
منذ 17 أيلول الفائت تجتاح المدن الفرنسية احتجاجات طلبة الثانويات، ضد تهالك البنية التحتية بالمدارس ونقص الموارد وعدم وجود البدلاء عن المعلمين المتغيبين، واكتظاظ صفوف المدراس، وعدم كفاية الموارد، وطول اليوم الدراسي، وصعوبات الالتحاق بالتعليم العالي، فضلاً عن الضغوط الهائلة المسلطة على الطلبة بشأن مستقبلهم. بالإضافة إلى ذلك، تشكيكهم في نظام توزيع مقاعد الدراسة الجامعية. غير أن وراء هذه المطالب الملموسة يكمن أمرٌ أعمق: الشعور بعدم التمتع بالفرص نفسها التي يحظى بها الشباب الآخرون في فرنسا. وقد سرَّعت الحكومات المتعاقبة ومختلف الوزراء، عملية تدمير نظام التعليم. أصبح نقص الموارد أمراً لا يطاق بشكل متزايد، إذ تم إلغاء 4 آلاف فرصة عمل للمعلمين خلال عامين وقُلصت ميزانية مؤسسات التعليم العالي بأكثر من 900 مليون يور.
ومع استمرار الاحتجاجات اتسعت المشاركة، بانضمام طلاب الجامعات إليها وتصاعد التضامن معها من قبل نقابة المعلمين ومجالس الآباء والأمهات والنقابات العمالية وتلقيها الدعم من قوى اليسار الفرنسي. ستركز هذه المساهمة على موضوعات طبيعة الحركة الاحتجاجية، وآفاق تطورها، وتأثيرها على الصراع السياسي والاجتماعي الدائر في فرنسا.
تردي اقتصادي وتباين اجتماعي
تعيش فرنسا ركودا اقتصاديا، وارتفاعا في معدلات البطالة، وارتفاعا هائلا في أسعار الوقود، وتخليا عن التدابير البيئية، وميزانية تقشفية جديدة؛ كل هذه العوامل كانت تؤشر، بأن الانتخابات الرئاسية المرتقبة في ربيع عام 2027 ستعمل على توجيه هذا الاستياء نحو مسارات منظمة. غير أن الاحتجاجات جاءت من فئة نادراً ما تشارك في التصويت، وتتحرك بدافع الشعور بأنه ليس لديها ما تخسره.
يختلف الوضع اختلافاً كبيراً من مدرسة إلى أخرى. إذ تعاني مدارس ضواحي العاصمة صعوبات في استقطاب المعلمين، بالإضافة وجود فوارق كبيرة بين مدارس أحياء الأغنياء، ومدارس الضواحي العمالية، فغالباً ما يُعين المعلمين الجدد في هذه المناطق ، حيث يراكمون تجربة ً تؤهلهم لطلب النقل لاحقاً. ونتيجة لذلك، يواجه تلاميذ المرحلتين المتوسطة الإعدادية مشكلة وجود معلمين قليلي الخبرة، مما يؤدي إلى انخفاض مستواهم التعليمي. وتؤكد بيانات وزارة التربية هذا التقييم؛ إذ يكشف "مؤشر الوضع الاجتماعي" -الذي يُخصص لكل مدرسة بناءً على المهن التي يمارسها آباء التلاميذ، عن اختلالات كبيرة وعن ظاهرة قوية لإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية. وتجدر الإشارة إلى أن الارتباط بين الخلفية الاجتماعية والنجاح الدراسي يبرز بقوة خاصة لدى التلاميذ الفرنسيين مقارنةً بنظرائهم في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الاوربية. ورغم وجود تفاوتات بين المدارس الحكومية نفسها، إلا أن الفجوة تبدو أكبر بكثير عند المقارنة بين قطاعي التعليم العام والخاص. وتُعزى هذه الفوارق، التي اتسعت باطراد منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، إلى عملية الانتقاء التي تتبعها العديد من المدارس الخاصة، والتي تعتمد على الدرجات الدراسية والرسوم المدرسية التي يتحملها أولياء الأمور. ومع ذلك، فإن هذه المدارس الخاصة المرتبطة بعقود مع الدولة تُموَّل في الغالب من الأموال العامة؛ فقد أشار تقرير برلماني صدر عام 2024 إلى أن الدولة تضخ 8,5 مليار يورو سنوياً في هذا القطاع، يضاف إليها 1,5 مليار يورو أخرى من البلديات، نتيجةً لتسوية في "حرب المدارس" التي استمرت طويلاً بين الدولة والكنيسة الكاثوليكية، وذلك مقابل التزام مدارس الكنيسة بتطبيق المنهج الدراسي الرسمي. وإلى جانب ذلك، توجد مدارس خاصة غير مرتبطة بعقود مع الدولة تتمتع بحرية أكبر في أساليب عملها ولا تتلقى أموالاً عامة، لكنها لا تستقبل سوى أقل من 1 في المائة من مجموع التلاميذ.
ورغم أن هذا الدعم المالي يتيح للدولة ممارسة ضغوط على المدارس الخاصة لتعزيز التنوع الاجتماعي، إلا أن الوزراء المتعاقبين تجنبوا دائماً طرح مثل هذه المطالب. ويعود سبب ذلك، إلى أن معظمهم درسوا في أرقى المدارس، وتحديداً "المدارس الكبرى، وهي مؤسسات نخبوية فرنسية ذات معايير قبول صارمة للغاية، كما أنهم يرسلون أبناءهم إلى مدارس خاصة. وفي عام 2024، أثارت وزيرة التعليم التي شغلت المنصب لفترة وجيزة، أميلي أوديا-كاستيرا، فضيحةً عندما بررت تسجيل أطفالها في مدرسة خاصة للنخبة بسوء أداء المعلمين في القطاع العام. أما سلفها، غابرييل أتال (الذي أصبح رئيساً للوزراء لاحقاً ويترشح حالياً للرئاسة)، فقد درس هو نفسه في مدرسة مرموقة يرتادها أبناء البرجوازية،. وهكذا، يمثل هذا السلوك شكلا من أشكال الانفصال الاجتماعي.
المطالب الملموسة وأسئلة المستقبل
ثمة أمر بالغ الأهمية، فالشباب لا يتحدثون فقط عن مدرستهم الحالية، بل يتحدثون أيضاً عن مستقبلهم، إذ يُمثّل التعليم بوابةً نحو المستقبل؛ ولهذا السبب تكتسب مشكلاتٌ تبدو ملموسةً لغاية، أهميةً بالغةً وأبعاداً أعمق. إنهم لا يكتفون بالقول: "نريد مدارس أفضل"، بل يعبرون عن رغبتهم في "مستقبل أفضل"، وفي الوقت نفسه يعبرون على قلقهم إزاء مستقبل جيلهم.
ضغوط نفسية
يتحدث الشباب عن حالات اكتئاب وإرهاق، وقلق، وحرمان من النوم، وضغوط دراسية؛ والتفكير بالانتحار وهي ليست مجرد مشكلات ثانوية.
تُظهر دراسة نقلتها مؤخراً صحيفة "لوموند" واستندت إلى قرابة 200 مقابلة مع طلاب وطالبات، مدى انتشار مشكلة الحرمان من النوم والأعباء النفسية المرتبطة بالمتطلبات الدراسية. وعليه، فإن مطالبة الطلبة بظروف تعليم أفضل تعني في الوقت ذاته المطالبة بظروف معيشية أفضل.
وهذا تغيير جوهري في النظرة التقليدية لحركة الطلاب؛ فالأمر لا يقتصر على شباب يطالبون بـ "مزيد من الموارد"، بل إنهم يشككون في نمط حياة يفرض عليهم مستويات أداء متزايدة، بينما يوفر لهم قدراً أقل فأقل من الأمان مستقبلا.
طبيعة وخلفيات الاحتجاجات
من اللافت للنظر أن هذه الحركة لم تبدأ في وسط باريس، كما كان الحال غالباً مع الحركات الطلابية الفرنسية في الماضي؛ بل انطلقت من الضواحي، وتحديداً من منطقة "سين-سان-دوني وغيرها من الأحياء العمالية التي تقطنها عائلات ذات أصول مهاجرة، حيث تتجلى بوضوح أوجه التفاوت الاجتماعي، نتيجة التعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية. وهكذا، سرعان ما تتحول المطالبة بظروف تعليمية أفضل إلى مطالبة بالمساواة والكرامة. والمثير للاهتمام؛ إن شبابا من باريس ومدن أخرى، بضمنهم طلبة مدارس تتمتع بامتيازات عالية، بدأوا يتضامنون مع زملائهم المحتجين.
ففي بعض الحالات، تحرك طلاب المدارس الثانوية في باريس صراحةً للتنديد بالأوضاع في مدارس أخرى، بل إن طلاباً من مدارس مرموقة أكدوا مشاركتهم في الاحتجاجات تضامناً مع المدارس الثانوية في الضواحي.
ويتمتع هذا التحول بأهمية كبيرة، لأنه يساهم في تجاوز، ولو جزئياً - انقسام اجتماعي متجذر؛ فلم يعد يُنظر إلى شباب الضواحي باعتبارهم "مشكلة" تقتصر على الضواحي فقط، بل كجزء من قضية تهم الشباب بأسره.
خصوصية فرنسية
يقول العارفون بالشؤون الفرنسية، إن اهتمام وسائل الإعلام الواسع يما يحدث، يعود إلى أن الاحتجاج بات جزءاً من التراث الوطني. وان هناك أسباب تجعل الاحتجاجات في فرنسا تتسم بطابع أكثر حدة وصدامية مقارنة بدول أوروبية أخرى؛ نتيجة لسياسات التقشف القاسية في عهد الرئيس ماكرون، تفوق ما تشهده دول أوروبية أخرى، مما يثير موجات من المعارضة. وتُعد حركة "السترات الصفراء" (2018-2019) المناهضة لإصلاحات ماكرون، والاحتجاجات ضد رفع سن التقاعد عام 2023، واحتجاجات الميزانية في العام الفائت، مجرد أمثلة سبقت الحراك الاحتجاجي الأخير. والمهم في الأمر أن الاحتجاجات السابقة حققت نجاحاً لا يمكن إهماله.
ومن ناحية أخرى، فان النظام السياسي الذي أرست قواعده الجمهورية الفرنسية الخامسة في عام 1958، مثل منظومة حكم تخدم مصالح النخب السياسية والاقتصادية في الحفاظ على سلطتها، من خلال مركزية تفوق أي بلد في أوروبا الغربية. إذ يحكم الرئيس البلاد، وكأنه حاكم مطلق، بينما لا تعدو المؤسسات الديمقراطية سوى واجهة صورية؛ وينطبق الأمر على الانتخابات التي يتم تجاهل نتائجها، وقد تجلى ذلك بوضوح في عام 2024، حين فاز تحالف اليسار بالانتخابات البرلمانية، فاستخدم الرئيس حق النقض (الفيتو)، لحرمان اليسار من تشكيل الحكومة. وأمام هذا الواقع، تبرز المقاومة السلمية كخيار وحيد.
عنف حكومي
لقد رفضت الحكومة تفهم المطالب الطلابية. وكان رد وزارة التعليم الوحيد، فتحُ منصة للتشاور، قبل أن يُترك الدور الرئيسي لوزير الداخلية ، الذي لم يكن لديه رد سوى إرسال الشرطة لقمع المحتجين. وسبق له أن اكتسب خبرة في هذا المجال خلال مواجهة الحركة الاحتجاجية ضد "اصلاح" المعاشات التقاعدية عندما كان محافظًا لباريس!
غير أن هذا الإجراءات لم يفضِ إلى تهدئة الأوضاع، بل على العكس أدت إلى تأجيجها واستفزاز المحتجين. ونتيجة لذلك، باتت الصدامات بين الطلبة والشرطة أمراً حتمياً، وسرعان ما تتصاعد حدتها؛ إذ لا يقتصر الأمر على استخدام الهراوات والغاز المسيل للدموع، بل يمتد ليشمل قنابل صوتية ومسيلة للدموع وقذائف مطاطية، وقد استُخدمت هذه الأسلحة بشكل مفرط وغير سليم في كثير من الحالات، مما تسبب في إصابات خطيرة للمئات من المحتجين. وحتى الآن وصل عدد المعتقلين إلى قرابة 700 ألف محتج، وهو رقم فاق معتقلي الانتفاضة الطلابية التاريخية في عام 1968.
قبل أربعة أسابيع فقط، لم يكن بوسع أحد توقع هذا المسار للأحداث، ولم يخطط له أحد. وبالفعل، تبدو المقارنة مع انتفاضة مايو 1968 واردة ومناسبة؛ ففي ربيع عام 1968، بدت فرنسا مستقرة ظاهرياً ومزدهرة اقتصادياً، وخاضعة لسيطرة محكمة من قبل الرئيس شارل ديغول. وحينها أيضاً، تم تجاهل مؤشرات الإنذار؛ فقد أدى التوسع الهائل في التعليم إلى تضخم أعداد الطلاب بشكل هائل، مما وضع البنية التحتية تحت ضغط يفوق طاقتها بكثير. ورغم ازدهار الاقتصاد، لم يستفد العمال إلا قليلاً من هذا الرخاء، إذ عانوا من معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب، وأجور متدنية، وساعات عمل طويلة للغاية. وقد اندلعت إضرابات عفوية ووقعت مواجهات مع قوات مكافحة الشغب. وفجأة، حلّت اللحظة الثورية.
الموقف من ممارسة العنف
تحدث أعمال إضرام حرائق، وإتلاف للممتلكات، واشتباكات مع الشرطة، وغيرها من أعمال العنف. ويتحمل مسؤوليتها مندسون لا ينتمون إلى الحراك؛ وينجر بعض المحتجين للمشاركة فيها. وهناك خلاف حول تحديد المسؤولين بدقة. لذا، سيكون من الخطأ تحميل المتظاهرين المسؤولية بشكل جماعي؛ فحتى السلطات أشارت، في حالات معينة، إلى تورط أطراف خارجية. ومن جانبهم، يرى المحتجون أن صور العنف تصرف الانتباه عن مطالبهم التي تتسم بالسلمية. أما البعد الآخر للاحتجاجات فهو مشاهد الفرح والهتافات والرقص، والأعلام، والدعابة، والشعارات، واللقاءات؛ كل هذا يعكس طابع الحراك، ويُظهر أنه لا تحركه مشاعر الغضب وحدها، فهناك مزيج يجمع بين الغضب والأمل والرغبة في الشعور بالانتماء والترابط. وهذا المزيج هو ما يميز هذه الاحتجاجات.
ضد اليمين المتطرف
في ظل غياب إجابة فعلية لديهم، تراهن قوى اليمين المتطرف والمحافظ، ومعسكر ماكرون على فقدان الاحتجاجات لزخمها، آملين في الانتقال سريعاً إلى قضية أخرى. ولهذا استغلت مارين لوبان الفرصة لانتقاد ما تصفه بالموارد المفرطة المخصصة للضواحي - وبالتالي للسكان ذوي الأصول المهاجرة فيها ، مقارنة بـ "فرنسا المنسية" في المناطق الريفية.
غير أن الأرقام تدحض هذا الادعاء، إذ تظهر نقصاً في التمويل بمتوسط 30 في المائة لكل تلميذ في منطقة "سين-سان-دوني" الشعبية مقارنة ببقية أنحاء البلاد، وهذا لا ينفي معاناة المناطق الريفية في فرنسا أيضاً من الإهمال.
ولهذا يتظاهر المحتجون ايضا ضد اليمين المتطرف والفاشية، لكنهم في الوقت نفسه يرددون النشيد الوطني الفرنسي. وبذلك، يكسرون المقاربات التبسيطية القائمة على ثنائيات مثل: فرنسا مقابل الهجرة، الوطنية مقابل اليسار، والعنصرية مقابل التنوع. إذ يقول المحتجون القادمون من الضواحي،: "نحن أيضاً نمثل فرنسا، إنهم لا يرفضون الوطنية الفرنسية بالضرورة، بل يطالبون بأن يسري عليهم أيضاً الوعد الراسخ في الجمهورية: "حرية، مساواة، إخاء".
قوى اليسار تدعم المحتجين
منذ اندلاع الاحتجاجات حظيت الحركة باهتمام وتضامن قوى اليسار، وخصوصا حركة فرنسا الأبية، والحزب الشيوعي الفرنسي، وكانت زيارات شخصيات قيادية لمدارس محتجة ومواقع التجمعات الاحتجاجية، وتصريحات، وإصدار بعض الأحزاب وثائق ومقترحات، ومطالبة الحكومة بتنفيذها. لقد أكد الحزب الشيوعي الفرنسي على انحيازه للطلبة المحتجين، وتبني مطاليهم. ولا يكتفي الحزب الشيوعي الفرنسي باعتبار الاحتجاجات مشروعة تماماً، بل يشدد أيضاً على طابعها السياسي العميق. يؤكد فابيان روسيل، السكرتير الوطني للحزب الشيوعي الفرنسي: "إنه لأمر مخزٍ للبلاد أن تُلقى القنابل على الأطفال والشباب "، مشيراً إلى أن هذا التصرف غير ملائم وخطير". ويضيف ً: "يتعلق الأمر بالكشف عن الجذور العميقة للاستياء والاحتجاجات، ومعالجة المظالم والاختلالات التي يتم رصدها"، و "إن ما يحدث هنا والآن يمس شبابنا، وبالتالي مستقبل بلادنا". ويرحب الحزب الشيوعي الفرنسي بالمبادرات العديدة الرامية إلى منع الصدامات العنيفة بين الشرطة والدرك والطلبة المحتجين.
وفي هذا السياق، وزعت رابطة الشباب الشيوعي -وفقاً لما ذكره سكرتيرها العام باستيان بونارجنت- 3000 دفتر لتسجيل الشكاوى، حيث يمكن للطلبة تدوين شكاواهم ومقترحاتهم لتحسين الأوضاع. ويؤكد بونارجنت أن استحضار نموذج "دفاتر الشكاوى" لتي ساهمت في إشعال شرارة الثورة عام 1789، لم يأت اعتباطا. وسيعمل النواب الشيوعيون على ضمان عدم ضياع هذه الشكاوى أدراج الرياح، بل الحرص على الوفاء بالوعود التي قطعتها الحكومة.
انعكاسات سياسية
تأتي الاحتجاجات قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية في 18 أنيسان المقبل، وبالتأكيد سيكون لها انعكاسات على الصراع الانتخابي؛ على الرغم من أن الاحتجاجات الطلابية كانت عفوية، ونابعة من تجارب الطلبة اليومية.
ويخشى رئيس الحكومة أن تؤدي احتجاجات الطلاب إلى تعزيز المطالب الاجتماعية للنقابات، وأن تهيمن إلى حد كبير على المزاج العام في البلاد؛ ولهذا السبب، أعلن في بيان أصدره الأسبوع الماضي عن حزمة من التدابير الفورية. غير أن هذه الإعلانات لم تحقق أي أثر يُذكر؛ إذ يبدو أنها جاءت متأخرة للغاية.
وفي ظل هذه الأوضاع المتردية، تؤكد سوزان نيجدام، رئيسة اتحاد (اف أي جي أي)، أكبر اتحاد للطلاب في فرنسا: "سنواصل عمليات الإغلاق والاحتجاج حتى يتم رصد مبلغ 10 مليارات يورو؛ فهذا هو المبلغ الذي قدرناه لتنفيذ الإجراءات العاجلة العشرة". وفي غضون ذلك، شكل رئيس الوزراء لوكورنو خلية أزمة مشتركة بين الوزارات لمناقشة هذه المطالب.
وبالمقابل لا يبدو أن استراتيجية المراهنة على عامل الوقت والمماطلة هذه كفيلة بتهدئة النفوس؛ إذ بات من الواضح تماماً أن الحكومة تعوّل على تراجع وتيرة الحراك مع بدء العطلة الخريفية في عموم البلاد في 17 تشرين الأول. غير أن هذه الخطة لا تمتلك فرص نجاح أكيدة، فالحراك قد امتد بالفعل إلى الجامعات، حيث تم احتلال عدد منها ومن المتوقع أن تحذو جامعات أخرى حذوها. يضاف إلى ذلك أن ثمة خطة لإعادة إحياء حركة "السترات الصفر" عبر تنظيم تحركات في أكثر من 50 مدينة بالتزامن تماماً مع العطلة الخريفية. وفي حال كُتب النجاح لهذه الانطلاقة الجديدة، فإن متاعب الحكومة ستتفاقم، إذ قد يؤدي ذلك إلى التشبيك بين حركات اجتماعية، كانت حتى الآن منفصلة.
استنتاجات آنية مهمة
1 - إقدام الشبيبة على أخذ قضياهم بأيدهم، وعدم الركون للتلقي، وبهذا يسطرون مثلا يحتذى به للأجيال القادمة، اذ يتم التعامل مع المستقبل بوصفه قضيةً جماعية.
2 - يربط المحتجون بين مطالبهم الملموسة والمساواة، التي لا تعود مجرد فكرة، بل تصبح واقعاً ملموساً، وقد عبر المحتجون عن هذه الفكرة: "أريد أن أحظى بنفس الفرص التي يحظى بها الآخرون لتشكيل حياتي".
3 - المشاكل النفسية ليست قضية فردية، فعندما يعاني آلاف الشباب من القلق أو الاكتئاب أو الإنهاك أو الأرق حد التفكير بالانتحار، لا تصح مقولة بأن على كل فرد أن "يتكيّف" مع الوضع القائم.
4 – التضامن بين المحتجين من سكان الضواحي وسكان المراكز الحضرية، يكسر جدران الأنانية الطبقية ويصبح التعامل مع الأسئلة الحارقة هما مشتركا للجميع.
5 – لا تمثل سلمية الاحتجاج أمرا ثانوياً؛ فانتشار الرقص والغناء والفكاهة واللقاءات والفرح في خضم الصراع يحمل أهمية بالغة، لأن الاحتجاج القائم حصراً على الكراهية يراكم الكراهية، وفي المقابل، فإن الاحتجاج الذي يجمع بين السخط والفرح، وبين التنديد واللقاء، وبين الصراع والأمل، يفتح آفاقاً وإمكانيات أخرى، وبالتالي فإن سلمية الاحتجاج لا تعني السلبية، بل تعني القدرة على تحويل السخط إلى فعل وتأثير، دون تحويل الطرف الآخر إلى عدو مطلق.
6- يبقى مهما أن تتحول مطالب المحتجين إلى برنامج سياسي واضح ممكن له أن يتحقق بالتشبيك مع القوى السياسية والاجتماعية. لقد كان هذا الأمر إحدى نقاط الضعف، التي عانت منها انتفاضة تشرين 2019 المجيدة. لكن الأمر مختلف في فرنسا، فهناك قوى يسار منظمة، تملك خبرة تاريخية وهياكل فاعلة وتأثير واضح، وبالتالي فان آفاق تراكم النضالات الاجتماعية المتنوعة وارد، على الرغم من شراسة سلطة راس المال وامكانياتها الهائلة، فرنسيا، وأوربيا وعالميا.
أول الانتصارات
حققت حركة احتجاج طلاب الثانوية أول انتصار كبير لها. فبعد أن استقبل لأول مرة وفوداً من الاتحادات الطلابية للمدارس الثانوية، أعلن وزير التعليم، إدوارد جيفراي، في مقابلة تلفزيونية مساء 8 تشرن الأول، عن تعيين 3 آلاف معلم بديل خلال الأيام المقبلة ليحلوا محل زملائهم المرضى. ومن المقرر أن يباشر هؤلاء عملهم بحلول يوم الثلاثاء الذي يليه، وهو اليوم الذي دعت فيه اتحادات الطلبة إلى تنظيم ثالث موجات الاحتجاج.







