قبل 175 عامًا ، كتب كارل ماركس وشقيقه الروحي فريدريك انجلس، في بروكسل، بيان الحزب الشيوعي، أحد أكثر الوثائق السياسية تأثيرًا في التاريخ الحديث.

بروكسل ليست دافوس. أعلى مدينة في أوروبا، في جبال الألب السويسرية، يجتمع المصرفيون والشركات الكبرى والسياسيون رفيعو المستوى والمليارديرات وجماعات الضغط في هذا اليوم في المنتدى الاقتصادي العالمي. المستويات العليا، للشركات الكبرى والسياسة العالمية مع بعضهم البعض، بعد 175 عامًا على صدور البيان، أعلن رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي: "يعتقد ثمانون بالمائة من الخبراء أننا نقفز من أزمة إلى أخرى".

في أزمة متعددة أو في مزيج من أزمات مختلفة: الأزمة الاقتصادية (التضخم والركود)، والأزمة البيئية (المناخ والوباء) والأزمة الجيوسياسية (الحرب والانقسام الدولي).

يواجه العالم اليوم تغيرات كبيرة، ربما تكون أكبر مما كانت عليه في عام 1848. ان عصر العولمة الرأسمالية تحت هيمنة الولايات المتحدة يقترب من نهايته. وينقسم العالم مرة أخرى إلى قطبين جديدين؛ ويواجه اليسار تحديات هائلة. لقد حان الوقت ليتجدد اليسار. ويجمع بين المبادئ الراسخة والمرونة، والجرأة في تبني وجهة نظر طبقية والتحول باستمرار إلى الشباب.

أشكر منظمي "مؤتمر في سبيل توازن عالمي"، لمنحي فرصة الحديث امامكم بشأن هذه المواضيع اليوم.

 أولا: الازمة المتعددة

  1 -الاقتصاد

 يتدافع العديد من قادة الحكومات والبنوك المركزية لإقناع العالم بأسره بأن كل شيء سيعود إلى طبيعته قريبًا. يزعمون أن اقتصادنا سيعود إلى مستويات ما قبل الوباء.

لكن الحال ليس كذلك. كل شيء يشير إلى العكس: لقد تركنا خلفنا عصر الاعتدال الكبير، انخفاض التضخم والنشاط الاقتصادي المستقر إلى حد ما. ان أهم ثلاثة مراكز اقتصادية أمريكا والصين وأوروبا مشلولة. قد يدخل ثلث الاقتصاد العالمي في حالة ركود هذا العام.

خلال سنوات الاستقرار، كانت الصين محركًا للنمو في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي. لكن المحرك الصيني يفقد السرعة أيضًا. والسبب: نهاية فقاعة العقارات، والاختلالات في سلاسل التوريد والتطورات غير المريحة في الوباء. قالت كريستالينا جورجيفا المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي "لأول مرة منذ 40 عاما، لا تساهم الصين في النمو الاقتصادي العالمي".

لم يتعاف الاقتصاد العالمي بشكل كامل من أزمة عام 2008. كان على النخبة المالية مساعدة البنوك الخاصة. لقد تم تحميل العمال تكاليف هذه الإجراءات في شكل تدابير تقشف صارمة. لقد ضخت البنوك المركزية للعالم الرأسمالي آلاف المليارات من الأموال الجديدة في النظام. وانتهى الأمر بمعظم هذه الأموال "المجانية" في حسابات الشركات الكبرى. استمرت الديون في التصاعد واشتعلت التكهنات.

قبل عام واحد من انتشار كورونا، كان هناك ركود جديد يلوح في الأفق. وكانت ألمانيا أول دولة أوروبية تعيش نموا سلبيا. عندما تم الكشف عن فايروس كورونا، كان المراجع، منذ فترة طويلة قد مرض. يعلم الجميع أن مقاومة المريض ضعيفة. كان لابد من نقل الاقتصاد فورا إلى العناية المركزة، ووضعه في محلول. كانت جرعات الدولة من الحقن النقدي عالية وقادرة على منع الأسوأ. لقد تم استثمار مئات المليارات من اليورو في إجراءات الإنقاذ والمساعدات المباشرة وزادت مديونية الدولة.

كان الهدف المباشر هو إنقاذ الشركات الكبرى. تلقت الشركات الاحتكارية وشركات الطيران وصناعة السيارات وغيرها من الشركات العملاقة دعومات مؤجلة وضمانات واطنانا من المنح. في الوقت نفسه، لا يعرف الكثير من المواطنين، وأصحاب المشاريع الصغيرة في القطاع الخاص كيفية يتدبرون الشهر.

لم يتم تجاوز الوباء بعد، عندما بدأت التوقعات بـ "الانتعاش العام" في عام 2021.  الامر الذي لم يتم تأكيده، لأن سلاسل التوريد العالمية عانت من شلل وظيفي. وقبل أشهر من اندلاع الحرب في أوكرانيا، كانت الأسعار ترتفع بشكل مطرد.

الحرب هي الضربة القاسية الثانية. المراجع الذي لم يشف بعد، يعاني في هذه الأثناء من مضاعفات. كانت العقوبات الاقتصادية والعقوبات المضادة قد اضطرتنا لوضع كامل إمدادات الطاقة على المحك. وجوع الاحتكارات الكبرى للربح ادى إلى انفجار أسعار الطاقة والغذاء. وإمداد العديد من بلدان الجنوب بالحبوب لم يعد مضمونًا. وتحت الضغط العام، كان على الحكومات زيادة موازنات التسلح بشكل هائل.

لم يعد إنقاذ النظام بواسطة المزيد من الديون خيارا، كما كان الحال أثناء لأزمة المالية وأزمة كورونا. ولذلك فإن النظام المالي بأكمله يخضع حاليًا لاختبار ضغط هائل.

تطلق الآن صفارات إنذار التضخم في كل مكان. وحتى لو تجاوزنا ارتفاع الأسعار بنسبة 10 في المائة فأكثر، فلن تعود أسعار الطاقة أبدًا إلى المستويات السابقة. ستظل مرتفعة، على الأقل، لمدة ثلاث سنوات أخرى. وخلال هذا السنوات، تستمر أسعار المواد الغذائية في الارتفاع. يريد علماء النقد مكافحة التضخم عن طريق خفض المعروض النقدي وزيادة أسعار الفائدة. لذا فإن سياسة "المال المجاني" لم تعد متوفرة. نتيجة لانخفاض أسعار الفائدة الرئيسية خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، لقد وصل الدين الحكومي والخاص على حدٍ سواء إلى مستويات لا يمكن تحملها. يفترض المنتدى الاقتصادي العالمي أن تونس والأرجنتين ومصر وغانا وكينيا وباكستان وتركيا ستتخلف عن السداد قريبًا. وبالتالي فإن دول الجنوب هي أول ضحايا أجواء هذه الأزمة.

وينبغي على الطبقة العاملة وبلدان الجنوب دفع الفاتورة.  ان هذا الصراع الطبقي مفروض من الأعلى. والاستعداد لاتجاه عام جديد نحو الاعتدال والتقشف. لقد كان لأربعة عقود من الليبرالية الجديدة تأثير سلبي على الأجور الحقيقية. ويمكن للمرء أن يلاحظ إعادة توزيع هائلة من العمل إلى رأس المال. يتم دفع أجور اقل نسبيا مقابل العمل، بينما تزداد، من ناحية أخرى، الأرباح بسرعة. ويعتبر تجميد الأسعار وزيادة الأجور من الاهتمامات الرئيسية للصراع الطبقي الاقتصادي في هذا العصر الجديد.

 2 - جيوسياسية

 خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، كانت الصين لا تزال خارج الدائرة. في الستينيات، لم تكن الصين جزءًا من احدى الكتلتين وكانت في بعض الأحيان أكثر انتقادًا لموسكو، منها لواشنطن. حتى المصالحة مع الولايات المتحدة في عام 1971، كان على الصين أن تحاول التطور داخل حدودها وأن تنقطع عن بقية العالم.

بدأت الصين في جذب رأس المال الأجنبي في السبعينيات، وبحلول أواخر التسعينيات، تم الى حد بعيد دمج الاقتصاد الصيني بالنظام الرأسمالي العالمي. استوردت الصين  المواد الخام، وصدرت السلع والخدمات المصنعة، وأصبحت نشطة بشكل متزايد في التجارة الخارجية. وبدأ طريق الحرير الجديد في التبلور. وعلى الرغم من التنافس بينهما، كان هناك، خلال هذه الفترة، تكامل صيني – امريكي جيد. وكانت الصين تتحول بسرعة إلى التصنيع بينما تمول الولايات المتحدة الاقتصاد الصيني -وهما تطوران متكاملان. وفي نهاية عام 2001، أصبحت الصين عضوا رسميا في منظمة التجارة العالمية.

في تشرين الأول 2022 ضاعفت إدارة بايدن الضغط، وشنت حربًا تكنولوجية على الصين. حظر جو بايدن تصدير الدوائر المتكاملة المتقدمة، أي الرقائق، والتكنولوجيا اللازمة لتصميمها، وآلات صنعها. الهدف هو حرمان الصين من الوصول إلى أحدث التقنيات في المستقبل، من بين أمور أخرى، أحدث جيل من الرقائق اللازمة للذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة المتقدمة.

هذه الحروب الاقتصادية والتكنولوجية تعمق الانقسام في النظام الاقتصادي العالمي الحالي. ومن أجل تأمين مكانتها في السلاسل الصناعية العالمية، سيتعين على الصين والدول الناشئة الأخرى إنشاء نظام اقتصادي عالمي مستقل عن النظام القديم الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. وهكذا فإن الحرب الباردة الجديدة تعني أيضًا نهاية حقبة العولمة الرأسمالية التي بدأت في عام 1990.

في هذه الاثناء، يتزايد عدد الدول التي تختار مصيرها باستقلالية. تعارض غالبية الدول حرب روسيا ضد أوكرانيا، وهي محقة في ذلك. لكن ما عدا الدول الغربية، فان قلة من الدول مستعدة للمشاركة في فرض العقوبات الامريكية. وهذا يعني تغييراً عميقاً، بطريقة ما تمردا من قبل الدول غير الغربية ضد النظام القائم. مجموعة جديدة من "الدول غير المستقلة" سياسياً لم تعد مستعدة للمشاركة في لعبة الولايات المتحدة. هذه هي الطريقة التي ينتهي بها نموذج الحكم للنظام العالمي "أحادي القطب"، أي "العولمة" الاقتصادية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة والدولار كعملة احتياطية عالمية.

في حين أن العديد من دول الجنوب ترفض إجبارها على الانحياز إلى طرف ما، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يخضع بشكل متزايد لسيطرة الولايات المتحدة. ومن الواضح إن بايدن يحاصر باستمرار رئيسة المفوضية الأوروبية أورزولا فون دير لاين.

الحرب في أوكرانيا مكلفة للغاية. في ألمانيا، حدثت، في غضون أسابيع قليلة قطيعة مع تقليد سياسي عمره 80 عامًا. استثمرت الحكومة الالمانية أكثر من 100 مليار يورو في أغراض عسكرية ويجري شراء أنظمة أسلحة جديدة بكميات كبيرة، ليس في بلد أوروبي آخر، بل من الولايات المتحدة، التي تزدهر صناعة أسلحتها. وبمجرد ذوبان الجليد في ألمانيا، تبعتها دول أخرى: فرنسا وبولندا وليتوانيا والدنمارك والسويد وبلجيكا. جميعهم ضاعفوا إنفاقهم العسكري وقاموا بشراء معدات جديدة من الولايات المتحدة. ومن أجل تمويل هذه المشتريات، تم وقف مشاريع الاستثمار العام وتجميد الأجور. حرب عسكرية في الخارج وحرب اجتماعية في الداخل، يمثلان وجهان لعملة واحدة.

أجبرت الولايات المتحدة الأوروبيين على إنهاء عقود توريد الغاز الطبيعي مع موسكو والبحث عن بدائل. وهذا يشمل غاز التكسير الأمريكي الباهظ الثمن. بلغ سعر حمولة شحن غاز التكسير من الولايات المتحدة مع النقل عبر المحيط الأطلسي 60 مليون يورو في الخريف، وارتفع الآن إلى 200 - 300 مليون يورو. بينما تجني الاحتكارات في قطاع الطاقة في الولايات المتحدة أرباحًا ضخمة، يعاني الاقتصاد الأوروبي. حظر الرقائق على الصين مضر بشركات التكنولوجيا الفائقة الأوروبية أيضا، بما في ذلك شركة أي اس ام ال الهولندية، وشركة وكارل زايس الألمانية.

لكن واشنطن لا تكتفي بذلك. تضخ الحكومة ثروات ضخمة في الحمائية الجديدة. وبواسطة قانون الحد من التضخم، يريد بايدن دعم الشركات بمبلغ 370 مليار دولار خلال السنوات التسع المقبلة. ويتضمن "برنامج حماية المناخ"، كما تسميه حكومة الولايات المتحدة، حوافز كبيرة لشراء السيارات والبطاريات الكهربائية الأمريكية الصنع.

أضف إلى ذلك أسعار الطاقة المرتفعة للغاية في أوروبا، عندها يمكنك أن تفهم لماذا تخطط الشركات الكيماوية والشركات عالية استهلاك الطاقة مثل بي أي اس اف الألمانية و "تاتا كمكل " الهندية لنقل جزء من إنتاجها إلى الولايات المتحدة. قد تقوم شركة "نورث فولت" النرويجية المصنعة للبطاريات أيضًا بتعليق مشاريعها الموسعة في ألمانيا في الوقت الحالي وتفضل الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية. وواشنطن مستعدة لتقديم دعم كبير للشركة المذكورة. تسعى الولايات المتحدة بشكل علني إلى تقويض التصنيع في أوربا.

رد الفعل الأوربي ضعيف او مفقود، وبروكسل تتبع واشنطن أكثر فأكثر، وعن طيب خاطر. والذين ما زالوا يؤيدون استقلال الاتحاد الأوروبي في موقف دفاعي، لكن الكلمة الأخيرة لم تقل بعد.

تتصادم الصفائح التكتونية لهذا العالم (صفائح القشرة الأرضية – المترجم). في المستقبل القريب، سيكون اثنان من أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم في آسيا: الصين والهند. وعندما تضغط سلطة صاعدة على الهيمنة الإقليمية أو الدولية لسلطة راسخة، كما تفعل الصين اليوم، فإن هذا يطلق عليه "فخ ثوقيديدس " مصطلح مأخوذ من التراث اليوناني يشير الى حتمية الحرب - المترجم). يمكن لمثل هذا الوضع أن يهز العالم كله. لكن نظام الديون الحالي يهز القوى القديمة أيضًا. ماذا يحدث عندما تصبح الصين غير قادرة على المشاركة في نظام الدين العام؟ أم ممنوعة، أوانها لا تريد المشاركة؟ ما يحدث بعد عندها؟

عالم ثنائي القطب ليس هو الخيار الممكن الوحيد. لا تدعو الصين إلى عالم ثنائي القطب من كتلتين. وتتبع طريق الاستقرار الخاص بها وتواصل المشاركة في التجارة العالمية. وفي بقية العالم أيضًا، تسعى قوى عديدة جاهدة من أجل التنمية ونظام عالمي متعدد الأقطاب. نحن ندعم هذا المسار لمواجهة التحديات الكبرى للألفية الثالثة، من أجل السلام، وضد عدم المساواة وتدهور المناخ ومن أجل صحة تعم العالم.

 ثانيا: التحديات التي تواجه اليسار

 نعلم ان الازمات لا تقود بالضرورة الى الوعي الاجتماعي، او التحول نحو اليسار.

ان  كثيرا من الناس في مثل هذه الأوقات، يبحثون عن الأمان، ويميلون إلى الانطواء في حياتهم الخاصة. غالبًا ما يختفي إطار نماذج التفكير المتفائل، وتضعف الرؤى. فتتوفر أرض خصبة ومثالية للتشاؤم والانهزامية، والتي غالبًا ما يزرعها الدجالون اليمينيون المتطرفون الذين يقدمون أنفسهم كمنقذين.

هذه الأوقات ليست سهلة لليسار. ومع ذلك، فإن لديه العديد من الخيارات، شريطة أن يجرؤ على خلق ديناميكية جديدة، وتنشيط مبادئه، وأن تكون مرنة وتصل إلى الطبقة العاملة والشباب. هكذا نرى الأشياء استنادا الى تجاربنا المتواضعة في بلد صغير في أوروبا. نعم، هذا البلد الصغير معروف بالساكسفون والسنافر. لكنه المقر الرئيسي لحلف شمال الأطلسي والمفوضية الأوروبية أيضا.

1 – المبادئ

لقد تطور حزبنا، حزب العمال البلجيكي، كثيرًا في السنوات العشر الماضية. منذ مؤتمر التجديد في عام 2008، ارتفعت عضويته من 2800 إلى 25 ألف عضو. وحصلنا على 8 في المائة من الأصوات على مستوى الوطني ولدينا 12 مقعدًا في البرلمان الفيدرالي ومقعد واحد في البرلمان الأوروبي. وفي أوروبا، إن مثل هذه النجاحات بالنسبة للأحزاب الماركسية نادرة نوعًا ما.

عندنا في بلجيكا، الثقافة السياسية "اللطيفة" في طريقها إلى الانهيار حاليا.  لأنه فجأة أصبح هناك شيوعيون في البرلمان. لم يعد الاخرون بين بعضهم البعض! ان هناك عددا كبيرا من الآليات لإبقاء الأحزاب المتمردة صغيرة في حدودها. لدى البرلمانيين امتيازات غير عادية، تجعلهم مرتبطين بهياكل السلطة. ولذلك تنخفض رغبتهم في نقد أو حتى تغيير هذه الهياكل. تحت هذا الضغط ينكمش البعض في الفقاعة البرلمانية، وإذا جاز التعبير بين الأكاديميين المتشابهين في التفكير والسلوك، الانيق المتعجرف، بعيدًا عن العالم الحقيقي.

ما الذي يمكن عمله حيال ذلك؟ نبدأ من فكرة أن عملية العمل الاجتماعي والتنظيم والمعلومات، هي التي يمكنها فقط، أن تغير ميزان القوى في الحياة الواقعية. ولهذا يحتاج قادتنا ونوابنا جميعًا إلى قضاء نصف وقتهم على الأقل في العالم الحقيقي.

العمل البرلماني خاضع للنضال الاجتماعي وليس العكس. يعيش جميع قادتنا ونوابنا بما يعادل متوسط ​​أجور العمال، ويقدمون ما زاد على ذلك من وارداتهم الى الحزب.   نصوغ الأمر على هذا النحو: "عليك أن تعيش بالطريقة التي تفكر بها، وإلا فسوف ينتهي بك الأمر سريعًا ان تفكر وفق نمط معيشتك".

هناك نقطة واحدة ربما تكون أكثر أهمية: في حزبنا، ليست المجموعة البرلمانية هي التي تتخذ القرارات. المجموعة البرلمانية لا تحدد المواقف بشأن سياسة الوباء أو أزمة الطاقة أو الحرب. إنها الهيئات المنتخبة في سياق مناقشة معمقة. البرلمانيون ليسوا فوق أعضاء الحزب الآخرين. إنهم يخدمون الحزب. إنها مسألة مبدأ.

نعتقد أنه لا يمكن لليسار أن يزدهر في عالم يغرق فيه صخب اليمين كل ما تبقى، إلا بالاستناد على أسس ومبادئ اليسار الراسخة. لهذا الغرض، يجب القيام بتحليل معمق ومنهجي للحالة المعنية. ويجب أن يكون هذا التحليل عمليا وأن يتم على أساس رؤية ماركسية. إذا قفزت على هذه المرحلة، فإنك ترفس مثل دجاجة مذعورة. ان الرؤية الطبقية هي الأساس.

وهذا الأمر ليس بالسهل دائمًا. عندما غزت الدبابات الروسية أوكرانيا، كان على الجميع اتخاذ موقف. هناك حق في الدفاع عن النفس ضد أي نوع من التدخل الخارجي. ولكن الأعمال العدوانية استمرت منذ عام 2014، وهذا لا يغير حقيقة أن الهجوم الروسي ينتهك القانون الدولي. لكن سرعان ما أصبح واضحًا أيضًا أن لهذه الحرب وجهين: من ناحية هناك الحرب الدفاعية ضد غزو الجيش الروسي ومن ناحية أخرى، هناك الحرب بالوكالة عن الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي ضد روسيا.

هذه الحرب بالوكالة قلبت الوضع رأسًا على عقب. في البداية، أطلقت الحرب في أوروبا العنان لهستيريا جماعية. يجب على الجميع اتباع تعليمات البنتاغون بشكل أعمى. من يمثل وجهة نظر مختلفة يتعرض للسخرية ويوصف بأنه غريب. على غرار الحرب العالمية الأولى في عام 1914، عندما كان على الجميع التصويت لصالح تخصيصات الحرب.

في مثل هذه اللحظات، من المهم بشكل خاص إجراء تحليل معمق للوضع وتوفير الوقت والمساحة لمناقشة موضوعية داخل الحزب. ولذا قررنا عدم التصويت لصالح ميزانية عسكرية إضافية. لقد صوتنا ضد سياسة العقوبات وضد تزويد أوكرانيا بالأسلحة. وقد دعمنا بنشاط حركة السلام "أوروبا من أجل السلام". كنا في كثير من الأحيان بمفردنا في  الموقف داخل البرلمان، لكن في بعض الأحيان يكون من الأفضل السباحة ضد التيار على المدى القصير بدلاً من السباحة ضد مجرى التاريخ على المدى الطويل.

 2 -المرونة

هذا يقودني مباشرة إلى مبدئنا   الثاني: إظهار المرونة. من المهم بشكل أساسي أن يكون لديك مبادئ، لكن هذه وحدها لا تكفي. إذا التزمت فقط بمبادئك، فإنك تصبح جامدًا. لا يكفي أن تكون على صواب، بل عليك أيضًا الإقناع، وتغيير الأشياء.

قضية الحرب أمر مهم للغاية. وتم الضغط على حزبنا، على الرغم من كل شيء للتصويت لصالح القرارات، "لكيلا يعزل الحزب نفسه" و "قبل كل شيء عدم السماح بتدمير كل ما تم بناؤه في السنوات الأخيرة". في مثل هذه المواقف، يجب على المرء أن يحافظ على هدوئه وأن يكون قادرًا على الوثوق بوحدة الحزب، والتزامه بمبادئه. لكن هذا لا يكفي. يجب ألا نكتفي بإعلان "حقائق عظيمة" للشعب. لا يمكن العمل بهذه الطريقة.

لقد لاحظنا أن بعض الحركات اليسارية المتطرفة تحب البقاء في فقاعتها، وتفقد أي إحساس بالسياسة في الظرف المعين. أنت ترمي الشعارات وأنت جالس دافئًا وجافًا على مكتبك. بالنسبة لهؤلاء نحن لسنا يساريين بما يكفي. يقضون وقتهم في تقديم المشورة لنا. لكننا لا نخضع لضغط الخطاب المتطرف من اليمين او اليسار. ونستمد إجاباتنا من المناقشات والحجج والتأهيل السياسي. نحن نقنع بواسطة الاستماع بصبر واتخاذ موقف طبقي راسخ.

عليك أن تميز بين الاستراتيجية والتكتيك. نحن نفكر في استراتيجية تحديد ما نريد الذهاب اليه، وما هي أهدافنا بعيدة المدى، وكيف نريد الوصول إلى اليها، ومن هم حلفاؤنا وخصومنا. نفكر في التكتيكات لإيجاد المسار والوسائل الأنسب للتقدم على هذا الطريق. وهذا بالتأكيد لا يعني اغراق الناس بـ "حقائق عظيمة"، او بكامل برنامجنا.

في أوروبا، تسببت الحرب والمضاربة في ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد. ويحس الناس ذلك في الحياة اليومية. نطالب بإخراج قطاع الطاقة من أيدي الشركات المهيمنة في السوق، لأنهم يفرضون علينا اليوم هذه الأسعار الباهظة وبالتالي يمنعون التغيير الأخضر الحقيقي. نحن نناضل من أجل هذا التغيير. ولكن في الوقت نفسه، قمنا أيضًا بفتح "مكاتب للمساعدة لشؤون الطاقة" حيث يمكن للذين يواجهون صعوبات في دفع فواتير الطاقة الحصول على المساعدة. نحاول المساعدة بشكل ملموس وقبل كل شيء نبحث عن حلول جماعية. هذه المساعدة تدعم حملتنا السياسية.

بالنسبة لنا، الالتزام بالمبادئ والمرونة يسيران جنبًا إلى جنب. الحزب الذي يمكن أن يكون مرنًا هو الحزب الذي يتكيف مع الظروف التي يعمل فيها. التكتيكات جزء لا يتجزأ من الماركسية. توفر التكتيكات الذكية لحظات من الهجوم والتراجع. لكن التكتيكات تخضع دائمًا للاستراتيجية. هدفنا هو إحراز تقدم في استراتيجيتنا. يجب أن تقربنا تكتيكاتنا من أهدافنا، لا أن تبعدنا عنها.

  3 – الطبقة العاملة والشباب

أخيرًا، مسألة قوى التغيير. ما هي القوى التي يمكننا الاعتماد عليها لفرض التغيير؟ كتب ماركس وانجلس في البيان الشيوعي، الاعتماد على الطبقة العاملة. أصبح العالم اليوم أكثر تصنيعًا مما كان عليه في ذلك الوقت. نعتقد أن الوقت قد حان لجعل السياسة الطبقية واضحة ومحط اعتزاز مرة أخرى.

في أزمة كورونا، كان واضحا: لم تكن أسواق الأسهم هي التي أبقت العالم قادرا على الاستمرار، وليس البورصة هي التي سمحت للمجتمع بمواصلة فعاليته، ولم تكن طبقة الثرثارين هي التي أخرجت الكستناء من النار. لقد كانت الطبقة العاملة - كل العاملين بأجر، الذين يعملون في المزارع وفي الحقول، ويقومون بتوفير اللحوم، ونقل البضائع بالقطارات والشاحنات، وتحميل السفن وتفريغها، وتريب رفوف المتاجر، وايصال الطرود وتنظيم الرعاية.

لقد تم نسيان الطبقة العاملة بالسرعة نفسها التي تم فيها نسيان فايروس كورونا، وكذلك السياسة الطبقية. بالنسبة لنا، يجب على حزب اليسار أن يمنح العمال مكانة مركزية في صفوفه وفي مواقفه. يجب أن توجه سياساته نحو المصالح الطبقية للطبقة العاملة بمعناها الأوسع. نعتقد أن هذا يجب أن يكون بديهيا. لكن الامر ليس كذلك.

المزيد والمزيد من الحركات تنسى التحليل الاقتصادي. لم يعودوا يتحدثون عن "الطبقة العاملة" بل عن " وسط" و "الفئة الوسطى" المزعومة. لم يعد الأمر يتعلق بالتحليل الطبقي، بالإنتاج وورش العمل وأبطال أزمة كورونا. تم إزالة الفروق الطبقية في الخطاب السائد وفتحت الأبواب والأبواب لمناقشات الهوية. المبالغة بالتناقضات، حقيقية كانت ام وهمية، وقبل استيعابها، يهاجم أبناء الشعب بعضهم البعض.

نعتقد أن الوقت قد حان لاتخاذ موقف طبقي مرة أخرى. وسيكون من العبث ترك الطبقة العاملة لمؤيدي ترامب أو بولسونارو أو فوكس أو غيرهم من اليمين المتطرف.  نعم، نحن نحارب العنصرية والتمييز على أساس الجنس، وندين كل شكل من أشكال الإقصاء. لكننا نفعل ذلك دائمًا بهدف تعزيز القوى ووحدة الطبقة العاملة. لا يمكن للطبقة العاملة المنقسمة أن تنتصر. لم تستطع ذلك في الماضي ولا تستطيع الآن أيضا.

بالنسبة لنا، لا تلعب الطبقة العاملة فقط دورًا مركزيًا، فهناك أيضا الشباب.  ان تعيش يعني ان تشيخ، وهذا قانون طبيعي. لكن في الوقت نفسه، يجب ألا تشيخ مؤسستك أو حزبك أو نقابتك أو حركتك الاجتماعية . وعليك أن تعمل من أجل ذلك.

الشباب يحمل المستقبل بداخله. ولا يمكن عرقلته بسبب العادات والروتين أو مخلفات الماضي. ولحماس الشباب أثر تحرري ومصدر للالتزام والاحتجاج. الشباب ليسوا مرتبطين بشدة بعد بعلاقة عائلية. لديهم الشجاعة والثقة لتحريك الأشياء الجامدة. ليس من قبيل الصدفة أن يلعب الشباب دورًا مهمًا في الحركات الجماهيرية في القرن العشرين. فكر في الثورة الكوبية، المقاومة ضد النازية، الكفاح ضد الاستعمار، الحركة المناهضة للحرب في فيتنام، حركة الحقوق المدنية، ايار 1968، حركات: احتلوا وول ستريت، حياة السود مهمة، الجمعة من أجل المستقبل.

نحن بحاجة إلى شباب لنتعلم منهم. من طاقتهم وحماسهم ومهاراتهم التنظيمية وتواصلهم. نحن اليوم في منتصف الموجة الصناعية الرابعة. الذكاء الاصطناعي، والشبكات الديناميكية، والروبوتات في كل مكان، وما إلى ذلك. في عشرة آلاف سنة من التطور التكنولوجي منذ الثورة الزراعية، نقلت الأجيال الأكبر سنًا بصبر معارفها وخبراتها إلى الشباب. لكن دروس اليوم في الغالب، ومنذ 20 عاما، قد عفا عليها الزمن. كل شيء يتغير بسرعة كبيرة، حيث يقوم الشباب بتعليم الاباء أحدث التقنيات الرقمية. لم يحدث مثل هذا الموقف من قبل كما أنه يخلق الإحباط عند الأكبر سنا. في نفس الوقت، الشباب هم في طليعة هذا التطور المضطرب.

 كلمة أخيرة

أشكركم للسماح لي بالتحدث إليكم اليوم عن الأزمة المتعددة والتحديات التي تواجه اليسار. يبحث الكثير من الناس على هذا الكوكب عن إجابة عادلة ، اجتماعية وبيئية للأزمة المتعددة. كلما ازداد نمو الحركات المختلفة لتنفيذ أفكارها بشأن التقدم الاجتماعي، كلما اصطدما بعنف بحدود النظام الرأسمالي. نعتقد أن الاشتراكية ضرورية لتمكين التنمية الاجتماعية والبيئية المستدامة والعميقة. الاشتراكية ضرورية لترسيخ التغيير الدائم، ولإعطاء الأولوية للقضايا الإنسانية والبيئية، والسماح لأولئك الذين يصنعون الثروة بقيادة المجتمع. الاشتراكية 2.0 هي بديلنا لعالم يتجاوز فيه الناس الأرباح، عالم يستخدم المعايير الإنسانية وليس حسابات الربح.

  

*-مساهمة الرئيس السابق لحزب العمل البلجيكي بيتر ميرتنز، في "المؤتمر العالمي للتوازن الدولي" ، هافانا، 25 كانون الأول 2023 ، نشر الجزء الثاني منها في العدد 163 من مجلة الشرارة النجفية

عرض مقالات: