
يمثل العدوان الذي شنته الولايات المتحدة على فنزويلا في فجر الثالث من كانون الثاني، واختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته، تحولا نوعيا في سلوك الإمبريالية الأمريكية حيال بلدان أمريكا اللاتينية خصوصا، والجنوب العالمي عموما.
الأهداف الحقيقية
حتى قبل عملية الاختطاف كان هدف ترامب المعلن إطاحة بحكومة مادورو. وكان بديل ترامب للعمل العسكري هو الاستسلام غير المشروط. ولهذا حقق انتشارا عسكريا غير مسبوق في المناطق المجاورة لفنزويلا.
إن المبررات التي ساقها ترامب لهذه الهجمة لا تصمد أمام الواقع الملموس. وقد اعتُبرت الاتهامات الموجهة إلى مادورو بقيادة شبكة دولية لتهريب المخدرات سخيفة حتى في الأوساط الدبلوماسية التي لا يُشتبه في تعاطفها مع حكومة كاراكاس. أما حجة «الديكتاتورية» التشافيزية فتنهار أمام دعم واشنطن المطلق لأنظمة استبدادية بشكل صريح، في أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، ومناطق العالم الأخرى. اما الحديث عن” أزمة إنسانية“ فهو كذب مفضوح، إذا ما قورن بدعم ترامب لحرب الإبادة الجماعية المستمرة عمليا ضد الشعب الفلسطيني.
في تعليقها على ما فعلته حكومة بلادها في فينزويلا، تقول الصحفية الأمريكية ريشيل مادو، إن غالبية الشعب الأمريكي لم تفهم ما الذي حدث ولماذا. إذا كان الأمر يتعلق بتجارة المخدرات، فلماذا قام ترامب بالعفو عن الرئيس السابق لهندوراس، والذي ثبت تورطه في إرسال مئات الأطنان من المخدرات إلى الولايات المتحدة. إذا كان الأمر يخص شرعية انتخاب مادورو، فنحن لسنا المثل الأنظف فيما يخص دعم العملية الديمقراطية في الدول الأخرى. لقد قمنا قبل فترة ليست بالبعيدة بوضع حظر على البرازيل، لأنها حاولت حماية العملية الديمقراطية وأجهضت محاولة انقلابية قام بها رئيسها السابق، وماذا عن سياسة أمريكا أولا التي بنوا عليها حملتهم الانتخابية. إذا حاولوا تبرير ذلك بعملية السيطرة على العصابات التي تنشر العنف في شوارعنا، فها هو رئيس السلفادور، الذي تؤكد مخابراتنا علاقته الوثيقة بعصابات MS13، والتي عاثت في شوارعنا فسادا، مدعو لزيارة رسمية إلى البيت الأبيض. كل هذه الحجج تسقط أمام الحقائق والمنطق. ليس لديهم أي تبرير منطقي لما فعلوه."
ولا نأتي بجديد، إذا قلنا إن القرصنة الامريكية، لا تنحصر في طبيعة النظام السياسي في فنزويلا، بل تتعداه لمنع استمرار وجود دولة لا تخضع بالكامل للنظام الإمبريالي في النظام الدولي المعاصر. وترامب يريد العودة بقوة إلى بلدان أمريكا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي، التي يعتبرها منطقة هيمنة أمريكية مفتوحة، أو "الفناء الخلفي" للإمبريالية الامريكية.
الأهداف الحقيقية لهذا الخرق المفضوح للقلون الدولي، هو امتلاك فنزويلا أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط والغاز في العالم، بالإضافة إلى المعادن النادرة التي تستخدم في صناعة الأجهزة الالكترونية الحديثة، التي تستفيد منها الصين، وتفتقر لها الولايات المتحدة الامريكية. ويعد الحصار الاقتصادي الأمريكي عاملاً حاسماً في استمرار التضخم المفرط، ونقص الإمدادات، وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وانهيار إنتاج النفط، وحتى الهجرة الجماعية. ومع ذلك، حتى في ظل هذه الظروف القاسية، لم تتمكن المعارضة المحلية من الإطاحة بحكومة مادورو برغم محاولاتها العديدة والمتزايدة للانقلاب. وهكذا، لم يجد ترامب بديلا للعدوان المباشر، الذي طالب به اليمين المتطرف المعارض بزعامة الحائزة على جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو أخيرا، باعتباره الملاذ الأخير لضمان الوصول الاستراتيجي إلى تلك الموارد، فضلا عن إرسال رسالة تأديبية إلى بقية بلدان القارة التي تحولت لميدان صراع جيوسياسي بين الصين وامريكا. لقد تمكنت الصين من تعزيز وجودها، على الرغم من كل الجهود العدوانية التي مارستها إدارة ترامب.

ترامب بين وزير الخارجية ورئيس المخابرات الامريكية
عودة لنزاع نفطي تمت تسويته
إن الخطاب العدائي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتهم فنزويلا بـ "سرقة" النفط والأصول الأمريكية، ليس بجديد. هدفه المباشر هو تبرير الحصار البحري والعدوان الأخير، لكن حجته تعود إلى نزاع تجاري محدد تم حله إلى حد كبير: إعادة هيكلة الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز لقطاع النفط عام ٢٠٠٧.
في ذلك العام، تراجعت الحكومة الفنزويلية عن سياستها المتمثلة في فتح قطاع النفط في التسعينيات، وذلك بإلزام المشاريع ذات رأس المال الأجنبي بالتحول إلى نموذج الاقتصاد المختلط، مع احتفاظ شركة النفط الفنزويلية (PDVSA) المملوكة للدولة بحصة الأغلبية والسيطرة التشغيلية.
في حين تفاوضت شركات مثل شيفرون للبقاء كشركاء ثانويين، رفضت إكسون موبيل وكونوكو فيليبس الشروط الجديدة. ولهذا استولت الدولة على أصولهما، وهو ما وصفته الشركتان بأنه مصادرة.
وقد أثبتت آلية حل مثل هذه النزاعات، وهي التحكيم الدولي، فعاليتها بالفعل. أصدر المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) حكمًا لصالح شركات النفط، وأمر فنزويلا بدفع 1.6 مليار دولار كتعويض لشركة إكسون موبيل، ونحو 8.7 مليار دولار لشركة كونوكو فيليبس.
بعد ثمانية عشر عامًا، تُعيد إدارة ترامب إحياء هذه القضية، متجاهلةً انتهاء النزاع القانوني. ومن خلال تصويرها للمسألة على أنها "سرقة" تستدعي ردًا عسكريًا، تُحوّل الإدارة الصراع من مجال التحكيم إلى ساحة المواجهة الجيوسياسية، حيث تُسعى لتحقيق أهداف أخرى، كتغيير النظام أو السيطرة الاستراتيجية على الموارد.
آخر التطورات
حتى كتابة هذه المادة يمكن الإشارة إلى أهم التطورات. في أعقاب الغزو الأمريكي غير الشرعي لفنزويلا واختطاف الرئيس مادورو، تولت نائبته، ديلسي رودريغيز، مهام الرئيس، وفي 3 كانون الثاني منحتها المحكمة العليا في البلاد، حق ممارسة جميع الصلاحيات الرئاسية لضمان استمرارية الإدارة والدفاع عن الوطن. وفي بيان لها، قالت المحكمة الدستورية إن هجوم الثالث من كانون الثاني خلق "وضعاً استثنائياً وغير مألوف، نتيجة للقوة القاهرة" استدعى تولي السلطة مؤقتاً. وعلى الرغم من العدوان الأمريكي، الذي يرقى إلى مستوى إعلان الحرب، فإن الحكومة الفنزويلية لا تزال قادرة على العمل.
أدانت رودريغيز القرصنة التي ترعاها الحكومة الأمريكية، وطالبت بالإفراج الفوري عن الرئيس وزوجته، سيليا فلوريس، التي اختُطفت أيضاً. وأكدت قائلة: "في هذا البلد، لا يوجد سوى رئيس واحد، واسمه نيكولاس مادورو". ودعا الرئيسة المؤقتة إلى تضامن عالمي، وأوضحت أن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة هو تغيير النظام لنهب نفط فنزويلا ومواردها.
ودعت الرئيسة المؤقتة إلى المقاومة. ويُظهر الظهور العلني لابنة مقاتل ماركسي في حركة الكفاح المسلح، وحدةً واستعدادًا للدفاع عن نفسها، في تناقض صارخ مع التصريحات المقلقة التي أدلى بها ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو بأنها مستعدة "للتعاون". ومن الواضح أن مثل هذه المعلومات المضللة تهدف إلى تقويض وحدة وولاء أنصار شافيز، وبثّ حالة من عدم اليقين، وتمهيد الطريق للخطوة التالية. تواجه فنزويلا خيارًا ليس خيارًا على الإطلاق: الخضوع أو التصعيد. وتواجه دول العالم، بدورها، قرارًا بسيطًا: القانون الدولي أو التواطؤ. الصمت ليس حيادًا، بل هو موافقة على حكم الأقوى. وكما قال عالم السياسة التشيلي الإسباني ماركوس رويتمان روزنمان: "هذه هي ساعة الحقيقة".
وحذر سفير فنزويلا لدى الأمم المتحدة، صامويل مونكادا، من أن الولايات المتحدة تشن "حرباً استعمارية" تهدف إلى "تنصيب حكومة عميلة". وبناءً على طلب فنزويلا، بدعم من الصين وروسيا وكولومبيا، سيعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً اليوم الاثنين.
من جانب آخر تناولت وسائل إعلام تحليلا يقوم على إمكانية تواطؤ ما أسمته بـ "الدولة العميقة" في مؤسسات النظام الفنزويلي للتخلص من الرئيس والحفاظ على النظام، وانتهاج سياسة جديدة، لا تنفصل عن إرث شافيز الاجتماعي، لكنها تأخذ المتغيرات العميقة في النظام العالمي بنظر الاعتبار. إن قادم الأيام وحده الذي سيحسم صحة هذه الرؤية من عدمها، فمن الصعب على المتابع، على الأقل، اليوم تبني مثل هذه التحليلات.
ردود الفعل الدولية
قوبل العدوان الأمريكي بإدانة دولية واسعة النطاق. وحذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من سابقة خطيرة. ووصفت الصين العمل بأنه "انتهاك صارخ للقانون الدولي" وطالبت بالإفراج الفوري عن مادورو. ووصفت روسيا الهجوم بأنه "عدوان مسلح". ودعا الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، إلى عقد اجتماعات طارئة للأمم المتحدة ومنظمة الدول الأمريكية، وأمر بتعبئة الجيش. ودعت البرازيل إلى عقد اجتماع وزاري استثنائي لمجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي.
وفي أول تصريح له بشأن العدوان الامريكي، تجنّب المستشار الالماني فريدريش ميرتس انتقاد علني للولايات المتحدة والرئيس دونالد ترامب. وأعلن مساء السبت أن التوصيف القانوني لـ "العملية الأمريكية" "معقد"، وأن الأمر يستغرق وقتًا لتحديده. وكان أكثر انتقادًا لمادورو، الذي قال إنه "قاد بلاده إلى الخراب" ولعب دورًا إشكاليًا" في المنطقة".
وعند استذكار رد الفعل على الهجوم الروسي على أوكرانيا في 24 شباط 2022. ينكشف نفاق السياسة الخارجية الألمانية وكيلها بمكيالين، لقد صرح المستشار الألماني السابق أولاف شولتس، حينها: "إن الهجوم الروسي على أوكرانيا انتهاك صارخ للقانون الدولي، ولا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال. وتدين ألمانيا هذا العمل الطائش من جانب الرئيس بوتين بأشد العبارات".
بالمقابل، احتفل قادة اليمين المتطرف ذوو النزعة الفاشية، مثل خافيير ميلي في الأرجنتين وبنيامين نتنياهو، بالهجوم الأمريكي ووصفوه بأنه "تاريخي" أو "رائد". بل أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي استند إلى مبدأي السيادة وتقرير المصير، وطالب بدعم عسكري، رحّب بانتهاك القانون الدولي. ولجأ ممثلو دول غربية أخرى إلى مناورات دبلوماسية ملتوية لتجنب تسمية المعتدي صراحةً، وأظهروا، من خلال صمتهم المتواطئ، نفاق "قيمهم". وثبت مرة أخرى أن المبادئ التي يُشاد بها لتبرير العقوبات وشحنات الأسلحة قابلة للتطبيق بشكل انتقائي. فالتصريحات التي تنقلب على المسؤولية، بل وتُعلن الدولة المُهاجَمة هي المُعتدي، تُبرر الهجوم، الذي ينتهك القانون الدولي، باعتباره أداة سياسية.
وقاحة فاشية
في هذه الأثناء، وخلال مؤتمر صحفي في مارالاغو، برر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهجوم ووصفه بأنه "عملية ناجحة للغاية". واعتبره "تحذيراً" لكل من يهدد المصالح الأمريكية. وأعلن أن هيمنة الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي "يجب ألا يُشكك فيها مرة أخرى". وفي الوقت نفسه، أعلن ترامب أنه سيحكم فنزويلا بنفسه، وأن وزير الخارجية ماركو روبيو وعدداً من المقربين سيشكلون "مجموعة" لقيادة البلاد. وفي الوقت نفسه، نشر البيت الأبيض، في إشارة دعائية على ما يبدو للترهيب وإظهار القوة، صوراً لمادورو مكبل اليدين أثناء نقله إلى سجن في نيويورك.
