/
/
/
/

من الواضح ان السلطة الحاكمة غير قادرة عن التحرر من الازدواجية التي يتسم بها خطابها من جهة وممارستها الفعلية على الارض من جهة ثانية.
وينعكس هذا جليا في البيان الصادر عن اجتماع الرئاسات الاربع يوم امس الاحد، والذي يشيد بالتظاهرات والمتظاهرين وحركتهم الاحتجاجية، فيما يتجاهل القمع الشرس المتواصل في ساحات التظاهر باستخدام مختلف الاسلحة بما فيها الرصاص الحي.
يشير البيان الى ان الاجتماع "تدارس مختلف التطورات السياسية والامنية في البلاد في خضم التظاهرات الكبيرة التي شهدتها بغداد ومحافظات اخرى".
و بموجب البيان نفسه بحث الاجتماع عدة قضايا، تشمل التحقيق في ملفات الفساد والمفسدين واستعادة الحقوق المنهوبة، وفي ملاحقة من تسببوا في استشهاد واصابة "عدد من المتظاهرين والقوات الامنية" (القضية التي مرت اسابيع عديدة على احالتها الى القضاء ولم يسمع احد بعد ذلك شيئا عنها )، ومباشرة العمل لتشريع قانون جديد للانتخابات، والسعي لقبول التغييرات الايجابية في مجال التعديل الوزاري، وبدء "التمهيد للحوار الوطني لمراجعة منظومة الحكم والدستور".
وليس في الحديث عن بحث هذه القضايا ما هو جديد. فمنذ أسابيع، قبل وبعد اندلاع انتفاضة تشرين في اول الشهر الماضي، ونحن نسمع الرئاسات وغيرها من الجهات المسؤولة تطرح مثل هذه القضايا وتعيد طرحها، وتطلق الوعود تلو الوعود بقرب معالجتها.
وحتى عدم وفاء الرئاسات، منفردة ومجتمعة، بوعودها تلك، لم يعد يثير الدهشة، بعد ان تكرّر مرة واخرى!
كما لا يثير التعجب هذا المديح في البيان للمتظاهرين ولاحتجاجهم السلمي، الذي يصفه بانه " احتجاج عظيم" ويعتبره "حركة اصلاحية مشروعة لا بد منها .. بعد عقود من الطغيان والحروب والعنف والفساد". فليس جديدا هذا الغزل بالمتظاهرين من جانب المسؤولين في الحكومة والدولة، المرصود في الاسابيع الاخيرة، والذي يلاحظ تصاعده مع كل تصاعد في العنف والقمع ضدهم وسفك المزيد من دمائهم.
صحيح ان الرؤساء الاربعة شددوا حسب البيان على "المحاسبة الشديدة لاية مجابهة تعتمد العنف المفرط، مشيرين بهذا الصدد الى اوامر القائد العام للقوات المسلحة بمنع استخدام الرصاص الحي وجميع اشكال العنف التي تعتمد القسوة والمبالغة فيها". غير ان احدا في بغداد والعراق لا يجهل انهم صادقوا على هذا الكلام في الوقت الذي لم تجف فيه بعد دماء الشهداء الاربعة (وقيل ان عددهم الحقيقي ستة) الذين اخترق رصاص قوات مكافحة الشغب اجسادهم امس الاول السبت في منطقة الخلاني.
على ان ما يدعو الى العجب اكثر من غيره في بيان الرئاسات الموقرة، هو ما يعكس من عجز مطبق ازاء "حالات الاختطاف التي تجري ضد ناشطين من قبل جماعات منفلتة وخارجة عن القانون، وكذلك جرائم الاعتداء على المتظاهرين" والتي يقول انها "يجري التحري عنها والوقوف على المتسببين بها وانزال العقاب القانوني بهم"!
فاذا كانت الرئاسات الاربع المحترمة، التي تشكل القوة الاقوى والسلطة الاعلى في هذا البلد، بكل ما تحت تصرفها من مؤسسات واجهزة وتشكيلات ادارية وقضائية وامنية وعسكرية جرارة، غير قادرة على الكشف عن هوية "الجماعات المنفلتة والخارجة عن القانون" التي تختطف وتقتل وتعتدي كما يحلو لها على المتظاهرين وغير المتظاهرين، ولا تشخيص افرادها وانزال العقاب بهم، فمن ياترى يستطيع ذلك؟
واذا كانت تقف حتى اليوم، بعد ما يزيد على شهرمن المجزرة التي اقترفها القناصون "المجهولون" بحق المتظاهرين السلميين العزل، عاجزة عن التعرف على هوية اولئك القتلة الآثمين وعن القبض عليهم، فكيف للمتظاهرين في طول العراق وعرضه، بل وللشعب العراقي كله، اي يثق بالوعود الجديدة التي تطلقها هذه الرئاسات في بيانها هذا، وبقدرتها على الخروج بالوطن والشعب من الوضع الاخطر من خطير، اللذين انتهيا اليه اليوم؟

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل