/
/
/
/

كان لا بد، في المقال الافتتاحي السابق (نشرته «طريق الشعب» بتاريخ 18 تشرين الأول 2020)، من حسم مسألة ماهية «17 تشرين» على أساس ثوري، لا بهدف وضعها في إطارها النظري الماركسي-اللينيني فحسب، بل لأن هذا الحسم النظري يؤثر بالغ التأثير في الممارسة السياسية للصراع الطبقي في مجتمعنا. فإن الاشتراك الواعي في الثورة (ناهيك عن قيادتها) – حسب تعبير لينين – يختلف كل الاختلاف بين مقاربة «17 تشرين» على اعتبارها انتفاضة وبين التعامل معها كونها ثورة. تماما، كما يختلف كليا التكتيك السياسي والمهمة الرئيسية بين اعتماد شعار «تثوير الانتفاضة» وبين طرح برنامج نضالي عملي بغية تجذير الثورة.

لكن، قبل كل شيء، إن تحديد ماهية «17 تشرين» على أنها ثورة غير كاف بحد ذاته. وهنالك ضرورة، تاليا، لطرح الإشكالية الثانية المكمّلة لها، ألا وهي ماهية هذه الثورة؟ وتطال هذه الإشكالية المضمون الطبقي لهذه الثورة ضمن البنية الاجتماعية الرأسمالية التبعية عموما، وظروف لبنان الاجتماعية والسياسية بشكل خاص. هكذا، ينجم عن هذه الإشكالية النظرية عدّة مسائل فرعية، سوف نتناول أهمها في هذا المقال، على النحو التالي:

المسألة الأولى: ثورة سياسية أم ثورة اجتماعية؟

تسود في أذهان البعض فكرة، مفادها أن الثورة إما أن تكون ثورة اجتماعية أو لا تكون ثورة بالأصل. بهذا المعنى، يتوجب على الثورة أن تقيم الاشتراكية كبديل عن البنية الاجتماعية القائمة، كي تستحق نعتها بـ»الـثورة»، وأي أمر آخر لا يعدو أن يكون إلا بمثابة «إصلاح» للبنية الاجتماعية الراهنة. وتبدو جلية مكامن الأخطاء في هذه الفكرة الشائعة وما تؤدي إليه من ضيق أفق سياسي. فهي تغيّب مسألة تمرحل تطور البنية الاجتماعية، وبتغييب مراحل التطور المختلفة تقع في خطأ تكتيكي من اثنين: (1) إما رفع شعار الثورة الاجتماعية (الاشتراكية)، كمهمة مباشرة أمام الحركة الثورية في لبنان دون نضوج العوامل الموضوعية وتهيئة الذاتية منها أمام هكذا قفزة نوعية في البنية الاجتماعية، الأمر الذي يؤدي إلى اعتماد التكتيك «اليساري» المغامر، فيتم عزل حزب الطبقة العاملة عن الجماهير ويسهل – بالتالي – قمعه من قبل قوى الثورة المضادة المختلفة؛ (2) وإما اعتبار الظروف الحالية غير مؤاتية لطرح هذا الشعار القصووي، الأمر الذي يؤدي إلى استقالة حزب الطبقة العاملة من دوره السياسي في المرحلة الراهنة – وهذا جذر التكتيك «الإصلاحي» بامتياز – وافساح المجال في ساحات النضال السياسي أمام الطبقات (أو فئات اجتماعية محددّة منها) والقوى السياسية الأخرى لقيادة العملية الثورية.

والواقع أن ماركس كان قد ميّز بين مفهومين نظريين للثورة، ولم يحصر هذه الأخيرة في نوع معيّن دون الآخر. المفهوم الأول هو «الثورة الاجتماعية»، وهي ثورة تؤدي إلى تجاوز البنية الاجتماعية القائمة وبناء بنية اجتماعية أرقى نوعيا على أنقاضها (مثال: الثورات البرجوازية ضد الإقطاعية، والاشتراكية ضد النظام الرأسمالي)، الأمر الذي لا يتم إلا عبر إسقاط الطبقة المسيطرة برمتها وإقامة سلطة الطبقة الثورية النقيض. والمفهوم الثاني هو «الثورة السياسية»، أي الثورة التي تؤدي إلى ارتقاء البنية الاجتماعية القائمة من مرحلة معينة في تطورها إلى مرحلة أعلى نوعياً ضمن الإطار البنيوي ذاته (مثال: ثورة 23 يوليو 1952 في مصر)، الأمر الذي يتم عبر تغيير في موقع الفئة الاجتماعية المهيمنة ضمن التحالف الطبقي المسيطر أو عبر عملية «استبدال» طبقي في الإطار البنيوي ذاته من غير أن يُحدث تغييراً بنيوياً في نظام الإنتاج الاجتماعي (بحسب مفهوم مهدي عامل). وقد شرح ماركس الاختلاف بين المفهومين على الشكل التالي: «إن كل ثورة تحل المجتمع القديم، هي ثورة اجتماعية بقدر ما تفعل ذلك. إن كل ثورة تطيح بالقوة القديمة، هي ثورة سياسية بقدر ما تفعل ذلك» . هكذا اعتبر ماركس أن «التحرر الجزئي هو: الثورة السياسية فقط، الثورة التي لا تمس دعائم الصرح ذاتها – قسماً من المجتمع المدني يتحرر ويبلغ السيادة العامة ...»؛ في المقابل، فإن الثورة الاجتماعية تؤدي إلى التحرر الكلي: أي «تحرير المجتمع بأسره» .

هنا، لا بد من التأكيد بأن التمييز بين الثورتين لا يجعل بينهما أي قاطع نظري أو ممارسي يفصل بينهما، لأن كل ثورة، سياسية كانت أم اجتماعية، هي بالنسبة لماركس «عمل سياسي»، بينما تحمل الثورة السياسية – دوماً – مضموناً اجتماعياً معيناً. وهذا ما أكد عليه لينين بدوره، عندما رفض فكرة تعارض الثورتين (السياسية والاجتماعية) بشكل ميكانيكي، وأظهر العلاقة الديالكتيكية التي تربط بينهما، عندما كتب يقول: «إن التحولات السياسية بإتجاه ديمقراطي حقا، وبالأحرى الثورات السياسية، لا تستطيع أبدا، في أي حال من الأحوال ومهما تكن الظروف، أن تُكسِف أو تضعف شعار الثورة الاشتراكية، بل إنها بالعكس تقرّب هذه الثورة أبداً، موسعة أساسها، مجتذبة إلى النضال الاشتراكي فئات جديدة من البرجوازية الصغيرة والجماهير نصف البروليتارية. ومن جهة أخرى، يتبين أن الثورات السياسية أمر محتم في مجرى الثورة الاشتراكية التي لا يجوز اعتبارها عملا واحدا، بل مرحلة من الهزات العاصفة السياسية والاقتصادية، من أشد النضالات الطبقية ضراوة، من الحروب الأهلية، والثورات والثورات المضادة» . ولنا في تجربة الثورة الروسية أسطع مثال تاريخي على التحوّل من الثورة الديمقراطية (السياسية) إلى الثورة الاشتراكية (الاجتماعية) في غضون بضعة أشهر من العام 1917. وحقيقة الأمر أن العلاقة الديالكتيكية بين الثورة السياسية والاجتماعية أعمق من ذلك بالنسبة لماركس، حيث اعتبر أنه في ظروف بلدان ومجتمعات معينة «يشكل التحرر الجزئي أساس التحرر العام»، بينما في ظروف تطور أخرى «يشكل التحرر العام الشرط الذي لا غنى عنه لكل تحرر جزئي» .

إن التمييز النظري بين نوعي الثورة، وإعادة الاعتبار لمفهوم «الثورة السياسية»، وعدم استصغار أو شيطنة الفعل السياسي (أي الطبقي) التغييري للثورة الديمقراطية، يتيح لنا أدوات مفاهيمية تسمح بالقبض المعرفي على ثورة 17 أكتوبر في لبنان. إذن، ما هي بالضبط طبيعة هذه الثورة السياسية (17 أكتوبر)، أخذاً بعين الاعتبار مميزات البنية الاجتماعية الرأسمالية التبعية في لبنان؟

المسألة الثانية: الثورة السياسية هي الثورة الوطنية الديمقراطية

تكونت البنية الرأسمالية التبعية تاريخياً في لبنان في ظل السيطرة الاستعمارية، عبر «رسملة» نظام الإنتاج وتحويله ارتباطا بعلاقة التبعية للاستعمار، وفي هذا الإطار البنيوي تكون النظام السياسي البرجوازي كنظام طائفي. والواقع التاريخي يؤكد أن السيطرة المباشرة للطبقة البرجوازية التبعية قامت عبر استبدال سيطرة المستعمِر، دون تحقيق ثورتها الطبقية الديمقراطية. بل إن مهدي عامل يذهب أبعد من ذلك، حينما يعتبر أن البرجوازية في المجتمع الكولونيالي «منذ نشأتها، وبحكم هذه النشأة، مصابة بعجز بنيوي يمنعها إطلاقاً من أن تتحدّد، كما في الغرب، كقوة قائدة للتاريخ». ولهذا السبب، نفى أي طابع ثوري لهذه الطبقة، عندما كتب يقول: «لم تقم هذه الطبقة إذن بثورة برجوازية تقضي بها على علاقات إنتاج تعيق تطورها، ولم يكن لها أو بإمكانها أصلا أن تقوم بها ... بل يمكن القول أن هذه الطبقة لم تكن قط ثورية» .

هكذا، في ظل عجز البرجوازية التبعية عن تحقيق الثورة الديمقراطية (ذات المضمون الطبقي البرجوازي)، وعندما يصل نظامها الاقتصادي إلى حدّ الأزمة المستعصية، لا بد للطبقة العاملة – بالتحالف مع سائر الطبقات الكادحة والمستغَلة – أن تحمل على عاتقها المهام والأهداف الاجتماعية لهذه الثورة. وبالفعل، فقد كانت مقاربة لينين لثورة 1905 محمّلة بهذه المضامين الطبقية الجوهرية، حيث قال «ان الثورة الروسية تتسم بسمة أصلية قوامها أنها كانت ثورة برجوازية ديمقراطية من حيث مضمونها الاجتماعي، ولكنها بروليتارية من حيث وسائلها الكفاحية» .

فمنذ أن حدد المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني (1968) طبيعة البنية الرأسمالية التبعية في لبنان، وضع أمامه مهمة «إسقاط الطغمة المالية» وإقامة البديل أو «الحكم الوطني الديمقراطي»، فأقر البرنامج المرحلي على هذا الأساس. وكان للمؤتمر الخامس للحزب (1987) أن طرح مسألة «الثورة الوطنية الديمقراطية» وتحقيقها بشتى السبل والأشكال النضالية. وقد عرّف المؤتمر هذه الثورة على النحو التالي:

«فالثورة الوطنية الديمقراطية، بـ ... التعريف اللينيني وفي ظروف لبنان الملموسة هي مرحلة تاريخية، جديدة ومعقدة، تفصل بين نظامين اجتماعيين، متناقضين متناحرين، النظام الرأسمالي المنهار والنظام الجديد البديل الذي لم يولد بعد. إلا أن عجز البرجوازية المتعاظم عن وقف انهيار نظامها والانحسار المتزايد لسلطتها وسيطرتها، والرفض المتصاعد لهذا النظام من جانب القوى والفئات الاجتماعية التي تشكل أكثرية الشعب، إن كل ذلك يطرح بإلحاح مهمة ولادة النظام الجديد البديل الذي لا يمكن أن يكون إلا نظاما نقيضا للنظام المنهار.

إنّ قيام الحكم الوطني الديمقراطي ... سيتم، حتماً، عبر عملية تغيير نوعي في السلطة، قوامها إسقاط سلطة الطغمة المالية ... أي بإقامة سلطة التحالف الوطني الديمقراطي ... ويتوقف على الدور الذي تحتله الطبقة العاملة في النضال لإقامة الحكم الوطني الديمقراطي، وعلى مركزها اللاحق في التحالف الوطني الديمقراطي، مدى جذرية الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تفسح في المجال للانتقال إلى الاشتراكية» .

المسألة الثالثة: القيادة الطبقية للثورة الوطنية الديمقراطية

وهذا يحيلنا إلى المسألة الأخيرة المتعلقة بالقيادة الطبقية للثورة الوطنية الديمقراطية الموضوعة، منذ 17 تشرين، على جدول الأعمال. فقد أبرز مهدي عامل إمكانيتين أمام الثورة الوطنية الديمقراطية، تحددهما القيادة الطبقية للثورة؛ فإما أن تكون بقيادة البرجوازية الصغيرة، فتنغلق البنية الاجتماعية على ذاتها، وإما أن تكون بقيادة الطبقة النقيض فتنفتح البنية الاجتماعية الرأسمالية التبعية على إمكانية الانتقال إلى بنية اجتماعية أرقى: «إن «المرحلة الديمقراطية» مثلا بقيادة البرجوازية الصغيرة تختلف بنيويا عن «المرحلة الديمقراطية» نفسها بقيادة الطبقة العاملة. ففي الحالة الأولى، لا تخرج هذه المرحلة التاريخية، في منطق تطورها نفسه، عن الإطار البنيوي الخاص بالبنية الاجتماعية الكولونيالية، أي عن إطار تطور الإنتاج الكولونيالي. أما في الحالة الثانية، فتخرج هذه المرحلة عن الإطار البنيوي كي تتطور في إطار بنيوي آخر خاص بالبنية الاجتماعية الاشتراكية، أي في إطار يحدده تطور الإنتاج الاشتراكي. في هذه الحالة فقط، أي بوجود الطبقة العاملة في القيادة الطبقية لقوى التحالف الثوري، تتحدد «المرحلة الديمقراطية» في الحركة الثورية التحررية كمرحلة انتقال إلى الاشتراكية» .

لذلك كله، تتوقف وجهة الثورة ومضمونها الاجتماعي على مسألة القيادة الطبقية لهذه الثورة، وهي مسألة ليست معطاة، بل يتوجب اكتسابها عبر الممارسة النضالية لحزب الطبقة العاملة. وإن كان غياب القيادة الطبقية في المراحل الأولى من الثورة يمكن تبريره بفعل الطابع العفوي لانتفاضة الجماهير، لكن ضرورة قيام هذه القيادة، مع تطور الحركة الثورية، يصبح أمراً حاسماً لمجرى الصراع.

في عدد قادم (الإشكالية النظرية الثالثة: التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية).

ــــــــــــــــ

*كاتب لبناني

«النداء» – 13 تشرين الثاني 2020

**********

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل