
في خبر مقتضب، خالٍ من أي توضيح أو تفسير، أوردته إحدى الفضائيات الرسمية جاء: "صرح مصدر مسؤول أنه تقرر منع إقامة أي فعاليات، الجمعة، خارج مقرات الأحزاب".
وفي هذا الصدد يهم الحزب الشيوعي الأردني، انسجاما مع برنامجه السياسي، وحرصا منه على تجنيب الحياة السياسية مزيدًا من التدهور، وإيمانا منه بأن الحياة السياسية السويَّة لا تستقيم مع أنتهاك الحريات الديمقراطيـة وأن منظومة الحريات هذه تغدو فارغة المضمون اذا ما تم تجريدها من حرية التعبير والتجمع والتظاهر، أن يؤكد على الحقائق المنهجية التالية:
1- يكشف هذا القرار حجم الاستهانة بالمزاج الشعبي العام والاستخفاف بإرادة المواطنين والإصرار على تجاهل المطالب المتصاعدة بوقف انتهاكات الحريات العامة، ما يعكس إصرارًا على إدارة الحياة العامة بعقلية عرفية تتناقض مع مبادئ الدستور ومتطلبات الإصلاح السياسي، والالتزامات التي أعلنتها الدولة بشأن تعزيز الحياة الحزبية.
2- يأتي هذا القرار في سياق نهج ثابت تمارسه السلطة منذ مدة ليست قصيرة يستهدف تضييق المجال العام، بدءاً من اعتقال وملاحقة نشطاء الحركة الشعبية لأسباب تتعلق بحرية التعبير عن الرأي والاحتجاج السلمي، مروراً بالتدخل في نشاط الأحزاب ومنعها من تنفيذ فعاياتها الجماهيرية، وانتهاءً بفرض قيود متزايدة على وصولها إلى الرأي العام.
3- يشكل هذا القرار إمعانًا في تهميش الأحزاب، ولا سيما أحزاب المعارضة، حيث تواصل السلطة توظيف نفوذها وسطوتها لمنع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية نشر بيانات أحزاب وقوى المعارضة السياسية ومواقفها، وحرمان قياداتها من حقها في مخاطبة الرأي العام من خلال وسائل الإعلام الرسمية، وعرقلة وصولها إلى المواطنين، والتفاعل مع همومهم، وتنظيم النقاش العام، والمشاركة في تشكيل الرأي العام. إن محاصرة الأحزاب داخل مقارها يفرغ العمل الحزبي من أحد أهم أدواره، ويخل بمبدأ التعددية السياسية، ويفرغ الحياة السياسية من أي مضمون ديمقراطي.
4- يأتي هذا القرار أيضا في سياق تعمق الاتجاه نحو فرض أشكال من الرقابة المسبقة على أنشطة المنظمات الثقافية والفكرية، عبر منصات وإجراءات إدارية من شأنها إخضاع العمل الثقافي والمدني لمزيد من القيود، وهو ما يشكل مساساً باستقلالية مؤسسات المجتمع المدني ودورها في إثراء الحوار الوطني والدفاع عن حرية الفكر والإبداع.
5- يأتي هذا القرار بالتزامن مع تصعيد الهجمة الإمبريالية الصهيونية على فلسطين ولبنان وإيران، وما يصاحبها من استخدام للقواعد العسكرية والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، بما فيها الأردن. في ضوء هذه الأخطار التي تشكل تهديداً حقيقياً للبلاد، نرى أن الأجدى هو إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة وإجلاء القوات الأمريكية والأجنبية من البلاد، بدلاً من حرمان الشعب الأردني من ممارسة حقه في التعبيرعن موقفه الرافض للعدوان والمطالب بالتصدي له.
6- يتقاطع هذا القرار مع تأجيل لقاء عميد شؤون الطلبة في الجامعة الأردنية بأمناء الأحزاب السياسية إلى إشعار آخر، بعد أن كان مقرراً يوم الأحد القادم لإجراء حوار مباشر حول سبل تمكين مشاركة الشباب الجامعي في الحياة السياسية والحزبية. ويشكل هذا الارجاء إشارة غير مباشرة من الجهات المعنية إلى عدم إعطاء أولوية للحوار مع الأحزاب حول انخراط الشباب في الحياة السياسية، رغم المخاطر المتعددة التي تهدد البلاد.
7- يأتي قرار منع المظاهرات والوقفات الاحتجاجية في وقت تشهد فيه عشرات المدن والعواصم الأوروبية والعالمية تظاهرات حاشدة يشارك فيها مئات الآلاف، تنديدًا بالسياسات العدوانية الأمريكية و"الإسرائيلية" في المنطقة، وتضامنًا مع الشعوب التي تتعرض للعدوان والاحتلال والانتهاكات الجسيمة والفظة المستمرة. ففي الوقت الذي تتسع فيه مساحات التعبير في العديد من الدول، ويُتاح للمواطنين ممارسة حقهم في الاحتجاج السلمي رفضًا للحروب والعدوان والتدخلات الخارجية، يجري في الأردن تضييق الخناق على هذا الحق بأشكال ووسائل وأساليب متعددة ، وحصر النشاط السياسي والحزبي داخل المقرات.
8- يكتسب هذا القرار خطورته من توقيته، إذ يأتي في ظل تصاعد غير مسبوق لمظاهر الحنق الشديد التي تنتاب جماهير شعبنا الأردني إزاء العدوان الامبريالي الأمريكي و"الإسرائيلي" المتواصل على شعوب المنطقة، وخصوصا الشعبين الشقيقين الفلسطيني واللبناني، وما يرافقه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات صارخة للقانون الدولي والقانون الدولي الانساني. وفي مثل هذه الظروف، يفترض أن تُصان حرية المواطنين والأحزاب والقوى السياسية في التعبير السلمي عن مواقفها الرافضة لهذه السياسات العدوانية والفاشية، لا أن تُفرض عليها قيود إضافية تعزلها عن الشارع وتحاصر نشاطها الجماهيري، بما يحول دون قيامها بدورها في التعبير عن وجدان الشارع ومواقفه.
9- إذا اجتمعت هذه الإجراءات مع منع الأحزاب من تنظيم فعالياتها خارج مقراتها، فإن النتيجة ستكون انكماش المجال العام، وتراجع فرص الحوار المباشر بين القوى السياسية والمجتمع، وإضعاف المشاركة الشعبية في الحياة العامة. فالأحزاب لا تنمو داخل مقراتها، والثقافة لا تزدهر تحت الرقابة المسبقة، وحرية التعبير لا تستقيم إذا حاصرتها القيود من كل اتجاه.
10- إن القرار القاضي بمنع إقامة الفعاليات خارج مقرات الأحزاب يؤكد، مرة أخرى، أن السلطة ماضية في رفض مراجعة سياساتها المتعلقة بالحريات العامة والديمقراطية، ومصرة على تجاهل المطالب المتكررة التي رفعتها الأحزاب السياسية، إلى جانب قطاع واسع من القوى الوطنية والنقابية والثقافية والشخصيات العامة، بضرورة وقف التدهور المضطرد في منسوب الحريات الديمقراطية، العامة والفردية.
11- إن حصر العمل الحزبي داخل مقار الأحزاب في هذه اللحظة السياسية الحسَّاسة لا يمكن أن يُفهم إلا بوصفه محاولة لمنع الأحزاب والحركة الشعبية وسائر القوى الوطنية من تنظيم الفعاليات الجماهيرية والتعبير عن رفضها للعدوان الأمريكي والإسرائيلي، والتضامن مع الشعوب التي تتعرض له. كما أن توقيت القرار ومضمونه يثيران تساؤلات جدية حول الدوافع الكامنة وراءه، ويعطيان انطباعًا بأن هذه السياسات لا تنفصل عن الضغوط التي تمارسها القوى الداعمة للمشروع الأمريكي–"الإسرائيلي" في المنطقة، الأمر الذي تتضاعف معه عدة مرات الحاجة إلى التمسك والدفاع عن الحقوق الدستورية في حرية التعبير والتنظيم والتجمع السلمي، باعتبارها حقوقًا لا يجوز الانتقاص منها تحت أي مبرر.
عمان في 25/7/2026
المكتب السياسي للحزب الشيوعي الاردني







