نشرت منظمة أوكسفام للمساعدات والتنمية في بداية الدورة الأخيرة لمنتدى دافوس الاقتصادي العالمي، أحدث تقاريرها. ويشير التقرير إلى أنه، منذ انتخاب دونالد ترامب في تشرين الثاني 2024، نمت ثروات المليارديرات بثلاثة اضعاف أسرع مما كانت عليه في السنوات الخمس السابقة. وبينما شهد مليارديرات الولايات المتحدة أقوى نمو، حقق مليارديرات مناطق أخرى من العالم أيضاً زيادات بنسبة تتجاوز 10 في المائة. وتجاوز عدد المليارديرات العالم، لأول مرة حاجز الثلاثة آلاف ملياردير، وأصبحت ثرواتهم أعلى من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه، يعاني ربع سكان العالم من الجوع،

وفقا للتقرير، بلغت ثروة ثلاثة آلاف ملياردير، في العام الفائت، 18.3 تريليون دولار أمريكي. ومنذ عام 2020، زادت ثرواتهم بأكثر من 80 في المائة على أساس القيمة الحقيقية. وتؤكد منظمة أوكسفام أن قرابة نصف سكان العالم يعانون الفقر.

لقد ضاعف أغنى خمسة أثرياء في العالم، جميعهم رجال، ثرواتهم أكثر من مرتين منذ عام 2020. هؤلاء الرجال هم إيلون ماسك، وجيف بيزوس، وبرنارد أرنو، ولاري إليسون، ووارن بافيت. بالمقابل ، ازداد فقر قرابة خمسة مليارات انسان، يشكلون 60 في المائة من الفئات الافقر عالميا.

ووفقًا لمنظمة أوكسفام نمت، في العام الفائت، ثروة المليارديرات بنحو 16 في المائة، أي أسرع بثلاث مرات من متوسط ​​السنوات السابقة. ويملك أغنى 12 ثريا الآن أموالًا تفوق ما يملكه أفقر نصف سكان العالم.

في تشرين الاول 2025، أصبح إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، وأول من يمتلك ثروة تتجاوز نصف تريليون دولار (500 مليار دولار). ووفقًا لحسابات منظمة أوكسفام، تنمو ثروته، كل أربع ثوانٍ، بما يعادل دخل المواطن العادي في عام كامل. وبالتالي، سيتعين عليه التبرع بأكثر من 4500 دولار في الثانية الواحدة حتى تتقلص ثروته.

يُعدّ الرئيس دونالد ترامب من بين الأكثر ثراء في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ زادت ثروته بشكل ملحوظ في السنة الأولى من ولايته الثانية. تُقدّر مجلة "فوربس" الاقتصادية صافي ثروته الحالية بـ 6.7 مليار دولار أمريكي، ما يضعه في المرتبة 201 بين أغنى الأمريكيين، والمرتبة 583 عالميًا.

 وتستنتج المجلة: "يتصدر دونالد ترامب قائمة الرؤساء الأكثر ربحية في تاريخ الولايات المتحدة، وقد  زادت  ثروته بمليارات الدولارات، خلال جني أرباح طائلة، بشكل أساسي، من طفرة العملات المشفرة". بعبارة أخرى، يجسد عهد ترامب مرحلة جديدة في استغلال السلطة السياسية لتحقيق مكاسب مالية في الولايات المتحدة.

علّق السيناتور الأمريكي اليساري بيرني ساندرز على التقرير: "ازداد المليارديرات ثراءً، بينما تعاني الطبقة العاملة، ويعيش الفقراء في يأس. هذا هو الوضع المؤسف للاقتصاد العالمي". لم يسبق أن شهدنا مثل هذا التفاوت في الدخل والثروة. كما أن الجشع والغطرسة وعدم المسؤولية أصبحت غير مسبوقة.

الشرق الأوسط

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يمتلك 106 مليارديرات ثروة تفوق ما يمتلكه 56 في المائة من سكان المنطقة، مع ظهور 19 مليارديرًا جديدًا خلال عام 2025، بينما لا يمتلك أفقر 50 في المائة سوى 0.6 في المائة من إجمالي الثروة. ويدعو التقرير الحكومات إلى خطط وطنية محددة زمنيًا للحد من اللامساواة، وفرض ضرائب فاعلة على فاحشي الثراء، وتعزيز استقلالية الإعلام وحماية الحريات المدنية.

فاحشو الثراء يُوسّعون نفوذهم السياسي

يختلف الأمر تمامًا عندما يشتري ملياردير يختًا ضخمًا أو عدة عقارات فاخرة حول العالم. هذا الاستهلاك المفرط يُمكن انتقاده بحق في عالمٍ يمتلك فيه غالبية الناس القليل جدًا، وكوكبنا يختنق تحت وطأة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والنفايات المتواصلة.

لكن منظمة أوكسفام تُحذّر من شدة خطورة استخدام ملياردير ثروته لشراء ذمم السياسيين، أو التأثير على الحكومات، أو امتلاك صحيفة أو منصة تواصل اجتماعي، أو إسكات أي معارضة بمساعدة محامين لضمان التجاوز على القانون.

 ووفقًا لأوكسفام، تمنح هذه السلطة فاحشي الثراء سيطرةً على مستقبلنا برمته، وتقوّض الحريات السياسية وحقوق بقية السكان.

ويُشير التقرير إلى أن فاحشي الثراء يُوسّعون نفوذهم السياسي بثلاث طرق رئيسية: تولي المناصب السياسية، والسيطرة على وسائل الإعلام، والتأثير على السياسة ماليًا.

ويشير التقرير إلى استثمار 100 عائلة مليارديرة مبلغًا استثنائيا قدره 2.6 مليار دولار في الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية الأخيرة. تشير التقديرات إلى أن احتمال تولي ملياردير منصباً سياسياً تزيد 4 آلاف مرة عن احتمال تولي مواطن عادي منصباً سياسياً. كما أن سبعاً من أكبر عشر شركات إعلامية مملوكة جزئياً على الأقل لمليارديرات.

وتستند منظمة أوكسفام إلى "دليل انقلابات المليارديرات" الصادر عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال (آي تي يو سي)، الذي يذكر 13 استراتيجية يستخدمها المليارديرات لترسيخ سلطتهم. تشمل هذه الاستراتيجيات تمويل حركات اليمين المتطرف لزرع الفتنة بين العمال، وخفض الإنفاق الاجتماعي مع زيادة الدعم المقدم للشركات، والسيطرة على الصناعات ووسائل الإعلام، واستخدام البيانات للتأثير على الرأي العام. يرى الاتحاد الدولي لنقابات العمال أن المليارديرات يعززون الانقسام من خلال استهداف الأقليات، والتظاهر بخطاب مناهض للنخبوية، وإثارة الفوضى لإسكات المعارضة، وقمع النقابات والناشطين. ويبررون هذه الأفعال تحت ستار تحقيق الأمن أو تجاوز الأزمات أو الحفاظ على النمو الاقتصادي، لكنهم في الواقع يقوضون الحريات بينما يزيدون في الوقت نفسه من ثروتهم ونفوذهم.

تصاعد اليمين المتطرف

وفق التقرير، تُؤدي هذه الظروف إلى فقدان الناس ثقتهم بالديمقراطية ومؤسساتها، وإلى تراجع مشاركتهم في الحياة السياسية. وهذا يُفضي إلى استقطاب مجتمعي حاد. إنها حلقة مفرغة من آليات مترابطة تُؤدي إلى تآكل الديمقراطية. وتتجه الحكومات بشكل متزايد نحو القمع بدلاً من إعادة توزيع الثروة. في عام ٢٠٢٤، كانت الحقوق السياسية تُقيد في أكثر من ٦٠ بلدا . ويعيش قرابة ثلاثة أرباع سكان العالم تحت حكم استبدادي. وتشهد ٤٢ دولة عملية تحول نحو الاستبداد.

يقول أستاذ العلوم السياسية الماركسي الأمريكي مايكل بارينتي: " الفاشية ثورة زائفة. فهي تُقدم نفسها كسياسة شعبوية، وتُضفي هالة ثورية دون أن تُقدم أي مضمون طبقي ثوري حقيقي."

إيلون ماسك، وبيتر ثيل، ومارك زوكربيرج، وسام ألتمان، جميعهم يحافظون على علاقات وثيقة مع الإدارة الأمريكية الجديدة. يشهد عالم الأعمال والتكنولوجيا والسياسة اندماجاً غير مسبوق. ولا يقتصر الأمر على رفع القيود التنظيمية، وانفلات الاستثمارات الضخمة فقط، بل يتعداه إلى رؤية جديدة للمستقبل

سحق الاحتجاجات

بالمقابل يشير التقرير إلى سحق الاحتجاجات المضادة للامساواة وسياسات التقشّف، ويصبح القمع بديلا لإعادة التوزيع. لقد شهدت مناطق مختلفة من العالم 142 احتجاجًا كبيًرا ضد هذه السياسات. خلال أعوام 2009 -2019، شهد العالم تصاعدًا في الحركات الاحتجاجية. وقد أفاد أحد مراكز الأبحاث بزيادة سنوية قدر معدل متوسط بـ 11.5 بالمئة في الاحتجاجات الجماهيرية (التي تضمّ أكثر من 10 آلاف مشارك)، تركزت بشكل أكبر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكان أسرع نموا لها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتُظهر دراسة شملت 2,809 احتجاجات في مئة وبلد واحد في أعوام 2006 -2020 أنّ فقدان التمثيل السياسي هي المحرّك الأكبر للاحتجاجات، فيما تأتي العدالة الاقتصادية، بما في ذلك اللامساواة وسياسات التقشّف، في المرتبة الثانية. وتزيد أزمة الديون وهيمنة الدائنين من القطاع الخاص من فاحشي الثراء من تأجيج نيران الاضطرابات.