الثلاثاء 28 تموز / يوليو 2026

تحولت الأزمة السودانية من حرب تدور رحاها بالسلاح إلى نموذج مكتمل لاقتصاد الحرب، بوصفه آلية لإعادة إنتاج السلطة والثروة معًا. فالحرب لم تكتف بتدمير الاقتصاد الوطني، بل أعادت تشكيل بنيته الطبقية، ودفعت نحو إحلال النشاط الريعي والاحتكاري محل الإنتاج الحقيقي، حتى غدا النفوذ السياسي والعسكري المصدر الأهم للتراكم، بينما تراجعت مكانة العمال والمزارعين والمنتجين، وتحول المجتمع بأسره إلى ممول قسري لآلة الحرب. وبذلك انصرف الاقتصاد عن تلبية الحاجات الاجتماعية، وأصبح يدور في فلك الصراع، يغذي شبكات النهب والامتيازات ويعيد إنتاجها.

وأفرزت الحرب طبقةً طفيليةً جديدة راكمت ثرواتها عبر أنشطة اقتصاد الحرب، من تجارة السلاح والذهب والعملات إلى الجبايات والاحتكارات، في وقتٍ واصلت فيه القطاعات المنتجة تراجعها الحاد تحت وطأة التضخم وانهيار سعر صرف العملة الوطنية والجبايات. وأصبح انكماش الزراعة والصناعة والخدمات أحد المرتكزات البنيوية لاقتصاد الحرب؛ فكلما تراجعت القدرة الإنتاجية للمجتمع، تعمقت تبعيته لاقتصاد الريع والوساطة والمضاربة، واتسعت هوامش الربح أمام القوى المسيطرة على الموارد والأسواق وشبكات التجارة

وفي هذا السياق، تعكس الأزمة التي تضرب القطاعين الزراعي والرعوي انهيار العلاقة بين الدولة والاقتصاد المنتج، أكثر مما تعكس آثار الجفاف أو انقطاع الكهرباء أو ارتفاع تكاليف الإنتاج. فالمزارع الذي يضطر إلى تقليص مساحاته المزروعة أو هجر أرضه، والراعي الذي يفقد مراعيه أو يبيع جزءًا من قطيعه تحت وطأة الحرب وانعدام الخدمات، يدفعان ثمن سياسات أفرغت الدولة من دورها التنموي، ووجهت مواردها لخدمة اقتصاد الحرب وتمويل آلته العسكرية، تاركة المنتجين يواجهون وحدهم ارتفاع التكاليف، وتعطل الأسواق، وانهيار سلاسل الإمداد، وتدهور البنية التحتية. وحين تغدو الكهرباء سلعة نادرة، والمياه عبئًا يوميًا، والري مخاطرة اقتصادية، وتتقلص المراعي وتتدهور الخدمات البيطرية، فإن ذلك يكشف عن اقتصاد حرب يهدم الشروط المادية لاستمرار الإنتاج، ويقوض أسس الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.

ويمتد هذا الخراب إلى البنية الاجتماعية التي يقوم عليها استمرار المجتمع نفسه. فقد كانت الصحة والتعليم وسائر الخدمات العامة من أولى ضحايا اقتصاد الحرب، مع إعادة توجيه الموارد نحو الإنفاق العسكري وإهمال البنية الأساسية للدولة. فحين تنهار منظومة الكهرباء، وتتعطل محطات المياه، وتتفاقم أزمة الوقود وارتفاع أسعاره بما يعيق تشغيل المولدات ووسائل النقل والمعدات، تتعطل أجهزة التشخيص والعناية المركزة وغرف العمليات، وتختل سلاسل حفظ الأدوية واللقاحات، كما تتأثر مختلف المرافق والخدمات الأساسية. ويغدو المستشفى العاجز عن تقديم العلاج، والمركز الصحي غير القادر على احتواء الأوبئة، والمدرسة التي فقدت مقومات العملية التعليمية، والجامعة التي تعطلت رسالتها، جميعها شواهد على أزمة بنيوية عميقة، عنوانها انحسار وظائف الدولة الاجتماعية وتحولها من رعاية التنمية والخدمات إلى إدارة اقتصاد الحرب وصون مصالح الكتل الطفيلية المرتبطة به. ومن هذا الواقع تتولد المأساة الإنسانية في صورها المختلفة: نزوح ولجوء، واتساع للجوع، وتفاقم لانعدام الأمن الغذائي، وانتشار للأمراض، وتدهور لأوضاع النساء والأطفال، واستنزاف لرأس المال البشري، وهي جميعها تعكس الكلفة الاجتماعية الفادحة لاقتصاد يستنزف موارد البلاد ويقوض مقومات إعادة إنتاج المجتمع والدولة معًا.

ومن هنا، فإن رد الأزمة إلى ضعف الإدارة أو قصور الحوكمة يحجب جوهر الصراع. فالمسألة تتجاوز كفاءة إدارة اقتصاد الحرب إلى طبيعة هذا الاقتصاد نفسه، كما تتجاوز أخطاء السياسات إلى أزمة دولة خضعت لتحالفات الرأسمالية الطفيلية، وتحولت مؤسساتها إلى ساحات لتقاسم النفوذ والريع، بينما أُبعدت قوى العمل والإنتاج عن صناعة القرار الاقتصادي والسياسي.

غير أن التناقضات التي يقوم عليها اقتصاد الحرب تحمل في داخلها بذور تقويضه. فكلما اتسعت دوائر الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، اتسعت في المقابل القاعدة الاجتماعية المتضررة من استمرار الحرب. وتكتسب احتجاجات المعلمين والعاملين والمهنيين، وصمود المزارعين والرعاة، ومبادرات النساء والشباب، معناها الحقيقي بوصفها تعبيرًا عن تناقض متصاعد بين مصالح الأغلبية المنتجة ومصالح الأقلية التي راكمت ثروتها ونفوذها في ظل اقتصاد الحرب.

ومن هنا تبرز المهمة التاريخية لطلائع الحركة الجماهيرية: الارتقاء بهذه النضالات من مستوى المطالب المعيشية إلى مستوى الصراع على السلطة. فالجبهة الجماهيرية القاعدية تمثل الإطار القادر على توحيد العمال والمزارعين والرعاة والمهنيين والنساء والشباب ولجان المقاومة والتنظيمات الديمقراطية حول برنامج ثوري يضع إنهاء اقتصاد الحرب في قلب مشروع التغيير الوطني الديمقراطي.

ويمثل انتزاع السلطة من أمراء الحرب المدخل الضروري لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة؛ دولة تجعل الإنتاج أساس الثروة، والعمل مصدر الكرامة، والخدمة العامة أولوية تتقدم على الإنفاق العسكري، وتعيد توجيه الموارد الوطنية إلى الزراعة والصناعة والتعليم والصحة والبنية التحتية، وتخضع الثروات الطبيعية لرقابة الشعب، وتفكك الاحتكارات وشبكات الفساد والطفيليات التي راكمت ثرواتها على حساب دماء السودانيين.

إن استعادة مسار ثورة ديسمبر المجيدة تعني المضي في إنجاز مهامها التي أعاقتها الثورة المضادة والحرب. فالمواجهة الدائرة اليوم تدور بين مشروعين متناقضين: مشروع يستمد بقاءه من الحرب والنهب والانقسام، وآخر وطني ديمقراطي يقوم على السلام والإنتاج والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية. ولن يشق هذا المشروع طريقه إلى الواقع إلا عبر حركة جماهيرية منظمة، قادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية تنتزع السلطة من أمراء الحرب، وتفتح الطريق أمام سودان موحد، مدني وديمقراطي، يحقق شعارات ديسمبر: حرية، سلام، وعدالة، ويجعل السلطة والثروة في خدمة المنتجين، لا في خدمة الطفيلية وأمراء الحرب.