرورة دراسة نتائجه السياسية -الاقتصادية والبحث عن رؤى فكرية جديدة لبناء العالم الجديد.

-- السيادة الدولية للتشكيلة الرأسمالية العالمية افرزت ثلاث نهوج فكرية في الحركة الاشتراكية أولهما نهج هادف الى الغاء الركائز السياسية -الاقتصادية لبناء الدولة الاشتراكية. وثانيهما نهج عامل على تدقيق المساند الأساسية للبناء الاشتراكي واعتماد ما يصلح منها لتطوير الكفاح الوطني -الديمقراطي. أما النهج الثالث فقد اعتمد الركائز الفكرية والسياسية لنموذج التجربة الاشتراكية المنهارة بدون تغيير.  

ثانياً – وحدانية التطور الرأسمالي وبناء الدولة الوطنية.

-أطاح انهيار التجربة الاشتراكية بمرتكزات اليسار الاشتراكي الفكرية وخلق كثرة من الرؤى تشترطها وحدانية التطور الرأسمالي وبهذا الإطار تنتصب أمام الباحثين حزمة من الأسئلة منها- ما هي مهام الأحزاب الاشتراكية في الطور الجديد من التوسع الرأسمالي؟ ومنها ما هي أساليب استلام السلطة السياسية؟ ومنها ماهي مضامين سلطة الدولة الجديدة المزمع بناءها؟ وأخيراً ما هي الطبقات الاجتماعية القادرة على بناء الدولة الوطنية وصيانتها من التبعية والتهميش.

- أفضى انهيار التجربة الاشتراكية الى تعدد العقبات السياسية-الفكرية التي تواجه الباحثين العاملين على صياغة منطلقات اشتراكية مناهضة للطور المعولم من التوسع الرأسمالي وبناء دولة العدالة الاجتماعية.

 - رغم تلك الصعاب أحاول اضاءة بعض مهام الكفاح الوطني - الديمقراطي المنبثق من وحدانية التطور الرأسمالي.

- بداية أشير الى ان التوسع الرأسمالي يستهدف الدول الوطنية وثرواتها الطبيعية باعتبار -دول العالم الثالث- تشكل محيطاً ضامناً لهيمنة المراكز الرأسمالية عليه فان تلك الهيمنة تشترط تهميش وإلحاق الدول الوطنية بالمراكز الرأسمالية وما يتطلبه ذلك من تفكك الدولة الوطنية وتهميش تشكيلتها الاجتماعية وما ينتجه من انهيار ركائز الكفاح الوطني-الديمقراطي الذي تقوده الطبقات الاجتماعية المناهضة للتبعية والتهميش.

- ان انتقال مركز الصراع العالمي ضد وحدانية التطور الرأسمالي والحفاظ على الدولة الوطنية يتجلى في تنامي الحركات الاجتماعية اليسارية وتطور أدوارها في الحياة السياسية والتي يمكن تحديدها ب-

1 – تطور مفهوم الوطنية -الديمقراطية.

يرتكز مفهوم الوطنية -الديمقراطية على صيانة الدولة الوطنية من التبعية والتهميش ويستند على كثرة من الانشطة السياسية منها تحالف الطبقات الاجتماعية العاملة على صيانة الدول الوطنية. ومنها مكافحة نهوج الطبقات الاجتماعية المتحالفة مع الرأسمال الاحتكاري وبالتحديد منها الطبقات الهامشية الكمبورادورية والمالية الربوية. ومنها اعتماد الحريات السياسية للقوى الوطنية المناهضة لميول التخريب.

  ان الصراع الذي تخوضه القوى الوطنية- الديمقراطية يتلخص في مكافحة الميول التخريبية لراس المال الدولي الهادفة الى الحاق الدول الوطنية بسياسية الاحتكارات الدولية وجعلها مستودعا للتطور راس المال الدولي.

2 – تنامي الروح القومية في الدول الرأسمالية.

أمست النزعات القومية في الدول الرأسمالية المتطورة حاجزا فكريا -سياسياً امام هيمنة المراكز الرأسمالية المعولمة واستناداً الى ذلك تأخذ المنافسة الرأسمالية اشكالا من النزاعات الاقتصادية بين الدول الرأسمالية ناهيك عن دعوات اليمين المتطرف وبرامجه الهادفة الى العزلة الدولية ومناهضة القوميات الأخرى.

--ان انتشار النزعة القومية في الدول الرأسمالية وتنامي نهوجها اليمينية المتطرفة تتلازم وشدة كفاح اليسار الاشتراكي الهادف الى مناهضة سياسة اليمين الانعزالية.

ثالثاً - اليسار الديمقراطي والتحالفات الوطنية.

- انتقال مركز الحركة المناهضة للتوسع الرأسمالي الى الدول الوطنية يتأتى من دورها الجديد في العلاقات الدولية كونها عرضة للتهميش والالحاق وبهذا المحنى فان ذلك الانتقال ينعكس على طبيعة القوى الاجتماعية في الدول الوطنية والتي يمكن حصرها بكتلتين الأولى منهما وطنية -ديمقراطية تضم القوى الساعية الى بناء الدولة الوطنية على أسس الاستقلال والسيادة الوطنية. اما الكتلة الثانية فتضم الطبقات الفرعية الساعية الى التحالف مع الوافد الأجنبي والراغبة في سياسية العزلة والتهميش.

- التوجهات البرنامجية للطبقات الاجتماعية المنتجة تشترط قيادة اليسار الديمقراطي للحركة الوطنية بهدف بناء تحالفات وطنية - ديمقراطية مناهضة لسياسة الطبقات الفرعية العاملة على ربط البلاد بسياسة الاحتكارات الدولية.

-ان تحالف الطبقات الاجتماعية المنتجة يستمد موضوعاته من برنامج الوطنية الديمقراطية الهادفة الى --

1- بناء تحالفات وطنية - ديمقراطية ين الطبقات الاجتماعية المنتجة يستند على مناهضة التبعية والتهميش الرأسمالي.

2-- تسعى التحالفات الوطنية -الديمقراطية الى اعتماد تنمية وطنية اقتصادية مستقلة هادفة الى ابعاد الدولة الوطنية وتشكيلتها الاجتماعية عن التهميش والتفكيك.

--تستمد قيادة اليسار الديمقراطي للتحالفات الوطنية شرعيتها من (أ) دفاع اليسار الوطني - الديمقراطي الثابت عن حرية البلاد وصيانة سيادتها الوطنية (ب) دفاع اليسار

الديمقراطي عن مصالح الطبقات الوطنية المنتجة ومصالح البلاد الأساسية (ج) كفاح اليسار-الديمقراطي الهادف الى بناء دولة وطنية ديمقراطية مرتكزة على المنافسة السلمية والشرعية الانتخابية.

ان الأفكار والآراء الواردة تستمد واقعيتها من تبدل مهام اليسار الاشتراكي البرنامجية وتوسع قواه الاجتماعية ومناهضته ميول التوسع الرأسمالي الهادفة الى تفكيك وتهميش الدولة الوطنية وتشكيلتها الاجتماعية.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل