/
/
/
/

في السابع من تشرين الأول الجاري كان القضاء اليوناني على موعد مع إصدار احكام تاريخية عادلة، فبعد خمس سنوات ونصف من المحاكمات، في أربع قضايا، صدر الحكم بحق قيادة حزب “الفجر الذهبي” اليوناني النازي الجديد بالسجن لفترات طويلة. وسُجن رئيس الحزب نيكوسميتشالولياكوس لمدة 13 عامًا لقيادته “منظمة إجرامية”. وحُكم على قياديين آخرين في الحزب، وبضمنهم عضو البرلمان الأوروبي جيانيس لاغوس، بالسجن لفترات طويلة. وضم قفص الاتهام 67 متهما. وكانت الجرائم الرئيسة التي ارتكبها النازيون تشمل مقتل الفنان فيساس في 2013 والاعتداء على الصيادين المصريين والنقابيين الشيوعيين في عامي 2012 و2013.

وأدانت المحكمة يورغوسروباكياس، عضو الحزب النازي، وقاتل مغني الراب اليساري بافلوس فيساس في عام 2013. وبإصدار الحكم انتهت محاكمات قيادة الحزب وفق المعطيات المتوفرة حاليا.

وطعن المغني اليساري فيساس، 34 عامًا، حتى الموت على يد أحد أتباع الحزب النازي في 17 ايلول 2013. وكانت أسرته قد اتهمت قيادة الحزب بأنها أمرت بالقتل. ونفى ميتشالولياكوس مرارًا وجود أي صلة له بالقتل.

 وسيتم رفع الحصانة عن عضو البرلمان الأوروبي المدان لاغوس، بناء على طلب اليونان. وغادر لاغوس صفوف الحزب النازي قبل عام، وهو الآن نائب مستقل في البرلمان الأوروبي.

لقد كان حزب “الفجر الذهبي” على علاقة وثيقة بالنازيين الجدد، ومعروف منذ فترة طويلة بهجماته على المهاجرين والمعارضين السياسيين. وكان الحزب، الذي تأسس في الثمانينات، قد اكتسب نفوذاً خلال الأزمة الاقتصادية الحادة في اليونان، منذ عام 2010. ودخل البرلمان في عام 2012.  وفي عام 2015 أصبح الحزب ثالث قوة في البرلمان. وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة في تموز 2019 خرج من البرلمان اليوناني.

قضاء مستقل ونزيه

أشار المتابعون الى جلسات المحكمة الى جدية وصرامة رئيسة المحكمة القاضية، ماريا ليبينيوتي، التي لم تظهر أي ردود فعل خلال المحاكمة بأكملها، وكان من الواضح للجميع أنها قرأت لائحة الاتهام بعناية شديدة، ودرست القضايا بتفصيل كبير، وأنها اخذت مهمتها على محمل الجد. ورغم قناعة الكثيرين بأن إدانة المتهمين هي الخيار الوحيد، ولكن لم يكن من الواضح تمامًا كيف سيكون قرار المحكمة.

ويعود ذلك أيضًا لمطالبة المدعية العامة في 18 كانون الأول 2019، التي زعمت في ذلك الوقت أن جميع الهجمات كانت حالات فردية، وأن الحزب النازي لم يكن منظمة إجرامية، وأن قادته أبرياء وأن الجاني الوحيد هو قاتل بافلوس فيساس. كانت تلك لحظة صعبة في سير المرافعات، أصيبت عوائل الضحايا والجمهور خلالها بخيبة أمل. وكان لزاما على الجميع تجميع القوى، لمواجهة خيبة الأمل المتوقعة.

 ولحسن الحظ، لم يأخذ القضاة بمطالبات الادعاء العام. وأصدروا حكمهم التاريخي. لقد كانت لحظة عدالة، ليس فقط بالنسبة للمدعين وعوائل الضحايا، وليس فقط للحركة المناهضة للفاشية ايضا، ولكن للمجتمع اليوناني.  ان هذا الحكم مهم جدًا للمستقبل أيضًا، ليس فقط في اليونان، ولكن في كل مكان حيث يوجد النازيون الجدد واليمينيون المتطرفون في قفص الاتهام.

ردود فعل وتحولات

في يوم النطق بالحكم، تجمع حوالي 40 ألف مواطن أمام المحكمة. وفي اللحظة التي أعلن فيها أحد الحضور عبر مكبرة صوت ادانة النازيين، صرخ الجميعً بشكل عفوي، وانفجر الكثيرون بالضحك والبكاء، ولكن ليس لفترة طويلة، اذ قامت الشرطة بتفريق المسيرة بالغاز المسيل للدموع.

أدى اصدار القرار الى تحول المزاج في وسائل الإعلام التقليدية اليونانية. وفجأة بعد صدور الاحكام، احتفل نفس الصحفيين الذين منحوا “الفجر الذهبي” قبل بضع سنوات مساحة كبيرة، وأجروا مقابلات مع نوابه في أجواء ودية، متحدثين عن حزب “جاد”، احتفلوا فجأة بإدانته. وعندما تفكك الحزب النازي داخليًا خلال عملية طويلة، وفقد المئات من أعضائه وأغلق العديد من مقراته، فقدت وسائل الإعلام اهتمامها به. وقد عبر المناهضون للفاشية عن سعادتهم، لأن وسائل الإعلام في اليونان تقوم أخيرًا بنشر الحقائق عن هذه المجموعة الإرهابية.

من جانب آخر، استغل العديد من الأحزاب التقليدية الفرصة لتقديم أنفسهم باعتبارهم “معادون للفاشية” ولإلقاء اللوم على خصومهم السياسيين لاستغراق الوصول الى هذا الحكم “وقتًا طويلاً”. ومرة أخرى يمارس اليمين النفاق السياسي، لذلك على قوى اليسار والتقدم في البلاد توحيد قواها، لأن خطر النازيين الجدد واليمين المتطرف لم ينته بعد.

وتعتبر المحاكمات من أهم المحاكمات في التاريخ السياسي لليونان. وتعد إدانة قيادة الحزب، لتشكيلها منظمة إجرامية نموذجا يحتذى به. وسيظل يوم 7 تشرين الأول راسخا في ذاكرة المناهضين للفاشية وأنصار العدالة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل