تخيَم على الحياة السياسية في البلاد حالة من الترقب حيال مسارات ومديات التغيير الذي من المفترض ان يطرأ على الأجواء السياسية والعامة السائدة بما يزيل من طريق تعافيها القدر الأكبر والملح من العوائق ويحدث كوة في جدار الصد تشيع التفاؤل والامل بانبلاج افق جديد ومناخ مختلف نوعيا لانطلاق عملية تغيير واسعة لمنظومة من التشريعات تكفل تعديل منحنى مؤشرات التنمية بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من الهبوط باتجاه الصعود.

التغيير ذو الطابع الديمقراطي العميق أصبح حاجة ماسة وضرورة ملحة لتفكيك الازمات الخانقة العالقة فيها البلاد منذ سنوات والتي عمقتها جائحة كورونا، وللحيلولة دون تصاعد الاحتقان في الأوساط الشعبية الواسعة، ولجسر هوة الثقة الاخذة في التعمق بينها وبين السلطة الحاكمة، الناجمة عن امعان التحالف الطبقي الحاكم في تطبيق نهج سمته الأساس التبعية المفرطة السياسية والاقتصادية للمراكز الرأسمالية العالمية، افضى على الصعيد الاقتصادي، الى تعميق الاختلالات الاقتصادية والمالية- النقدية، وارتفاع حاد وغير مسبوق في المديونية، وعجز متزايد لدى غالبية الاسر عن تلبية احتياجاتها الأساسية، جراء اتساع الهوة بين الأجور والرواتب من جهة، والارتفاع الحاد في أسعار السلع والخدمات الضرورية من جهة أخرى، والى اتساع مساحة الفقر والبطالة واستشراء الفساد بأنواعه ومظاهره كافة.

وأفضى على الصعيد السياسي الى حصر السلطة الفعلية في دائرة ضيقة من الأشخاص والأجهزة، على رأسها الأجهزة الأمنية التي ازداد تدخلها في عمل أجهزة الدولة ومؤسساتها، بما فيها السلطة التشريعية، كما في مختلف جوانب حياة الشعب والبلاد، والى بهوت فكرة دولة المؤسسات والقانون في وعي الناس.

وقد جاءت الانتخابات النيابية لتثبت للقاصي قبل الداني ان ما اسفرت عنه من نتائج يؤكد صواب التحذيرات التي أطلقناها مرارا وتكرارا ومفادها أن الثقة تتضاءل باضطراد ليس بالانتخابات النيابية، وبما تفرزه وحسب، بل وبالديمقراطية وتطبيقاتها أيضاً.

إن القيود المتنوعة المفروضة على نشاط الأحزاب السياسية والتدخل المتواصل في شؤونها الداخلية، واتباع منهجية استعلائية تجاهها، والتعاطي معها بأساليب الأوامر الإدارية، وتطويع القانون لصالح السلطة، ولخدمة توجهاتها، الى جانب التوسع في استخدام قانون الجرائم الالكترونية للنيل من الحريات الإعلامية والصحفية ومن حرية التعبير عن الرأي ولقمع  الرأي الآخر، وأي رأي مخالف بصورة عامة، عمقت حالة الاستعصاء السياسي وأكدت قناعة الوسط السياسي بميل السلطة للتسلط، وبنزوعها للتحلل من الالتزام بالتعددية السياسية والفكرية، وبحقوق المواطنين وحرياتهم الدستورية.

لقد افضى هذا النهج في الشق الاجتماعي الى تفشى اليأس والإحباط وجلد الذات، والى ضعف الشعور بالمواطنة، وتراجع الإحساس بالانتماء الوطني، والى شيوع ذهنية باتت تشك وتشكك في أمور ومفاهيم كثيرة كانت القناعات فيها الى وقت غير بعيد يقينية وراسخة، ومنها العمل السياسي المنظم وضرورته، والى تفشي ظاهرة العدمية السياسية، وتراجع الثقة في قدرات الجماهير على صنع التغيير.

هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي، فقد تراجع موقع الأردن على مؤشرات قياس العديد من المنظمات الدولية المعنية بالديمقراطية واحترام الحقوق والحريات العامة والشفافية ومكافحة الفساد، كان آخرها حلول الاردن في المرتبة 118 على قائمة المؤشر العالمي للديمقراطية، وتصنيفها ضمن الدول الاستبدادية. كما بات الأردن يتعرض للنقد في تقارير هذه المنظمات الدولية المهمة. وهذا بحد ذاته من المفترض أن يدفع السلطة في الدرجة الأولى لاتخاذ تدابير عاجلة تحدث نقلة نوعية في سجل الأردن في جميع المجالات التي باتت موضع مراقبة لصيقة من المنظمات الحقوقية الدولية والتي تتخذ من عواصم صديقة للأردن مقاراً لها، بحيث يصعب اتهامها بالانحياز ضده وتقصّد تشويه سمعته والانتقاص من هيبته ومكانته.

إن عملية التغيير الديمقراطي العميق لمنظومة التشريعات المتعلقة بالانتخابات والأحزاب والإدارة المحلية وسواها من التشريعات الناظمة للحياة السياسية يجب ان لا تكون مجرد تكرار لتجارب سابقة جرى اجهاضها على يد قوى الشد العكسي التي افتقرت لعقلية مبدعة منفتحة على الرأي الآخر والأخذ بما يتقدم به من طروحات وأفكار. وهذه العملية تحتاج قبل الشروع فيها الى خلق بيئة مواتية للحوار الذي نفترض ان الجهات الحكومية ستشرع به مع مختلف الأطراف المعنية وذات العلاقة، ومنها الأحزاب السياسية، ويتوجب أن تنطلق أيضا من الالتزام بالدستور نصا وروحا، الذي يجب ان لا يكون خارج دائرة التفكير الجدي بتعديله ليعود الى صيغته الأصلية، على أن يغدو مبدأ الشعب مصدر السلطات الموجه الأساس لسلوك ونهج أجهزة الدولة المختلفة.

ونعتقد أن البيئة المواتية لأي حوار جاد يجب ان تلحظ جميع المشكلات والعقبات التي أشرنا آنفا للأساسي منها، وتعمل على حلها وفق آلية ومنهجية تقنع المواطنين بأن الإرادة السياسية متوفرة، وان الحكومة تملك الصلاحيات الكاملة، ضمن إطار ولايتها العامة، لوضع التوجهات الملكية موضع التطبيق الفعلي والعاجل، ومن دون أي التفاف عليها، وان الأفق مفتوح على اتساعه للتغيير الذي يجب ان يتطابق مضمونه مع توقعات الناس ومطالبهم المتكررة، ويحدث الصدمة الإيجابية المطلوبة في نظرتهم للأمور ولآفاق تطورها، وبما يمهد الطريق أمام استعادة ثقتهم في المؤسسات الدستورية، وفي تمكنها من النهوض بصلاحياتها واختصاصاتها في اطار الالتزام الدقيق بمبدأ الفصل بين السلطات.

التعديل المأمول لقانون الانتخاب يجب ان يستشرف آفق تحقيق أوسع مشاركة سياسية وشعبية في الانتخابات النيابية القادمة، تجري وفق أفضل المعايير الديمقراطية والحرية والنزاهة والحياد الحكومي الفعلي وتقوم على أساس قانون انتخاب ديمقراطي يستند الى النظام النسبي الشامل والقائمة الوطنية المغلقة، يتمخض عن هذه الانتخابات مجلس نيابي يحظى بثقة الناخبين توكل له مهمة انتخاب الحكومة، التي تكون مسؤولة أمامه.

أما قانون الأحزاب، فيجب أن يكتسي بطابع ديمقراطي، يطلق حرية تشكيل الأحزاب ويكفل تحقيق مبدأ التداول السلمي للسلطة ويضمن مناخا تنتفي فيه بشكل تام ومطلق ملاحقة المواطنين بسبب انتماءاتهم الحزبية، او تعرضهم وابنائهم لأي غبن أو معاملة تمييزية لشغل الوظيفة العامة، او في الحصول على الامتيازات المتعلقة بها. يجب ان ينص القانون على حق الحزب في مباشرة العمل بالإشهار فقط، ويعمل على خلق بيئة لا تسمح لوزارة الشؤون السياسية والبرلمانية بالتعاطي مع الأحزاب بأساليب الاوامر الإدارية والتدخل في شؤونها الداخلية والانتقاص من استقلاليتها وتضييق الخناق على نشاطها وانتهاك حقها في بلورة مواقفها واتخاذ قراراتها بمعزل عن أي تأثير خارجي أو وضعها تحت التهديد بالحل بسبب مخالفات شكلية وإجرائية. كما يتوجب على الوزارة أن تتراجع عن نظام المساهمة المالية في دعم الأحزاب السياسية ساري المفعول، وتأمين الدعم المالي للأحزاب من خزينة الدولة بموجب قانون، وليس نظام. 

على الحكومة في اطار اعداد المناخ الملائم للحوار مع الأحزاب ان تسحب قوانين خلافية، منها قانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وقانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، وهي قوانين ثمة اعتراضات جدية عليها من قبل رجال القانون والسياسة، وعليها أيضا أن توعز لوزارة الشؤون السياسية والبرلمانية بسحب المذكرة (المتعلقة بالأوراق والوثائق المطلوب ارفاقها مع الموازنة السنوية للحزب) التي وجهتها للأحزاب في مطلع الشهر الجاري، والتي اثارت استياء واسعا في أوساطها، وان تطلق سراح الموقوفين السياسيين على خلفية قضايا تتعلق بالنشر، او بالتعبير عن الرأي. ونظراً لأن الممارسة أثبتت أن توظيف قانون الدفاع خرج عن الغايات التي اعتمد من أجلها قبل نحو عام لمواجهة جائحة كورونا، فاننا نطالب بوقف العمل بهذا القانون واقصار العمل بقانون الصحة العامة. 

لا يعقل ان المشكلات التي كانت على جدول الحركة الوطنية الأردنية قبل مئة عام لا زال قسم كبير منها دون حل ومطروحا بحدة على جدول اعمال حركة النضال الوطني والديمقراطي المعاصرة، ويصعب تصور ان العقود الثلاثة التي انقضت على بدء مرحلة الانفراج الديمقراطي مرت دون حدوث تبدل حقيقي في حياة الناس وفي نظرتهم لبلادهم وللعالم من حولهم، وأن الحلول البديلة المقترحة للحلول المطبقة يجري تجاهلها والاستخفاف بها من قبل السلطة الحاكمة، رغم ثبوت فشل جل السياسات التي تطبقها وعجزها عن اجتراح الحلول الناجعة للمشكلات المزمنة.

لا زالت الحكومة لم تفصح عن مضامين خارطة الطريق التي أعلن رئيسها أنها ـ خارطة الطريق - باتت في حوزتها. ونحن هنا نطالب الحكومة بأن تسارع الى الإعلان عنها الى جانب توفير ضمانات كافية تحول دون أن يتم إعادة انتاج ذات الالية التي تم اعتمادها في التجارب السابقة، بما يمكّن القوى المحافظة من عرقلة التوجه لإحداث التغيير المنشود أو أن لا تتجاوز النتائج حدود التغيير الشكلي، وأن يتخلف هذا التغيير عن الاستجابة لمطالب الجماهير الشعبية الواسعة وطروحاتها.

علينا ممارسة شتى اشكال الضغط السياسي والجماهيري لكي نستقبل العام الأول من المئوية الثانية من عمر دولتنا مفعمين بالأمل والتفاؤل المسنودين بمعطيات الواقع المتغير باتجاه دولة القانون والمؤسسات، الدولة الحرة والمتحررة، العادلة والديمقراطية، الدولة التي تكفل حقوق وحريات جميع مواطنيها دون تمييز من أي نوع وعلى قاعدة المساواة والمواطنة الكاملة.

عمان في 27/2/2021

المكتب السياسي

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل