/
/
/
/

حاوره: حسن مصاروة
في ظل الانتخابات الثالثة خلال سنة تقريبا في إسرائيل، والنتائج التي أفرزتها وأدت الى تعمق أزمة الحكم من جهة، وتقدم القائمة المشتركة (العربية) من جهة أخرى بحصولها على 15 مقعدا (بزيادة مقعدين على السابق)، وفي ظل التحركات السياسية الأخيرة الجارية على مستوى مساعي تشكيل الحكومة، أجرينا في جريدة "الاتحاد" (التي تصدر في حيفا) حوارًا مع الرفيق عادل عامر الأمين العام للحزب الشيوعي ، تطرقنا فيه للأزمة السياسية في إسرائيل ولنتائج الانتخابات وارتفاع قوة القائمة المشتركة وتعزز ثقة الجماهير العربية في قدرتها السياسية على التأثير وللخيارات السياسية المطروحة الآن أمام القائمة المشتركة وعن ما الذي سيعنيه اسقاط بنيامين نتنيناهو.

الاتحاد: ذهبت إسرائيل إلى انتخابات ثالثة، ما الذي تعنيه نتائج هذه الانتخابات بالنسبة للأزمة السياسية المستمرة في إسرائيل؟

-عامر: هذه الانتخابات عمقت الأزمة وكشفتها على حقيقتها. صحيح أن كتلة اليمين لم تحصل على الأغلبية التي تؤهلها لتشكيل حكومة والتي سعى إليها نتنياهو، ولكن عدم الحسم في الخارطة السياسية والحزبية هو نتيجة تردد وتذبذب حزب "كحول-لافان" (ازرق – ابيض) وعدم طرحه أي بديل حقيقي لسياسية اليمين على كافة الأصعدة. قائمة "كحول-لافان" لم تطرح بديلاً سياسيًا بل بالعكس، انجرت وراء نتنياهو الذي ساقها الى صفقة القرن. على المستوى الاقتصادي وتعميق الفقر والفجوات بين طبقات المجتمع الإسرائيلي التي ما زالت تتعمق، لم تطرح "كحول-لافان" أي بديل حقيقي ايضًا على هذا المستوى. كذلك لا تطرح بديلًا في كل ما يتعلق بالمساواة الحقيقية للجماهير العربية على المستوى القومي والمدني. أي بالمختصر حزب "كحول-لافان" قدم نسخة باهتة لليمين ولهذا جاءت النتيجة كما جاءت.
في المقابل حققت القائمة المشتركة انجازًا تاريخيًا بارتفاع رصيدها مقعدين كاملين، وهذا هو الرد الحقيقي في هذه الانتخابات، لأن القائمة المشتركة طرحت بديلا حقيقيًا على كافة الأصعدة وخاطبت كل الجمهور في البلاد عربًا ويهودًا وهذا أيضا انعكس على نتيجة الانتخابات، حيث لم يكن فقط ارتفاع في نسبة التصويت بالمجتمع العربي انما تضاعف ايضًا عدد المصوتين اليهود للقائمة المشتركة حتى وصلنا إلى أكثر من 20 ألف مصوت يهودي للقائمة.

الاتحاد: القائمة المشتركة حصدت 15 مقعدًا في هذا الانتخابات ورفعت تمثيلها؟ ما هو سبب هذا التقدم؟

عامر: في اعتقادي الارتفاع بالثقة من نيسان 2019 حتى عودة المشتركة في انتخابات أيلول، حيث ارتفع رصيد المشتركة 3 مقاعد، هو مؤشر على ان الجمهور الواسع يريد أن يرى الوحدة الحقيقية بين المركبات والقوى السياسية الفاعلة على ساحة الجماهير العربية. من أيلول حتى هذه الانتخابات كان أداء أعضاء الكنيست في القائمة المشتركة بكل مركباتها اداء جيدًا أدى الى تعميق الثقة بين الجمهور. خصوصا ان المشتركة تعاملت بمسؤولية عالية تجاه هذه النتيجة وتجاه خاصية الجماهير العربية وطموحاتها السياسية، حيث أثبتت المشتركة أنها تستطيع أن تؤثر على الخارطة السياسية الإسرائيلية العامة وأن تلعب دورًا مركزيًا في مجمل الساحة السياسية الإسرائيلية. هذه العوامل كلها أدت الى تعزيز ثقة الناخب بالقائمة. والأهم أن الناخب عزز ثقته بنفسه وقدرته على التأثير بواسطة المشاركة في التصويت. وكذلك البرنامج السياسي الذي طرحته القائمة الذي دمج ما بين العام والخاص وبين السياسي واليومي ما بين الحقوق القومية واليومية. ونضيف الى أسباب الالتفاف حول المشتركة طرح صفقة القرن وبند ترانسفير المثلث خصوصا، والموقف الصلب تجاهها.

الاتحاد: ما الذي يعنيه هذا التصاعد في قوة المشتركة على المستوى السياسي؟

عامر: ما قلناه دائمًا أن الجماهير العربية والقوى اليهودية الديمقراطية المتحالفة معها هي عامل أساسي في الخارطة السياسة والحزبية الإسرائيلية. وهذا أصبح الآن أمرًا واقعًا، الآن لا يمكن تشكيل اي حكومة دون أن يكون دور وقول واضح للقائمة المشتركة وممثلي الجماهير العربية والقوى الديمقراطية اليهودية. نتيجة الانتخابات تقول ذلك بشكل واضح، اليمين لم يستطع الوصول الى الأغلبية المطلوبة وكذلك الطرف الآخر لا مسار له نحو تشكيل حكومة دون أن يعتمد بشكل أو بآخر على أصوات القائمة المشتركة. ولهذا فتأثير المشتركة هو تأثير حاسم وهو ما يقرر إذا ما ستكون هناك حكومة او لا. طبعاً هناك احتمالات أخرى مثل "حكومة وحدة قومية"، لكن إذا ما أرادوا التخلص من اليمين الفاشي حقًا فلا سبيل لهم غير التفاوض مع القائمة المشتركة.

الاتحاد: "كحول-لافان" حاولت التنصل خلال الحملة الانتخابية من امكانية الاعتماد على القائمة المشتركة في أي مسار نحو تشكيل حكومة، والآن تجد نفسها مضطرة للتوجه الى المشتركة والتفاوض معها، ما هي الخيارات المطروحة أمامنا؟

عامر: نحن منذ عدة سنوات في الحزب الشيوعي والجبهة شخصنا أن ظواهر الفاشية تتعمق بشكل متصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي، ونحن وصلنا الآن الى مرحلة التحدث عن فاشية واضحة وكاملة يقودها بنيامين نتنياهو، والحملة التحريضية الشعواء والتهديدات الدموية التي يتعرض إليها قادة القائمة المشتركة وعلى رأسهم أيمن عودة وعوفر كسيف وأحمد الطيبي هي تجلّ واضح لهذه الفاشية المتنفذة في الحكم. لهذا حينما رفعنا شعار اسقاط اليمين ونهج اليمين الذي يمثله نتنياهو كنا جادين فعلًا اعتمادًا على تشخيصنا أن هذا اليمين واليمين الاستيطاني بالذات ووجوده في الحكم هو المسؤول الأساس عن تعمق الفاشية. ولهذا السبب ومن أجل إيقاف هذا التدهور والانزلاق الخطير يجب اسقاط اليمين واسقاط نتنياهو. وهذا بالطبع يحتم تقديم بديل حقيقي لهذا اليمين، وهذا ما لم يستطع تقديمه "كحول-لافان" حيث انساق وراء اليمين وخرج الى جمهور الناخبين يتكلم عن حكومة تعتمد على "أغلبية يهودية" وتتبنى صفقة القرن وتسعى نحو الضم. لهذا، خذلهم الجمهور وذهب الى الأصل، الى اليمين الحقيقي لا الى النسخة الباهتة. لكن بعد ما أفرزته الانتخابات وجدوا نفسهم مضطرين الى التراجع قليلًا، وحسنًا فعلوا حينما تواصلوا بشكل مباشر مع قادة القائمة المشتركة وعرضوا التفاوض معهم لازاحة اليمين. طبعًا هي خطوة إيجابية لكنها تحمل في طياتها نوعًا من السُم حينما قرروا استثناء واحدًا من مركبات القائمة في البداية، ولهذا كان رفضنا واضحًا لهذا النهج وهذا النوع من التعامل معنا وأكدنا بأن القائمة المشتركة وحدة واحدة بكل مركباتها، وطالبنا بشكل واضح أن يتم التعامل باحترام مع كل ممثلينا لأن المعركة الآن هي المعركة المستمرة على شرعية الجماهير العربية وعلى شرعية دورها السياسي وحقها في التأثير على الخارطة السياسية. بالطبع نحن نستمد شرعيتنا من جمهورنا ومن شعبنا وهذا الشرعية تجلت على شكل 15 مقعدا لكن المعركة الآن على أن نفرض هذه الشرعية على الخارطة السياسية الإسرائيلية بكاملها. ولهذا يجب علينا فرض هذه الشرعية على حزب "كحول-لافان" أيضًا واجباره على الاعتراف بهذه الشرعية وأعتقد أنهم يتجهون في هذا الاتجاه، بعد أن تواصلوا مع القائمة المشتركة وعقدوا اجتماعًا تفاوضيًا مع كل مركباتها ومن هنا ربما نذهب نحو مسار مختلف.. وبالطبع فان هذا لا يضمن النجاح الكامل في هذا المسار لأن الموضوع في النهاية متعلق بهم، بمدى تقدمهم نحو القائمة المشتركة وليس بمدى تقدم المشتركة، لأنه لا يوجد لدى المشتركة ما تقدمه سوى ما قالته في معركة الانتخابات: نحن نمثل الجمهور العربي والقوى الديمقراطية اليهودية، لدينا برنامج واضح، نسعى إلى إسقاط سياسة التمييز العنصري، ونطرح مسألة السلام العادل مع شعبنا وهي القضية التي سنصر عليها. ومن هذا الموقف ننطلق لنقول لهم أن لا حكومة لهم دون القائمة المشتركة ولهذا فالكرة الآن في ملعبهم، عليهم هم أن يقرروا وأن يختاروا، وعليهم ايضًا أن يخوضوا النقاش في داخلهم مع نزعات اليمين المتطرفة الموجودة داخل حزب "كحول -لافان".

الاتحاد: هناك من يقول إن توجه "كحول-لافان" الى المشتركة هو مجرد لعبة سياسية تسعى الى جر اليمين إلى حكومة "وحدة قومية"، كيف يجب أن تتعامل المشتركة مع الموضوع وأن توازن بين رغبتها الملحة في اسقاط نتنياهو وأن لا تقع في فخ مناورات "كحول-لافان"؟

عامر: نحن نتعامل هنا بالسياسة، لكننا نتعامل مع السياسة من منطلق نضالي، لا من منطلق المناورات. نحن نتعامل مع السياسة كمشروع كفاحي ونضالي تراكمي، قد يكون في موضوع اللعبة السياسية التي يخوضها كحول لافان نوع من الحقيقة، لسنا مطلعين على مخططات "كحول-لافان" وأهدافه الخفية، لكننا لا نستبعد هذا الأمر. وعندما نقول إننا نتعامل مع السياسة ككفاح ونضال فنحن مستعدون لأي سيناريو، لذلك اذا لم تنجح مساعينا في اسقاط نتنياهو أو تم الذهاب في النهاية الى حكومة وحدة سنعود الى ساحات النضال مثلما كنا خلال سبعين عامًا. نحن نريد أن نسقط هذا اليمين نحن نريد أن نخلق بديلًا للجماهير عربًا ويهودًا وسنسعى الى ذلك، لكن طريقنا الأساسية نحو ذلك ليست فقط التحركات السياسية مع هذا الطرف أو مع ذاك والتصويت مع او ضد في الكنيست، ساحاتنا الأساسية هي ساحات النضال في ميادين قرانا ومدننا وميادين تل ابيب. وإذا ما حصل هذا الأمر سنشمر عن سواعدنا لإسقاط هذه الحكومة وخلق بديل سياسي آخر. ونحن نقول إذا أراد هذا الحزب -كحول لافان-لنفسه الحياة عليه أن يذهب الى بديل حقيقي والبديل الآن أمامه بتشكيل حكومة تطرح بديلاً عن حكم اليمين.

الاتحاد: المحرك الأساسي للمشتركة في الخطوات السياسية الأخيرة هو الرغبة في اسقاط بنيامين نتنياهو، ما هي الأهمية السياسية والتاريخية لهذه الخطوة، وما الذي ستعنيه على مستوى الجماهير العربية وعلى مستوى السياسية الإسرائيلية بشكل عام؟

عامر: اسقاط نتنياهو هو تعزيز للثقة بأنفسنا وبطاقتنا السياسية، بأننا قادرون على تعزيز الثقة في الوعي العام للجماهير العربية بأن لديها القوة والقدرة على التغيير. وعلى المستوى الآخر فان اسقاط نتنياهو سيكون البداية والانطلاق نحو خلق بديل لكل سياسيات اليمين، وخلق حالة من الانفراج النسبي بين المؤسسة وبين المواطن العربي. الآن العلاقة مبنية على علاقة قمع واضطهاد واستبداد، نحن نسعى الى خلق بديل آخر لهذه العلاقة، تكون قائمة على ممارسة حقيقية للحقوق المدنية والقومية لجماهيرنا العربية، هذا بالطبع لن يحصل بمجرد اسقاط نتنياهو. لكنه يضعنا على أول الطريق كي يترسخ في وعي جماهيرنا أن نضالها الوحدوي وكفاحها وقوتها قادرة على خلق واقع جديد وأيضا نريد أن نرسخ في وعي الأغلبية الإسرائيلية ومؤسساتها الحاكمة أن الجماهير العربية هي مواطنة أصلية واساسية في هذه البلاد ولديها حقوق ليست أقل من الآخرين، ويجب التعامل معها ومع ممثليها على مستوى آخر ومختلف لأن القوة السياسية التي حققها في هذه الانتخابات يمكنها أن تزداد وتتسع أكثر وتكون لها القدرة على التأثير بشكل أكبر في أي انتخابات جديدة وفي أي معركة سياسية مقبلة.
ــــــــــــــــــــــــــ
2020/03/13

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل