
أنشر موقع german-foreign-policy.com في 30 تشرين الأول، حوارا مع كيفن غياس-كافان، عضو الحزب الشيوعي الفرنسي الداعم لاحتجاجات طلبة الثانوية. ويرى غياس-كافان أن ما يميز هذه الاحتجاجات، هو أنها لا تقتصر، على عكس الاحتجاجات السابقة، على معارضة "إصلاحٍ بعينه"، بل تمتد لتشمل اعتراضاً على أوضاعٍ عامة سيئة. ويشير إلى أن "الغالبية العظمى من السكان تدعم هذه الاحتجاجات". وفي المقابل، يصف القمع الممارس بأنه "غير مسبوق"؛ إذ "للمرة الأولى منذ عام 1962 والحرب الجزائرية"، جرى "في 24 تشرين الأول الفائت حظر التظاهرات في معظم المحافظات والمناطق الريفية ". ومع ذلك، يرى غياس-كافان أن هذا القمع يندرج "ضمن سياق تاريخي طويل" من تصاعد القمع الحكومي ضد أشكال المقاومة في فرنسا. كما يرجح، انه في ظل "أزمة الرأسمالية"، إمكانية تفاقم النزعة السلطوية للدولة في فرنسا، وصولاً إلى ما يمكن وصفه بـ "بونابرتية" جديدة.
دقة مطلوبة
هناك من يقول ان نصف فرنسا يخرج إلى الشوارع: بدأت الأمور باحتجاجات الطلبة، ثم انضمت إليها حركة "السترات الصفر"، والآن انضم إليها عدد أكبر بكثير. ويشارك في هذا الحراك كل من "الحزب الشيوعي الفرنسي" وحزب "فرنسا الأبية". ان القول بأن "نصف الفرنسيين" يشاركون هو مبالغة من جهة، وتقليل من شأن الحركة من جهة أخرى؛ فالحقيقة أن الغالبية العظمى من السكان تدعم الاحتجاجات. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ما بين 70 إلى 80 في المائة من السكان يؤيدون مطالب المحتجين، وهي نسبة تشبه إلى حد لافت النسبة التي دعمت الحراك ضد إصلاح نظام التقاعد في عام 2023. وهذا يكشف، في المقابل، عن القاعدة الحقيقية التي تستند إليها الليبرالية الجديدة في فرنسا. ومن المثير للانتباه، أن حصة الأصوات التي تحصل عليها الأحزاب المؤيدة للإصلاحات الليبرالية الجديدة، بدءاً من ماكرون وصولاً إلى "التجمع القومي " اليميني المتطرف، بل وحتى من "الحزب الاشتراكي" إلى "التجمع القومي" تظل مرتفعة للغاية، وهو ما يمثل مفارقة صارخة.
ورغم هذا الدعم الواسع، يظل الحراك محدوداً من حيث الأعداد؛ فقد نزل 800 ألف محتج إلى الشوارع في يومي السبت الماضيين، وهو رقم بعيد كل البعد عن الأربعة ملايين الذين حشدتهم النقابات في عام 2023، وكذلك عن الأربعة ملايين الذين شاركوا في حركة "السترات الصفر" عام 2018. وفي 17 تشرين الأول، دعت بعض مجموعات "السترات الصفر" إلى تظاهرة عفوية، بهدف تسلّم شعلة الاحتجاج من الطلاب الذين كانوا ينفذون عمليات إغلاق للمدارس، وذلك تزامناً مع بدء العطلة المدرسية آنذاك.
إن خروج 800 ألف متظاهر إلى الشوارع يُعد بلا شك نجاحاً كبيراً، لكن سيكون من الخطأ القول إن حركة "السترات الصفر" قد عادت للنشاط بكامل قوتها؛ فكل ما في الأمر أن بعض أفرادها دعوا إلى المشاركة في هذا الحراك. لقد اغتنم الشباب هذه الفرصة، وانضمت إليهم النقابات العمالية (ولا سيما الاتحاد العام للعمل -CGT) اليساري، التي كانت قد شاركت بالفعل في تظاهرات سابقة بهدف حماية الطلبة من عنف الشرطة. ومع ذلك، ظل "أصحاب السترات الصفر" بعيدين إلى حد كبير عن هذا الحراك. فبينما قد تستحضر حركة "السترات الصفراء" في ألمانيا مثلا، صوراً للصدام في شارع "الشانزليزيه"، فإنها في فرنسا تمثل حراكاً يتركز في البلدات الصغيرة بالأقاليم، حيث يقوم المشاركون باحتلال التقاطعات المرورية. واللافت الآن أن التظاهرات تقتصر في الغالب على المدن الكبرى، في حين تتخذ البلدات الصغيرة موقف الترقب؛ إذ يدعم السكان هناك هذا الحراك، لكنهم لا ينزلون إلى الشوارع.
وفي الوقت الراهن، ما يزال هذا الحراك في جوهره حركة طلابية. فقد كان الطلبة هم من بادروا بالتحرك منذ بداية العام الدراسي في أيلول الفائت، احتجاجاً على نقص المعلمين في العديد من الفصول الدراسية. بدأت الحركة في جزيرة "مايوت"، حيث تم إغلاق إحدى المدارس في 31 آب. ثم انضمت مدارس أخرى في الأراضي الفرنسية في أوروبا بدءاً من 7 أيلول الفائت، لكن الحراك لم يكتسب أهمية وطنية إلا في 18 أيلول، حين انضم المعلمون في مدرسة ثانوية قي ضاحية "كريتيل" الباريسية إلى طلابهم.
طبيعة الاحتجاجات
تعد هذه الحركة في الجوهر، نضالاً من أجل الكرامة. وعلى عكس احتجاجات الطلبة السابقة، فهي لا تعارض إصلاحاً بعينه، بل تطالب بتوفير معلمين لجميع الطلبة، وتجهيز الصفوف الدراسية بالطاولات والمقاعد، وضمان ظروف تعليمية ملائمة. ففي شهري أيلول وتشرين الاول، انتشرت عشرات المقاطع المصورة على نطاق واسع، تُظهر مدارس تجوب فيها الجرذان قاعات الدراسة، أو طلبة يتلقون دروسهم وهم يجلسون على الأرض، أو معلمون يتفاوضون للحصول على طاولة إضافية. إنها حركة مناهضة لسياسات التقشف التي استمرت لعقود، من أجل تحقيق المساواة. وليس من قبيل الصدفة أن هذه الحركة انطلقت من ضواحي باريس؛ ففي مقاطعة "سين سان دوني" الواقعة شمال باريس، تشير التقديرات إلى أن الطلاب يخسرون ما يعادل عامين دراسيين في المتوسط بسبب نقص المعلمين.
لكن الحركة سرعان ما تجاوزت حدود المطالبة بالمساواة في المناطق الأكثر فقراً، لتشمل أيضاً المدارس الواقعة في الأحياء الميسورة. وبحلول السادس عشر من تشرين الاول، كانت 1027 مدرسة قد خضعت للإغلاق من قبل المحتجين، بينما أغلقت السلطات 400 مدرسة أخرى؛ أي نصف إجمالي المدارس الثانوية في البلاد. لقد تحولت الاحتجاجات إلى ثورة شبابية ضد نظامٍ يُنهك قواهم ولا يقدّم لهم أي آفاق مستقبلية. ويجسّد نظام "باركورسب" (Parcoursup)، الذي يصنّف الطلاب بناءً على درجاتهم ويوجّههم نحو مسارات دراسية غالباً ما تكون بعيدة كل البعد عن رغباتهم، هذا الخوفَ من المستقبل. وبطريقة ما، يمكن اعتبار الاحتجاجات ثورة ضد تدمير "النموذج الجمهوري" القائم على فكرة أن المدرسة تمنح الجميع فرصاً متساوية، وأن العمل الجاد يحظى بالمكافأة.
ورغم أن هذه الحركة تُعد في جوهرها حركة طلابية، إلا أنها تحظى بدعم واسع النطاق. يظهر هذا بشكل رئيسي لدى آباء الطلبة، وكذلك لدى اوساط من السكان لم يعد يطيق نهج الرئيس ماكرون ولا سياسات التقشف التي فُرِضت عليهم على مدى السنوات العشر الماضية. وسيشكل الإضراب العام، الذي دعت إليه النقابات في الخامس من نوفمبر، الاختبار الحقيقي لمعرفة ما إذا كان هذا الحراك سيتجاوز مطالب الشبيبة، وما إذا كان الرفض الشعبي العام لنهج ماكرون سيتحول إلى احتجاجٍ شامل.
موقف الحكومة
نظراً لأن الحراك لا يستهدف إصلاحاً بعينه، فإن من الصعب للغاية على الحكومة تهدئة الأوضاع؛ إذ لا يمكنها الاكتفاء بالتراجع عن إصلاحٍ ما ثم المضي قدماً كما كانت تفعل سابقا. فمطالب الطلبة تهدف إلى القطيعة مع سياسات التقشف في نظام التعليم، بل إنها تتجه إلى مستوى جوهري ضد نظامٍ رأسماليٍّ يمر بأزمة، حيث باتت الشبيبة بلا أي آفاقٍ مستقبلية، باستثناء خيار الهجرة المتاح للقادرين تغطية تكاليفه.
في هذه الاثناء، رضخت الحكومة جزئياً لمطالب المحتجين؛ إذ أعلنت أنه سيتم استبدال نظام "باركورسب" (Parcoursup)، بدءاً من عام 2028-بنظام جديد سيُطوَّر بالتشاور مع المعلمين والطلبة. كما أعلنت الحكومة عن تعيين 3 آلاف مدرس إضافي، وتخصيص أربعة مليارات يورو بحلول عام 2030 لتجديد المدارس والجامعات.
يُعدّ هذا انتصاراً هائلاً بالفعل. فبعد احتجاجات "السترات الصفر"، هذه هي المرة الثانية التي يضطر فيها إيمانويل ماكرون إلى تقديم تنازلات جزئية. ويكشف هذا الانتصار عن ارتباك داخل الحكومة؛ إذ يهدف التحرك إلى منع حدوث تقارب أو تنسيق بين الحراك الطلابي والحركة النقابية في الخامس من تشرين الثاني. ويأمل ماكرون أن تكون هذه التدابير كافية لتهدئة الطلاب، أو على الأقل لمنع استئناف عمليات الإغلاق والعرقلة.
ومع ذلك، سيظل المحتجون يقظين. فكما يُقال في فرنسا: "الوعود لا تُلزم إلا من يؤمنون بها". كيف عثر ماكرون، بكل بساطة، على 3 آلاف مدرسة ومدرس؟ وهل سيتم فعلاً توفير 4 مليار يورو؟ وهل سيتم مناقلة في التخصيصات بين أبواب التمويل المختلفة لتغطية هذه التكلفة؟
وعلى أية حال، فإن هذه التدابير، مهما كانت مهمة، لا ترقى إلى مستوى المخاوف المشروعة التي تساور الشبيبة بشأن مستقبلهم. وتكمن المشكلة الأساسية في أن الرأسمالية الفرنسية تمر بأزمة عميقة، ولم تعد قادرة على خلق فرص عمل جديدة.
ويعكس القطاع الصناعي طبيعة هذه الأزمة العميقة؛ إذ تُعد فرنسا اليوم أكثر بلدان أوروبا تعرضاً لعملية "إلغاء التصنيع" (تراجع القاعدة الصناعية). ففي الوقت الراهن، لا يساهم القطاع الصناعي سوى بنسبة 9.5 في المائة من الناتج الاجمالي المحلي، ولا يوظف سوى 11 في المائة من السكان.
لا مشكلة في التمويل
تدعي الحكومة وجود شح في تمويل التدابير المطلوبة، لكن الحقيقة غير ذلك. هناك الكثير من الأموال في فرنسا، تمتلك اغنى 500 عائلة 1,128 تريليون يورو، وهو مبلغ يفوق بسبعة أضعاف ما كانت تمتلكه قبل عشرين عاماً. ومن جانبها، تغدق الدولة الأموال على الشركات؛ فوفقاً لتقرير أعدّه السيناتور الشيوعي فابيان غاي، يتم صرف ما لا يقل عن 211 مليار يورو سنوياً في صورة مساعدات للشركات. 211 مليار يورو، ومع ذلك تستمر عملية تراجع التصنيع، مما يؤدي إلى تفاقم الآفاق المستقبلية للطبقة العاملة وأبنائها.
يدرك الناس حقيقة هذه الفضيحة؛ فمن ناحية، يزداد الأغنياء ثراءً، ومن ناحية أخرى، يعيش عدد متزايد من الناس تحت خط الفقر. ووفقاً للإحصاءات العامة، انزلق 1.2 مليون إضافي إلى دائرة الفقر، مما رفع النسبة إلى 15.4 في المائة، وهو رقم قياسي تاريخي! كما أن 13 في المائة من الفرنسيين لم يعودوا قادرين على توفير ما يكفي من الغذاء اليومي. وتتحمل الطبقة العاملة أعباءً ضريبية متزايدة تُستخدم لتمويل شركاتٍ تواصل بدورها إلغاء فرص العمل؛ ليس لأنها تمر بضائقة مالية، بل لأنها تريد توزيع أرباح أكثر على المساهمين. وفي الواقع، تتصدر فرنسا قائمة الدول الأوروبية في توزيع الأرباح؛ إذ سيتم هذا العام توزيع 107 مليار يورو.
يتعرض العاملات والعمال لاستغلال مزدوج: مرةً في عملية الإنتاج، ومرةً أخرى من قِبل الدولة التي تنتزع الأموال من جيوبهم لتوزيعها على رأس المال؛ إذ لولا الدعم الحكومي المقدم للشركات، لما تحققت أرباحٌ تُذكر. ففي عام 2025، حققت الشركات الفرنسية أرباحاً بلغت 266 مليار يورو، كان نصيب الدعم الحكومي منها 211 مليار يورو، أي لولا الدعم الحكومي، لما تبقى الكثير لتوزيعه كأرباح على المساهمين.
ويدرك جزء كبير من السكان أن النظام فاسد. وخلافاً لما يزعمه الليبراليون، فإن المشكلة لا تكمن في تكاليف العمل، وهي "تكاليف" لم تعد تكفي حتى لتوفير القوت اليومي للعمال، بل في تكاليف رأس المال؛ وهي تكاليف باهظة بشكل جنوني. لم تصل الحالة بعد إلى مرحلة يقول فيها السكان: "نحن نموّل بالفعل استمرار عمل الشركات، بينما تكتفي طبقة الرأسماليين باستغلالنا وسرقتنا؛ فلماذا لا نتولى نحن إدارة هذه الشركات بأنفسنا؟". ومع ذلك، فإن الظلم الذي يتسم به النظام بات جلياً، ولا يمكن إنكاره؛ فالعاملون يدفعون ضرائب باهظة لا تُموّل خدمات عامة ولا توفر فرص عمل جيدة.
مسارات القمع
إن حجم القمع غير مسبوق حقاً، لكنه يندرج في سياق تاريخي طويل؛ فالحفاظ على النظام العام على الطريقة الفرنسية اتسم دائماً بكونه وحشياً للغاية. وقد أشادت ميشيل أليو ماري، وزيرة الداخلية في عهد ساركوزي، بفعالية هذا النهج وبتصديره إلى بلدان العالم الاخرى، بل إنها نصحت الرئيس التونسي المخلوع، زين العابدين بن علي، باستلهام الخبرة الفرنسية لقمع "الربيع العربي".
وفي عهد فرانسوا هولاند (2012-2017)؛ وصل استخدام العنف مستوى غير مسبوق، إذ جرى نشر الجيش داخل الأراضي الفرنسية في أعقاب الهجمات الإرهابية في باريس، وهي سابقة لم تحدث منذ حرب الجزائر، كما تم قمع التظاهرات بقسوة، مما أسفر عن إصابة العشرات بجروح خطيرة، وذلك بهدف بث الرعب في نفوس المتظاهرين. غير أن التعامل مع عملية إخلاء منطقة "نوتردام دي لاند" في نيسان 2018 شكّل نقطة تحول حقيقية؛ ففي هذه المنطقة الزراعية التي كانت مخصصة لبناء مطار جديد، تدخلت قوات الدرك مستخدمة المدرعات، وأطلقت على مدار اليوم قرابة 15 ألف قذيفة، مما خلق مشاهد تحاكي أجواء الحرب، وأدى إلى وقوع إصابات بالغة، نتجت في بعض الحالات عن بتر الأعضاء.
ومنذ عشر سنوات على الأقل، ظهرت بوضوح نزعة نحو عسكرة جهاز الشرطة؛ إذ ارتفعت ميزانيته من 8 مليارات يورو في عام 2000 إلى 26 مليار يورو في العام الحالي، مع تسجيل زيادة حادة -بلغت 37 في المائة، لا سيما في عهد الرئيس ماكرون. ورغم ذلك، كثيراً ما تجد الشرطة نفسها عاجزة عن التعامل مع اتساع التظاهرات، كما حدث خلال احتجاجات "السترات الصفر" أو خلال هذه الاحتجاجات. وفي خطوة استباقية جريئة، كسر ماكرون محظوراً جديداً عبر الاستعانة بالجيش في سياق التعامل مع التظاهرات. ومع ذلك، فإن الجيش لا يُنشر حالياً لمواجهة المتظاهرين مباشرة، بل يتركز دوره بشكل أساسي في إعفاء عناصر الشرطة من مهام حراسة المباني.
ومع ذلك، فإن هذا التطور جليٌّ وواضح. وهو، مرة أخرى، أقدم عهداً من سنوات رئاسة ماكرون؛ ويصفه بدقةٍ بالغةٍ الاقتصادي كلود سيرفاتي في كتابه «الدولة المتطرفة» (L’État radicalisé) الصادر عام 2022، حيث يتحدث عن «استمراريةٍ في الأمن العالمي، تمتد من منطقة الساحل وصولاً إلى سين-سان-دوني». فقد جُهِّزت القوات المنتشرة داخل البلاد بمدرعات تماثل تلك التي استُخدِمت في جمهورية أفريقيا الوسطى. وكان جان إيف لودريان، وزير الدفاع في عهد فرانسوا هولاند، قد صرّح بأن "العمليات داخل البلاد ليست عملياتٍ من الدرجة الثانية"، موضحاً أن "القوات المسلحة، منذ الثورة الفرنسية وحتى الصراع في الجزائر، لعبت دوراً محورياً في حفظ النظام العام وصيانته في فرنسا. لذا، يتعين عليها تنظيم وتدريب نفسها بحيث توفر للأمة، وبشكلٍ دائم، احتياطياً عاماً للعمليات العسكرية؛ مما يتيح لها التحرك على الأراضي الوطنية بسرعةٍ، وبنطاقٍ واسعٍ إذا لزم الأمر، ولفتراتٍ زمنيةٍ ممتدةٍ عند الضرورة".
في الطريق إلى دولة الاستبداد
إلى جانب ممارسة العنف الصريح، ثمة تراجع تاريخي في الحريات المدنية يتجلى في حظر التظاهرات. ففي 24 تشرين الأول، ولأول مرة منذ عام ،62 -أي منذ حرب الجزائر، فُرض حظر على التظاهرات في العديد من المحافظات والمناطق الريفية. وهذا ما يجعل حشد 800 ألف محتج أمراً مثيراً للإعجاب بشكل استثنائي، فرغم قرارات الحظر العديدة، لم ينخفض عدد المتظاهرين مقارنة بما كان عليه الحال في 17 تشرين الأول. ويعني هذا أن حجم الحشد في المدن التي لم تُحظر فيها التظاهرات كلياً كان أكبر حتى مما كان متوقعاً.
ومن الضروري تحليل جغرافية الحظر؛ ففي المدن الكبرى التي شهدت مشاركة قوية في احتجاجات 17 تشرين الأول، سُمح في نهاية المطاف بتنظيم التظاهرات، وإن كان ذلك عبر مسارات غير منطقية لم يُعلن عنها إلا في اللحظة الأخيرة، بهدف إضعاف التعبئة. أما في المدن الصغيرة والمتوسطة في المحافظات، حيث كانت التعبئة في 17 تشرين الأول ضعيفة نسبياً، فقد مُنعت التظاهرات. ويشير هذا إلى أن قرارات الحظر، وخلافاً لما تدعيه الحكومة، لا تهدف إلى منع وقوع أعمال شغب جديدة، بل إلى الحيلولة دون توسع نطاق الاحتجاجات. وكما ذُكر سابقاً، فإن المناطق الريفية تدعم الحراك حالياً، لكنها لا تشارك فيه بشكل فعلي. وتسعى الحكومة إلى تحويل هذا الموقف القائم على "الترقب" إلى حالة من عدم الثقة، وإلى تأجيج المخاوف في المناطق الريفية من "التطرف" الآتي من المدن.
وهذه استراتيجية قديمة تتبعها قوى السلطة في فرنسا منذ القرن التاسع عشر. فخلافاً لما شهدته بلدان "الجنوب العالمي"، لم تكن الثورات في فرنسا نتاج تخطيط طويل الأمد من قِبل تنظيمات منضبطة تمتلك قواعد حصينة في الأرياف؛ بل كانت عبارة عن انتفاضات اندلعت في باريس، ثم خرجت عن السيطرة في مواجهة حكومة متعنتة. وبناءً عليه، يتوقف نجاح الثورات على المحافظات والمناطق الريفية؛ فإذا انضمت هذه المناطق إلى الثورة، تعجز الحكومة عن إعادة ترتيب صفوفها وتنهار. أما فرصتها الوحيدة للبقاء فتكمن في حالة الريبة التي تساور المناطق تجاه النزعة الجذرية في باريس والمدن الكبرى.
لقد استخلصت قوى السلطة العبر من " الثورة الفرنسية ومن ثورة عام 1848، حين حظيت انتفاضة في باريس بدعمٍ من المحافظات والمناطق الريفية؛ إذ أدّى فرض الحكومة لضريبة جديدة هناك إلى تأجيج الأوضاع، مما دفع الفلاحين إلى التعاطف مع مطالب الثوار الباريسيين. وقد أدرك الحكام "البونابرتيون"، الذين تعززت سلطتهم بدءاً من عام 1852، هذه الدروس، فحرصوا باستمرار على كسب تأييد الفلاحين، لغرض إحكام قبضتهم على الطبقة العاملة وقمعها بشكلٍ أكثر فاعلية. ويمكن القول إننا نشهد اليوم، بطريقةٍ أو بأخرى، استراتيجيةً جديدةً من النمط البونابرتي.
ولهذا السبب، توظف الحكومة هذا الخطاب ضد اليسار؛ فهي تحاول تصوير حزب "فرنسا الأبية"، الذي يتمتع بقاعدة قوية في المدن الكبرى، على أنه المسؤول الوحيد عن أعمال الشغب. وفي هذا السياق، يلعب اليمين المتطرف دور الداعم للحكومة، واصفاً المحتجين في باريس والمدن الكبرى بأنهم "جيش من المجرمين" يتألف -حسب زعمه، من "مهاجرين". والحقيقة أن المنحدرين من أصول مهاجرة يتعرضون لتمييز عنصري، رغم أن عائلاتهم فرنسية منذ أجيال. غير أن هذا النوع من الخطاب يغذي مشاعر الريبة في المناطق الريفية؛ ولهذا السبب تكتسب المعركة حول الثقافة والصور أهمية بالغة بالنسبة لليسار، ولهذا أيضاً نرى المتظاهرين يتبنون رموز الأمة ويجعلونها جزءاً منهم.
بونوبارتية جديدة
تحظى "البونابرتية" بتقليد نظري طويل لدى الماركسيين، بدءاً بماركس، ومروراً بغرامشي، وحتى نيكوس بولانتزاس (عالم اجتماع وفيلسوف يوناني – فرنسي 1936 – 1979). وهي تُمثّل، في ظل ظروف معينة، بديلاً عن الفاشية بالنسبة للرأسمالية التي تمر بأزمة. وللبونابرتية تاريخ طويل، لا سيما في فرنسا، حيث ترتبط أساسا بشخص لويس نابليون بونابرت. لقد انتُخب الأخير رئيساً للجمهورية، ثم نفّذ انقلاباً عام 1852، وعمل على إضفاء الشرعية عليه من خلال استفتاء شعبي؛ وقد فاز في الاستفتاء بنسبة كبيرة، مستنداً إلى رغبة الفلاحين في فرض النظام. وعلى عكس الفاشية التي ظهرت لاحقاً، لا تنطوي البونابرتية على استبدال نخبة سياسية بأخرى، كما أنها لا تهدف إلى دمج السكان في مشروع عرقي-قومي. بل على العكس من ذلك؛ تهدف أساسا إلى نزع الطابع السياسي عن السكان وتفكيك تنظيماتهم. وهي لا تسعى إلى إنشاء مؤسسات موازية للدولة للسيطرة على الجماهير، بل تعتمد على مؤسسات الدولة ذاتها، بعد تحريرها من أي شروط ديمقراطية.
وبعد ارتقائه إلى سدة الحكم كإمبراطور تحت اسم "نابليون الثالث"، شرع لويس نابليون بونابرت في إصلاح فرنسا بوتيرة متسارعة، فارضاً سياسة اقتصادية ليبرالية للغاية؛ لعبت الدولة فيها دوراً محورياً في تركيز رأس المال، كما عملت على قمع أي مقاومة عمالية بقسوة دموية. قد يبدو من المفارقات أن هذه الليبرالية، التي اتسمت بالمركزية والسلطوية السياسية، حققت نجاحاً هائلاً للبرجوازية، التي راكمت ثروات طائلة بفضل الاستغلال المفرط للطبقة العاملة وبدعم من الدولة. ومن منظور الدولة الإمبراطورية أيضاً، كان هذا نجاحاً كبيراً؛ إذ ضمنت عملية التصنيع إيرادات ضريبية وسمحت بتوسيع الجيش، مما مكّن فرنسا من "استعادة مكانتها" كقوة عظمى على الساحة الدولية، وذلك من خلال غزو الجزائر وشن حملات عسكرية في المكسيك وشبه جزيرة القرم. وبذلك، نجد أن لهذا النهج تقاليد راسخة في فرنسا.
يمكن اعتبار حكم ديغول شكلاً من أشكال "البونابرتية"؛ فقد تولى السلطة بمساعدة الجيش وبدعم شعبي واسع، لا سيما في المناطق الريفية، بهدف إجراء إصلاحات جذرية، وتوسيع القاعدة الصناعية، وقمع الطبقة العاملة المنظمة. وفي سياقٍ ما، حاول المارشال بيتان أيضاً تقمص هذا النهج البونابرتي؛ فهو عسكري مخضرم حظي بدعم شعبي كبير، وسعى إلى إعادة بناء فرنسا وقمع الطبقة العاملة التي حمّلها مسؤولية هزيمة عام 1940، بدعوى أنها فضلت المكاسب الاجتماعية على إعادة التسلح. ورغم وجود عناصر فاشية في محيط بيتان، وتحول نظامه تدريجياً نحو الفاشية عبر محاكاة "النموذج" النازي، إلا أنه في بداياته كان أقرب إلى النمط البونابرتي؛ إذ لم يعتمد على تنظيمٍ جماهيريٍّ واسع النطاق، على غرار ما كان عليه حال الحزب النازي الألماني أو الحزب الفاشي الإيطالي قبل وصولهما إلى السلطة.
وفي ظل أزمة الرأسمالية والإمبريالية الفرنسية، يمثل ظهور بونبارتية جديدة احتمالاً واقعياً يختلف عن الخطر الفاشي، الذي ما يزال قائماً أيضاً، وإن كان بدرجة أقل حدة. وكما ذُكر سابقاً، لم تعد الرأسمالية الفرنسية قادرة على تحقيق الأرباح دون دعم من الدولة. كما أن للأزمة بُعداً إمبريالياً؛ إذ تفقد الرأسمالية الفرنسية نفوذها في أفريقيا، ولا سيما في غرب القارة. ورغم محاولاتها لإعادة التموضع في شرق أفريقيا، إلا أن ذلك لا يكفي لتحقيق الأرباح الإضافية التي كانت تُجنى في السابق، لا سيما وأن هذا التراجع يأتي في وقت بات فيه "التوافق الصيني-الأمريكي"، أو ما يُعرف بالعولمة، مدار شك. باختصار: تتضاءل فرص استغلال "الجنوب العالمي"، ولم تعد كافية لتعويض انخفاض معدل الربح داخل فرنسا ذاتها. ولم يعد هناك ما يمكن إعادة توزيعه في ظل حالة الغضب الشعبي السائدة.
في الواقع، تُعد هذه، سمةً تقليديةً للـ "بونابرتية"، مقارنةً بـ "الفاشية"، وفقاً للتقليد الماركسي؛ إذ تتمتع الحكومة هنا بقدرٍ من الاستقلالية عن البرجوازية، وذلك في ظل وضعٍ يتسم بتوازنٍ في الصراع الطبقي. فالبرجوازية، التي يملؤها الرعب من الخطر الثوري، تجد نفسها مضطرةً للاعتماد على سلطة الدولة، التي يتعين عليها بدورها إبرام تسوياتٍ مع قطاعاتٍ من الطبقة العاملة، والفلاحين. أما الفاشية، في المقابل، فلا تواجه مثل هذه التعقيدات؛ فهي تنتصر حين تُهزم الطبقة العاملة، وتعمل كأداةٍ في يد البرجوازية الاحتكارية الكبرى لإعادة تنظيم رأس المال بما يخدم مصالحها.
في فرنسا، يميل الوضع المتسم بالانتفاض، بل حتى ما قبل الثورة، إلى خلق ظروف مواتية لنمط "بونابرتي" (سلطة مركزية) أكثر منه لنمط فاشي. ومع ذلك، فإن الوضع الدولي لا يمنح الدولة الفرنسية هامشاً كبيراً من الاستقلالية عن برجوازيتها، التي باتت مصالحها متشابكة بشكل وثيق مع مصالح الإمبريالية الأمريكية. لقد تلاشى الجناح الصناعي للبرجوازية الفرنسية؛ إذ تحولت هذه الطبقة بالكامل نحو القطاع المالي، مما ربطها بمصالح الولايات المتحدة، التي تبدو أهدافها الإمبريالية واضحة تماماً. وفي ظل صعود الصين والتحرر النسبي لجزء من "الجنوب العالمي"، تجد الإمبريالية العالمية نفسها في حالة أزمة؛ وهو ما يدفع الإمبريالية الأمريكية إلى اتخاذ مواقف عدائية حتى تجاه حلفائها. فمن أجل إعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة، تستخدم الإدارة الأمريكية سياسة "الترغيب والترهيب"، متمثلة في "قانون خفض التضخم" في عهد بايدن، والرسوم الكمركية التي فرضها ترامب، بهدف جذب رأس المال الأوروبي عبر المحيط الأطلسي. نحن إذن أمام وضع متناقض يمهد الطريق لما يمكن تسميته بـ "البونابرتية الكومبرادورية" (أي السلطوية المركزية المرتبطة بالخارج): دولة قوية في مواجهة التطلعات الثورية لشعبها، لكنها في الوقت ذاته ضعيفة أمام برجوازيةٍ لم يعد فيها من السمات "الوطنية" شيء يُذكر، وهي برجوازية باتت -فكرياً، إن لم يكن مادياً، متمركزة على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.
تطورات مستقبلية
يُتيح دستور الجمهورية الخامسة، وبكل سهولة، حدوث تحولٍ نحو نهجٍ "بونابرتي". ولا ينبغي أن ننسى أبداً أن هذا الدستور قد صاغه الجنرالٌ ديغول في أعقاب انقلابٍ عسكري. ربما لم يرغب شارل ديغول، على حد تعبيره، في "بدء مسيرةٍ مهنية كديكتاتور وهو في السابعة والستين من عمره"، لكنه منح خلفاءه صلاحياتٍ ديكتاتورية؛ إذ يخضع الجيش لسيطرة الرئيس وحده، الذي لا يلزمه تقديم أي حسابٍ عن كيفية استخدامه لهذه القوات. بل إن المادة 16 من الدستور تمنح الرئيس صلاحية ممارسة كامل السلطات في حال تحقق أحد شرطين: إما "وجود تهديدٍ جسيم ومباشر لمؤسسات الجمهورية، أو لاستقلال الأمة، أو لسلامة أراضيها، أو لتنفيذ التزاماتها الدولية"، أو "تعطيل السير المنتظم للسلطات الدستورية في الدولة".
وإلى جانب سياق ما قبل الثورة، والذي يمكن استخدامه لتبرير الشرط الثاني، فإن أزمة الديون وخطر تدخل المفوضية الأوروبية، استناداً إلى المعاهدات، كفيلان بتبرير الشرط الأول. وإذا لم يكن ذلك كافياً، يظل بالإمكان استحضار شبح "التهديد الروسي". ولعل هذا هو السبب وراء ظهور شائعات في وسائل الإعلام حول هجوم روسي محتمل على الأراضي الفرنسية ، يُشن انطلاقاً من سفن تجارية. ورغم نفي ماكرون لهذه الأنباء، إلا أننا نرى كيف تبنتها كافة وسائل الإعلام البرجوازية؛ فيما يشبه "بالون اختبار" يهدف إلى تهيئة الأجواء لتبرير حلٍّ "بونابرتي".
إن خطر "البونابرتية" (حكم الرجل القوي المستند إلى الجيش) ليس مجرد خيال يراود اليساريين. ففي 21 نيسان2021، وفي ذكرى انقلاب 21 نيسان 1961 ضد الجنرال ديغول، نُشر بيانٌ وقّعه عدد من الجنرالات، دعوا فيه إلى تدخل المؤسسة العسكرية في السلطة، مبررين ذلك بمواجهة خطر "الإسلاموية" و"جحافل القادمين من الضواحي". وقد حظي هذا النداء بدعمٍ علني من مارين لوبان، مما يكشف أن حزب "التجمع القومي" اليميني المتطرف نفسه يقع تحت تأثير الإغراء البونابرتي. فداخل هذا الحزب، ثمة صراعٌ وتأرجحٌ مستمر بين عناصره ذات النزعة الفاشية وبين هذا الميل نحو البونابرتية. وهنا تكمن فجوةٌ كبيرة مقارنةً بالوضع في ألمانيا؛ إذ إن النظام الديمقراطي البرجوازي الألماني، من الناحية المؤسسية، لا يسمح بحدوث "انقلاب قانوني" (على غرار ما قد يمثله نهج المستشار الألماني فريدريش ميرتس). فلكي يظهر نظامٌ استبدادي في ألمانيا، لا بد من تعطيل النظام الدستوري القائم بالكامل، بينما يختلف الوضع في فرنسا؛ حيث لا تحتاج البرجوازية الفرنسية، بمعنى ما، إلى الفاشية، نظراً لأن الخيار البونابرتي يُعدّ أسهل وأكثر قابلية للتطبيق.
إن استدعاء الجيش في الوقت الراهن، والمطالبات بحظر التظاهرات، بل وحتى حظر أحزابٍ يسارية مثل حزب "فرنسا الأبية"؛ ليست سوى مؤشراتٍ على هذا الإغراء البونابرتي الذي يراود النخب الحاكمة.
موضوعة حظر نشاط أحزاب اليسار الجذري
يُستخدم مصطلح "القوس الجمهوري" (arc républicain) أو (جدار الحماية) كما هو مستخدم في الخطاب السياسي الألماني، الذي بات أكثر شيوعاً في السنوات الأخيرة، كأساس لفكرة خطيرة؛ لا تقوم على مقولة مارغريت تاتشر الشهيرة "ليس هناك بديل"، بل على الادعاء بأنه "لا يوجد بديل مقبول". وتكمن خطورة هذا التعبير في كونه يستعير مبدأ "الحاجز الجمهوري" ،الموجه ضد اليمين المتطرف، لكنه يعمل على تحريفه؛ إذ انتقلنا من مبدأ التحالف التكتيكي بين الأحزاب الديمقراطية لمواجهة خطر اليمين المتطرف (عندما تقتضي الظروف ذلك، أي عند وصول اليمين المتطرف إلى جولة الانتخابات الثانية والحاسمة)، إلى تحالفٍ ليبرالي جديد ضد أي بديل، مهما كان متواضعاً.
في جوهرها، تُعد حركة "فرنسا الأبية" حزباً ذا توجه اشتراكي ديمقراطي معتدل نسبياً، إذ إن برنامجها أقل جذرية بكثير حتى من برنامج فرانسوا ميتران. ألم يعبّر زعيم "فرنسا الأبية" ميلنشون اخيرا عن معارضته لمطلب الحزب الشيوعي بتأميم شركة النفط الفرنسية العملاقة "توتال"، فقد صرّح بضرورة "إيجاد سبيل للتوصل إلى حل يخرجنا من هذا المأزق"، وذلك عبر التفاوض على تسوية بين الشركة، التي "تدافع عن مصالحها الرأسمالية"، وبين حركته التي "تدافع عن مصالح الشعب الفرنسي". وكذلك، ورغم اقتراحه إلغاء الديون السيادية الفرنسية التي يحوزها بنك فرنسا (والتي تمثل 18 في المائة من مجموع الدين العام)، فقد سارع إلى توضيح، أنه لن يمسّ الجزء الخاص من هذه الديون؛ وهو ما حوّل هذا الإجراء، الذي يبدو جذريا، إلى مجرد حيلة محاسبية، تهدف في جوهرها إلى استرضاء المفوضية الأوروبية.
عمليا، سيؤدي الإجراء الذي اقترحه جان لوك ميلنشون نظرياً، إلى خفض نسبة المديونية وفقاً لمعايير "ماستريخت"(ضوابط الاتحاد الأوربي)، لكنه لن يقلل بأي حال من الأحوال من عبء الديون الفعلي؛ وذلك لأن الفوائد التي تدفعها الدولة حالياً لـ "بنك فرنسا" تعود في نهاية المطاف إلى خزينة الدولة ذاتها. وفي جوهره، يُعد برنامج جان لوك ميلنشون برنامجاً لإعادة التوزيع، لكنه لا يمس علاقات الإنتاج؛ فهو يتضمن زيادة طفيفة في الضرائب هنا، ومزيداً من الدعم هناك، ورفعاً للحد الأدنى للأجور (مع طمأنة أرباب العمل بأن هذا سيؤدي إلى زيادة الاستهلاك، وبالتالي تحقيق المزيد من الأرباح). وهذا تماماً ما أوضحه ميلنشون، خلال "الجامعة الصيفية" لاتحاد كبار أرباب العمل الفرنسيين.
لكن حتى هذا يُعدّ أكثر مما يمكن لرأس المال تقبله. إذ يُصوَّر حزب "فرنسا الأبية" على أنه حزب "متطرف"، وخارج "الطيف الجمهوري"، وبالطبع "معادٍ للسامية"؛ بسبب موقفه الداعم للقضية الفلسطينية. وهنا، يتبنى تيار الوسط الخطاب القديم نفسه الذي استخدمه أقصى اليمين؛ فبدلاً من تهمة "البلشفية اليهودية" التي كانت تُستخدم في الماضي، ظهر اليوم مصطلح "اليسار المتطرف الإسلاموي". ولأن هذه الحجة لم تلقَ رواجاً كبيراً، جرى اخيرا تصوير حزب "فرنسا الأبية" على أنه القوة المحركة لما سُمي بـ "اليسار شديد التطرف"، زاعمين أن عصابات تابعة له تخطط لأعمال تدمير ونهب. وفي هذا السياق، كشفت عناصر من الشرطة وأجهزة الاستخبارات خير تلقيهم تعليمات من الحكومة للكتابة بأن حزب "فرنسا الأبية" يقف وراء هذا الحراك، رغم غياب أي دليل على ذلك على الإطلاق.
ولم ينجُ الحزب الشيوعي الفرنسي أيضاً من هذا الاستهداف. فإلى وقت قريب، كان المعسكر الليبرالي الجديد، بدءاً من تيار ماكرون وصولاً إلى حزب "التجمع القومي" اليميني المتطرف، يعتبر الحزب الشيوعي محدود التأثير. لكن الوضع تغير اليوم؛ إذ لاقى المقترح الذي طرحه الحزب الشيوعي الفرنسي بشأن تأميم شركة "توتال" صدىً واسعاً. كما أثارت تصريحات السكرتير الوطني للحزب فابيان روسيل، الذي وصف جزءاً من أرباب العمل بأنهم "خونة للأمة" ويجب التعامل معهم كما عُومل رجال الأعمال الذين تعاونوا مع المحتل، تفاعلاً كبيراً في الرأي العام. ويبدو أن هذا كان أكثر مما ينبغي؛ فقد بدأ حراس النظام، هنا وهناك، يبدون استياءهم وغضبهم، زاعمين أن الحزب الشيوعي يسعى لتنظيم "الثورة". وفي هذا السياق، عبّر المتحدث باسم حزب "التجمع القومي " عن استنكاره لقيام الحزب الشيوعي بوضع مقراته تحت تصرف منظمة شبابية اشتراكية (فرنسية-كردية) لعقد مؤتمر يحمل عنوان: "التنظيم من أجل الثورة: كيف نناضل في ظل القمع، وكيف نضمن استمرار الحراك". وعلى غرار استراتيجية ماكرون، لا ينتقد "التجمع القومي " هذه المنظمة بناءً على النموذج المجتمعي الذي تتبناه، بل من خلال وصم أعضائها بأنهم "مثيرو شغب" خطرون يهددون النظام العام. وفي حين يظل حزب "فرنسا الأبية" الهدف الرئيسي حالياً، إلا أن الأجواء بدأت تزداد احتقاناً ضد كافة القوى التي تدعو إلى أي بديل لنظام الليبرالية الجديدة السائد.
وهنا أيضاً نجد إحدى القوى المحركة للـ "بونابرتية": فهي ليست صراعاً أيديولوجياً وجودياً بين رؤيتين للمجتمع، كما تحب الفاشية أن تصوّر ذلك، بل هي صراع النظام ضد الفوضى. وبهذا برّر لويس نابليون انقلابه، حيث صرّح في أول رسالة له إلى الهيئة التشريعية قائلاً: "النظام وحده هو الذي يمنح الحريةَ الأمانَ، الذي يجعلها مثمرة؛ أما الفوضى فتُدمر الحرية، إذ توقظ الحاجةَ إلى سلطة قوية". إنها الحاجة إلى سلطة قوية تضمن أن تُدرّ "حرية الاستغلال" عوائدَ وفيرة؛ وهنا لم يكن لويس بونابرت صادقاً تماماً. واليوم، تبرز الحاجة ذاتها مجدداً بالنسبة لحكومة ماكرون والبرجوازية المالية.
على اليسار أن يحذر من وهم وجود "جبهة جمهورية" ما تزال قائمة ضد الفاشية. فمثل هذه الجبهة قد تكون موجودة بين ناخبي اليمين، ولا سيما أنصار ماكرون، لكنها غائبة تماماً في أوساط النخب. بالنسبة للبرجوازية الفرنسية، بات التوصل إلى حلٍّ سلطوي، أياً كان شكله، أمراً ضرورياً؛ سواء جاء ذلك عبر اليمين المتطرف الفاشي أو عبر "الوسط المتطرف" ذي النزعة البونابرتية، ففي نهاية المطاف، لا فرق لديها. إن خطاب "النظام" يلقى صدىً لدى عامة الناس أكبر بكثير من الخطابات الأيديولوجية التي تحذر من خطر تلاشي "القيم الغربية". فعندما تخلو الأطباق من الطعام، تفقد "القيم الغربية" كل ثقلها، لكن الخوف من أن يقوم أحدهم بكسر الطبق، حتى وإن كان فارغاً، هو أمرٌ يحمل وزناً كبيراً.
الاحتجاجات والعسكرة
تعد العسكرة والاستعداد للحرب ورفض التجنيد الاجباري محورا رئيسيا للاحتجاجات المتصاعدة في المانيا، اما في فرنسا فينبغي إدراك الفرق بوضوح. في ألمانيا، تُعدُّ العسكرة جزءاً من سعيٍ للهيمنة يهدف إلى تأمين نصيب الأسد من الموارد الأوكرانية، وكذلك الموارد الروسية إذا ما سنحت الفرصة لذلك مستقبلاً. كما أنها جزءٌ من عملية "فاشية" تهدف إلى جعل السياسات الليبرالية الجديدة مقبولة لدى السكان، وذلك تحت ستار مشروعٍ يقوم على العظمة القومية والفخر العرقي. أما في فرنسا، فتجري العسكرة في سياقٍ ما قبل ثوري يتسم بصراعٍ طبقي داخلي، وتهدف إلى وأد أي انتفاضاتٍ في مهدها. وبالنسبة للإمبريالية الفرنسية، لا تُمثّل روسيا هدفاً بحد ذاتها، بل ذريعةً لا أكثر؛ وهو أمرٌ يختلف تماماً عن حال الإمبريالية الألمانية.
إن عسكرة فرنسا واقعٌ ملموس؛ فميزانية الدفاع، التي تبلغ حالياً 57 مليار يورو (دون احتساب المعاشات التقاعدية)، من المقرر أن زيادتها بمقدار 6 مليارات يورو إضافية بحلول عام 2027. وتُعد هذه العسكرة في فرنسا جزءاً من الصراع الطبقي وأداةً لقمع الحركات الاجتماعية وحركات الاستقلال في الأقاليم والأراضي الفرنسية ما وراء البحار، كما تُستخدم في الوقت ذاته ذريعةً لفرض تخفيضات أكثر حدة في الإنفاق الاجتماعي. وتتذرع حكومة ماكرون بالخطر الروسي لتبرير الادعاء بأننا لم نعد قادرين على تحمل "ترف" نموذجنا الاجتماعي، وأنه لا بد من إعادة توجيه الموارد نحو القطاع الأمني. ولكن، في مقابل زيادة ميزانية الجيش بـ 6 مليارات يورو، هناك خطط لخفض الإنفاق الاجتماعي بقيمة 54 مليار يورو!
صحيحٌ أن كلاً من فرنسا وألمانيا تشهدان تفكيكاً لدولة الرفاه الاجتماعي لصالح سباق التسلح؛ لكن يمكن القول إن هذا التفكيك في ألمانيا، كما مر ذكره، يتم توظيفه مباشرةً لخدمة سباق التسلح، بينما يستمر سباق التسلح في فرنسا بالتوازي مع سياسة تقشف صارمة تؤدي هي الأخرى إلى تقويض دولة الرفاه. إن الهدف الرئيسي في فرنسا لا يتمثل في إعادة التسلح أو تبني سياسة تحريض على الحرب بقدر ما يتمثل في ضمان استمرار تمويل رأس المال وأرباحه، دون زيادة مديونية الدولة. فالمسألة تتعلق بالحفاظ على الدعم الموجه للشركات وزيادته، وفتح مجالات جديدة أمام رأس المال لتحقيق الربح (لا سيما في قطاع الرعاية الصحية)، وتمويل هذا الدعم لرأس المال من خلال ضرائب مفروضة على العمال، لغرض تقليص الدين العام. وبطبيعة الحال، لا تحظى هذه التوجهات بقبول شعبي، مما يستدعي امتلاك القدرة على ممارسة القمع العسكري. وبصراحة تامة: تبدو ألمانيا وكأنها تندفع نحو الحرب في محاولة يائسة للهروب إلى الأمام، في حين تعمل فرنسا، في ظل صراع طبقي محتدم، على تهيئة الظروف لحرب أهلية.
وهذا يفسر التباين الهائل بين ألمانيا وفرنسا فيما يتعلق بمسألة الخدمة العسكرية. فبينما تخطط الحكومة الألمانية لإعادة فرض التجنيد الإجباري، لا يطرح أحد في فرنسا اطلاقا، فكرة التشكيك في نموذج الجيش القائم على الجنود المحترفين (المتطوعين). ذلك أن جيشاً يتألف من مجندي الخدمة الالزامية، يُعد، في الواقع، أداة غير ملائمة على الإطلاق لقمع السكان، الذين قد ينقلبون سريعاً ضد الحكومة. ولهذا السبب، عارض الحزب الشيوعي الفرنسي في عام 1996 إلغاء التجنيد الإجباري والتحول نحو جيش محترف بالكامل. وانطلاقاً من هذا الموقف، يدعو كل من الحزب الشيوعي ومنظمة "الشباب الشيوعي" إلى تبني نموذج "الجيش المختلط" (الذي يجمع بين المحترفين والمجندين)، وإلى استحداث شكل جديد من "الخدمة المدنية"؛ بحيث تدمج هذه الخدمة بين الاحتياجات الدفاعية والتدريب المهني، وتُمنح عنها مكافأة مالية مجزية تُحتسب أيضاً لأغراض التقاعد.
تدرك الحكومة الفرنسية، تماماً الفوائد المرجوة من "التلقين الايديولوجي" عبر المؤسسة العسكرية؛ لذا سعت إلى فرض خدمة إلزامية عامة، تهدف عملياً إلى تكليف الجيش بجزء من مهام تربية الشباب. وفي العام الفائت، احتج الشباب الفرنسي بقوة على هذا المشروع، مما أجبر الحكومة على التراجع عنه. والجدير بالذكر أن هذه الاحتجاجات لعبت دوراً محورياً في الحراك الحالي لطلبة الثانويات. لقد اكتسبت قضايا "الكرامة" و"آفاق المستقبل" أهمية بالغة، حيث نددت المنظمات الشبابية بالتناقض الكامن في استبدال المعلمين المفقودين بأفراد من الجيش، مع ما يرافق ذلك من تقليص لساعات التدريس؛ وهو أمر من شأنه أن يقلل أكثر فأكثر من فرص النجاح المتاحة للفئات الاجتماعية الأقل حظاً.
قواسم مشتركة
بغض النظر عن الاختلافات في الشكل، وحتى في القضايا التي تتصدر المشهد، فأن هناك صراعاً يدور في كلا البلدين من أجل الكرامة وآفاق المستقبل. فألمانيا، التي كانت بمنأى نسبياً عن عملية "تراجع التصنيع"، باتت تواجه وطأتها بكل قوة. حتى وقت قريب، كان بإمكان الشبيبة الألمانية تصور مستقبلٍ ما؛ مستقبلٌ قد يكون صعباً، في ظل تعنتٍ متزايد من جانب أرباب العمل، لكنه كان يتيح، على الأقل، فرصةً للحصول على وظيفة جيدة ذات أجرٍ لائق. وكانت هناك أسطورةٌ، مفادها أن الحصول على تعليمٍ وتدريبٍ مهنيٍّ يضمن للمرء حياةً كريمة. غير أن هذه الركيزة بدأت تتلاشى الآن. فالمستقبل الوحيد المتاح أمام الشبيبة الألمانية لا يتعدى الانخراط في الجيش والموت في خدمة شركات مثل "راينميتال" وغيرها من شركات السلاح. أما الشبيبة الفرنسية، فلا يُعرض عليهم سوى خيارين: إما البطالة الجماعية، أو العمل الشاق بأجرٍ لا يكفي حتى لوجبات طعام وافية؛ يضاف إلى ذلك قمعٌ عنيفٌ يُسلط على كل من يجرؤ على الاحتجاج.
وفي كلتا الحالتين، وبعيداً عن كافة الاختلافات، نحن بصدد صراع من أجل الكرامة وآفاق المستقبل. وكثيرا ما يتردد قلق اليسار الألماني إزاء ضعف حركة السلام في ألمانيا؛ أما في فرنسا، فهي أكثر ضعفاً، ولا تجتذب تظاهراتها حشوداً جماهيرية. ومع ذلك، فإن المطالبة بفرص الحق في العمل تنطوي في جوهرها على قضية السلام. و، ربما تكون أفضل سياسة سلام يمكن تبنيها هي المطالبة بنهج مختلف في السياسة الاقتصادية؛ إذ ينبغي توضيح أن "اقتصاد الحرب" ليس اقتصاداً قادراً على تلبية المطالب المادية للطبقة العاملة وشبابها.
في الوقت الراهن، تطرح الحكومتان الفرنسية والألمانية فكرة "عسكرة" الاقتصاد كوسيلة لإنقاذ الصناعة أو إحيائها. لقد تم إجراء حسابات أظهرت أنه سيتعين إنتاج نحو 7200 دبابة سنوياً لاستيعاب كميات من الصلب والقوى العاملة تعادل تلك التي تستخدمها شركة "رينو" حالياً في تصنيع السيارات. لكن فرنسا لا تمتلك في الوقت الراهن سوى 222 دبابة. وحتى لو ضاعفت الإنتاج مرتين أو ثلاث مرات أو حتى عشر مرات، فسيظل حجم العمالة بعيداً كل البعد عن الأرقام التي يوفرها قطاع صناعة السيارات. ففي الواقع، تُعد صناعة الأسلحة قطاعاً تقنياً متطوراً وصغيراً، لا يوظف سوى عدد ضئيل جداً من العاملين؛ فهي لا تلبي احتياجات السكان بأي شكل من الأشكال، سواء من حيث المنتج النهائي أو من حيث توفير فرص العمل.
ما تحتاجه فرنسا، إعادة تصنيع حقيقية، تتيح لتلبية الاحتياجات الاجتماعية الهائلة في سياق التحول نحو اقتصاد خالٍ من الكربون. إن حكومة الفرنسية تثير المخاوف من "قدوم الروس"، في حين أن ما يداهم البلاد فعلياً هو الكارثة المناخية، التي باتت واقعاً ملموساً بالفعل. فرنسا بحاجة إلى المزيد من القطارات، وخطوط السكك الحديدية، وتوربينات الرياح، والألواح الشمسية، بل وحتى محطات الطاقة النووية، والسيارات الكهربائية، وشبكات الكهرباء. كل هذا يندرج تحت بند "الصناعة"؛ وكل هذا يفتح آفاقاً لفرص عمل عالية الجودة، تُنتج سلعاً وخدمات تعود بالنفع على المجتمع. وإذا كان الرأسماليون يحجمون عن الاستثمار في هذا القطاع، ويفضلون بدلاً من ذلك الاستثمار في قطاع التسلح، فذلك لأن معدل الربح هناك أعلى. لذا، على الأكثرية الاستغناء عن الرأسماليين.
يمكن القول، أن غالبية المتظاهرين في فرنسا أو في ألمانيا، لم يدركوا بعد ضرورة الاشتراكية؛ لكن القضايا المهمة ماثلة للعيان. إن الاحتجاج من أجل الكرامة ومن أجل آفاق مستقبلية تتجاوز الخدمة العسكرية والتجنيد الإجباري، التي تمثل مطلباً يتعلق بسياسات السلام، ولذلك هناك ضرورة وضع قضية السلام في الصدارة، كما يجب أن يتم تناول مسألة الأموال التي لا تُخصص للخدمات العامة؛ ولكن الأهم من ذلك هو ضرورة التركيز على قضايا العمل والصناعة والمناخ، وهي قضايا تتضافر معاً لتغذي حراكاً مشتركاً ضد الحرب والرأسمالية، أي ضد الإمبريالية.
ولا ينبغي أ تجنب حقيقة وجود فروق جوهرية بين فرنسا وألمانيا، وهي الفروق التي تمت الإشارة اليها. ففي ألمانيا، يُعدُّ الخطر الفاشي كبيراً؛ وفي المقابل، تبدو الآفاق الثورية بعيدة للغاية، وما زال الوضع بعيدا كل البعد عما قبل نشوء وضع ثوري. ولهذا السبب تحديداً، يكتسب الخطر الفاشي في المانيا كل هذا الحجم. أما في فرنسا، فيبدو أن الخطر "البونابرتي" هو الذي يتصدر المشهد؛ وذلك نظراً لوجود آفاق ثورية، وإن كانت ما تزال كامنة. ورغم وجود أوجه تشابه بين البلدين، إلا أن فرنسا تدخل مرحلةً يتصاعد فيها الصراع الطبقي، بينما تدخل ألمانيا مرحلةً يندفع فيها النظام الرأسمالي في هروبٍ إلى الأمام ذي طابع إمبريالي وعسكري، وهو وضعٌ يشكل خطراً أكبر بكثير على بقية بلدان العالم.







