

حدّد اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في 19 كانون الأول 2025 جملة من المهام التي تقع على عاتق القوى المدنية الديمقراطية، ومن بينهم الشيوعيون، في راهن الحال والمستقبل، بعد أن كشفت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة غياب القوى المعارضة الديمقراطية عن مجلس النواب. كما جرى تشخيص الأسباب الذاتية والموضوعية التي أدت الى هذه النتائج، والمعطيات التي قادت الى ذلك، بما فيها الظروف غير الطبيعية التي جرت فيها الانتخابات، والأوضاع التي رافقت الحملة الانتخابية للحزب والخلل الحاصل فيها.
وأشّرت هذه المعطيات أن منظومة المحاصصة الحاكمة ستواجه معضلة كبيرة، بسبب تشبثها بالمنهج الفاشل والسيّئ في إدارة الدولة، وما يولده ذلك من أزمات متلاحقة، ستضعها، عاجلاً أم آجلاً، في مواجهة العراقيين المتطلعين إلى العيش الكريم والحقوق والعدالة.
هذا الواقع وتداعياته المحتملة يضع الحزب وتنظيماته وكذلك القوى الديمقراطية أمام تحدٍ حقيقي لمواجهة ليس نتائج الانتخابات الأخيرة وحسب، بل عليها إعداد نفسها للمواجهة المقبلة وكيفية إدارتها وقيادتها.
ومن جانب آخر، لم تتوقف الاحتجاجات المطلبية اليومية، طيلة الفترة الماضية، نتيجة لتزايد الفجوة بين الأغلبية المحرومة والأقلية المترفة. إذ يلاحظ أن هناك زيادة طردية في الفعاليات المجتمعية الغاضبة، كلّما زاد ثراء الجماعات المتنفذة والمرتبطة بالرأسمالية الطفيلية التي باتت تملك علاقات وثيقة بالمراكز الرأسمالية العالمية.
إن المعطيات المرتبطة بطبيعة هذه الحركة الاحتجاجية ومطالبها وطبيعة تنظيمها تقول بان لديها إمكانية لأن تتطور وترفع شعارات سياسية واضحة في أي وقت، وهذا ما يجب ألا يكون مفاجئاً للحزب وللقوى الوطنية والديمقراطية واليسارية عموماً، لكن من المؤكد أن مثل هذا الحراك الواسع والمنظم سيُشكل صدمة للمتنفذين.
ومن المهم في هذه المرحلة، أن يترافق العمل النضالي اليومي مع تمتين الصلاة بالجماهير والفعاليات الاحتجاجية وقيادتها، وتعزيز مطالبها، ورفع شعارات مناسبة لها، لمجابهة السياسات الحكومية التي تحاول تغطية المأزق الذي تمر به، بتقديم حلول فوقية وتشويه المطالب الحقة، وتبرير العجز المالي بسبب مستويات الإنفاق المضخمة، وعدم كبحها جماح الفساد والمفسدين، وغياب التخطيط العقلاني والتنموي وسوء الإدارة، وليس في ذلك التبرير سوى الرغبة الشرهة في الاستحواذ على المال العام، مدعومةً بتغطية سياسية من قبل الأقلية الاوليغارشية الحاكمة عبر منظومة المحاصصة والفساد .
وبالتأكيد هذه المواجهة لن تكون سهلة، حيث إن الكتل السياسية التي حولت الدولة إلى غنيمة، ستسعى جاهدة الى أية وسيلة من أجل وأد أي حراك جماهيري يحرمهم من ملذات السلطة. لكن كلَّ المعطيات تقول بان دار المتنفذين ليست آمنة، وأن شعبنا لن يقف مكتوف الأيدي وهو ينظر إلى تكدس الثروة بيد هذه الطغمة الفاسدة، مقابل انتشار الفقر والفاقة والأمراض بين بناته وأبنائه.
لقد بدأت ترتسم أمام منظمات الحزب وقيادته، أهمية تنشيط دوره، ليكون فاعلاً ومؤثراً في النضالات المطلبية والحراكات الجماهيرية، إلى جانب مباشرة مساعي توحيد القوى المجتمعية وممثليها السياسيين الذين يعبرون عن مصالحها، من خلال بناء جبهة شعبية وسياسية واسعة، منخرطة في تفاصيل العملي الميداني النضالي اليومي، ولا تكون ذات صبغة مطلبية وضاغطة فقط، بل تدشّن حراكاً سياسياً فاعلاً، من خلال تعبئة الجماهير وقوى التغيير في جبهة شعبية قادرة على أن تحدِث التغيير المنشود في الخلاص من منظومة المحاصصة والفساد، وتحقيق البديل السياسي الشعبي، وصولاً لدولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، وسعياً لتحويلها في لحظة مناسبة إلى تحالف سياسي يطرح مشروع التغيير والخلاص من هذه الطغمة وآثارها الكارثية على الشعب.
إنّ المطلوب الآن من القوى الديمقراطية المتطلعة الى التغيير وبينها الحزب الشيوعي العراقي، أنْ تهيئ نفسها لتكون بديلاً منظماً وحاضراً في لحظة العنفوان الشعبي الجماهيري، وأن تكون مع المواطنين في الميدان من أجل العمل على تحقيق البديل الذي يسعى اليه شعبنا المكتوي بنار الأزمات، ومن أجل بلوغ هدف الخلاص من نهج المحاصصة، وصولا إلى الديمقراطية الحقّة ودولة العدالة والمواطنة وتحقيق السيادة والازدهار والكرامة.