لقد تحدث ترامب بطريقة ً يتجنبها عادةً القادة الغربيون. فقد تخلى عن خطاب حقوق الإنسان والديمقراطية والمسؤولية الإنسانية الذي يُستخدم غالبًا لتبرير التدخلات التي تنتهك القانون الدولي. وبدلاً من ذلك، كشف علنًا عما يريد: الوصول إلى أكبر احتياطيات نفطية معروفة في العالم، والسيطرة الجيوسياسية، وفرض المصالح الأمريكية في منطقة تنظر إليها واشنطن بشكل متزايد على أنها مجال نفوذ للصين وروسيا. وكشف مؤتمر ترامب الصحفي الغريب يوم السبت حقيقة عقيدة "أمريكا أولاً" كمبرر للنهب العسكري لتأمين الموارد. ولم يعد انتهاك القانون الدولي يُنكر، بل يُعتبر أمرًا طبيعيًا. ويُمثل إعلان ترامب أن الولايات المتحدة "ستحكم فنزويلا لفترة من الزمن" نقطة تحول - سياسيًا وقانونيًا. لم تعد الإمبريالية تحاول التستر حتى بوهم الشرعية.
وأعلن ترامب أيضًا عن نيته استخراج "كمية كبيرة من الثروة من باطن الأرض". وقال إن هذا سيعود بالنفع على شعب فنزويلا، وكذلك على الولايات المتحدة، "كتعويض عن الضرر الذي ألحقته فنزويلا بنا". كما خطط لبيع النفط بكميات كبيرة لدول مثل الصين.
لطالما كانت كوبا مستوردًا رئيسيًا للنفط الفنزويلي. وخلال المؤتمر الصحفي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن "النفط الخاضع للعقوبات" لن يُصدّر إليها بعد الآن. وادعى كذلك أن كوبا "سيطرت على فنزويلا" من بعض النواحي، وهدد القيادة الكوبية قائلًا: "لو كنت أعيش في هافانا وفي الحكومة، لكنت قلقًا".
وشبّه ترامب أفعاله بمبدأ مونرو، الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام ١٨٢٣ أن أمريكا اللاتينية تقع ضمن نطاق النفوذ الأمريكي. وقال ترامب إن المبدأ كان بالغ الأهمية، لكن إدارته تجاوزته بكثير. وصرح قائلاً: "كجزء من استراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي، لن تُنازع الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى.
وأعرب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، عن رؤية مماثلة: "الأمر يتعلق بأمريكا أولاً. ويتعلق الأمر بالسلام بواسطة القوة، ووزارة الحرب الأمريكية فخورة بالمساهمة في ذلك. أهلاً بكم في عام 2026 ".
ومن الضروري الإشارة إلى أن العدوان على فنزويلا ستمثل بالنسبة للولايات المتحدة، تحديًا. أولًا، يبدو أن ترامب لم يحصل على موافقة الكونغرس اللازمة قبل الهجوم. ثانيًا، بتجاهله ميثاق الأمم المتحدة، الذي صادقت عليه الولايات المتحدة أيضًا، جعل نفسه مجرم حرب. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إجراءات عزله ومحاكمته لاحقًا. إلا أن ذلك لن يحدث في الوقت الراهن.
إدانات واحتجاجات تعم العالم

جانب من الاحتجاجات في ألمانيا
أدانت أحزاب شيوعية ويسارية عديدة في جميع انحاء العالم الغزو الأمريكي، يضمنها الحزب الشيوعي العراقي، الذي أصدر مكتبه السياسي بيانا أدان فيه الغزو وشدد على التضامن مع الشعب الفنزويلي.
وعلى سبيل المثال، لا الحصر انتقد حزب اليسار الألماني بشدة الغزو، وطالب يان فان آكن، الرئيس المشارك للحزب، بفرض عقوبات: "أي شخص ينتهك القانون الدولي ويختطف رؤساء، مثل ترامب، يمارس إرهاب دولة وحشيً. من يفرض عقوبات على روسيا، عليه أيضاً أن يفرض عقوبات على الولايات المتحدة".
بينما احتفل المنفيون الفنزويليون اليمينيون في بعض الدول بالهجوم الأمريكي، خرج عشرات الآلاف حول العالم إلى الشوارع احتجاجًا على العدوان. ووصف شهود عيان الوضع في فنزويلا في اليوم الثاني بعد الغزو بأنه هادئ إلى حد كبير، حيث التزم معظم السكان منازلهم، ولم تشهد سوى طوابير أمام محلات البقالة. ولم تُلاحظ أي حالة من الذعر أو "احتفالات" مزعومة من قبل أعضاء المعارضة، كما ذكرت بعض وسائل الإعلام الغربية. أما في كاراكاس ومدن فنزويلية أخرى، فقد خرج الآلاف إلى الشوارع منذ يوم السبت احتجاجًا على الهجوم الأمريكي. وذكرت قناة تيليسور الإخبارية: "منذ يوم السبت، حشدت قطاعات واسعة من الشعب الفنزويلي في شوارع وساحات مدن مختلفة في جميع أنحاء البلاد للتنديد بالعدوان الأمريكي والمطالبة بالعودة الفورية للرئيس مادورو، المنتخب وفق دستور البلاد النافذ".
وشهدت دولٌ عديدة في أمريكا الشمالية والجنوبية، بالإضافة إلى دول أوروبية، احتجاجات مماثلة. ففي مدريد، احتشد الآلاف أمام السفارة الأمريكية في قلب العاصمة الإسبانية احتجاجًا على ما وصفوه بـ "العدوان الإمبريالي". وفي برشلونة، خرج المئات إلى الشوارع يوم السبت، بينما تجمّع 400 متظاهر في بروكسل. وفي أثينا، لبّى آلاف الأشخاص دعوة "الجماعات المناهضة للرأسمالية والإمبريالية" والحزب الشيوعي اليوناني للتظاهر أمام السفارة الأمريكية.
وخرج المئات في شوارع ألمانيا، في العاصمة برلين ونورمبرغ وميونيخ وكيل وهامبورغ. وقد دعت إلى هذه الاحتجاجات مبادرات سلام ومنظمات مهاجرين من أمريكا اللاتينية وأحزاب يسارية ونقابات عمالية؛ وفي نورمبرغ. ومن المتوقع أن تستمر الاحتجاجات في الأيام المقبلة.
وفي فرنسا دعا الحزب الشيوعي وحركة فرنسا الأبية إلى احتجاجات شارك فيها الآلاف.
في كوبا شارك الرئيس ميغيل دياز كانيل السبت، في تظاهرة كبيرة، وفي يوم الأحد، خرج الناس إلى الشوارع في الأرجنتين وكولومبيا والإكوادور والمكسيك وبورتوريكو وغواتيمالا وكوستاريكا، وغيرها من الدول. وفي غواتيمالا، أحيا المتظاهرون ذكرى التدخل الأمريكي عام 1954، الذي أدى إلى الإطاحة بالرئيس المنتخب جاكوبو أربينز، وأشعل فتيل الحرب الأهلية التي استمرت 36 عامًا.
في الولايات المتحدة الأمريكية، شهدت مدن نيويورك وسان فرانسيسكو وأتلانتا احتجاجات حاشدة. ففي نيويورك، تجمع المحتجون أمام السجن الذي أودع فيه مادورو وزوجته سيليا فلوريس، رافعين لافتات كُتب عليها "لا دماء من أجل النفط" و"ارحلي يا أمريكا من أمريكا اللاتينية".
تأييد ومخاوف
في مدريد وبرشلونة ومدن أخرى في أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، خرج معارضو حكومة مادورو، ومعظمهم من المهاجرين الفنزويليين، إلى الشوارع. عبّروا عن فرحتهم باختطاف مادورو، لكنهم أعربوا أيضاً عن قلقهم من تصعيد عسكري محتمل. ونقلت شبكة "سي أن أن" الإخبارية الامريكية عن امرأة فنزويلية تبلغ من العمر 51 عاماً، فضّلت عدم الكشف عن هويتها، قولها: "يا لها من مشاعر متضاربة! فمن جهة، يغمرنا شعور لا يوصف حين نرى فنزويلا تُقصف بينما أحباؤنا هناك؛ ومن جهة أخرى، نعتقد أن هذا قد يكون المخرج الوحيد. اللهم احفظ فنزويلا الحبيبة".

أنصار مادورو الغاضبون يمزقون العلم الأمريكي
وقالت كارولين أبونتي، وهي فنزويلية مقيمة في إسبانيا، "أعلم أن هناك الكثير مما يجب فعله، لكن لا أحد يستطيع أن يسلبنا هذا الخبر، أنا في غاية السعادة". ويعيش ما يقرب من 700 ألف فنزويلي في إسبانيا، ما يجعلها أكبر جالية فنزويلية في أوروبا.
في السنوات الأخيرة، غادر الملايين فنزويلا. وتسميهم وسائل الإعلام الغربية "لاجئي نظام مادورو" و"النازحين" بسبب "سوء الإدارة". من جانبها تُلقي الحكومة الفنزويلية باللوم على العقوبات الأمريكية، التي سببت الوضع الاقتصادي الصعب، وأدت إلى ارتفاع معدل الهجرة.







