/
/
/
/

منذ قرابة عام من الزمن يتابع الرأي العام، السياسيون، ووسائل الإعلام الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في العراق ولبنان والجزائر وشيلي وغيرها من البلدان باهتمام كبير. في حين يطوي الإهمال والنسيان بلدان جنوب القارة الافريقية، التي تبدو، وبعيدا عن الانصاف، فضاءً غير سياسي خاليا من الاحتجاجات والمعارضة للنظم الأوتوقراطية وسياسات الليبرالية الجديدة.
شهدت جمهورية مالاوي انتخابات في العام الفائت، فاندلعت حركة احتجاجية ضد الفساد والتلاعب في الانتخابات، الذي وصل الى تزوير 50 ألف صوت، وعلى أثرها تم الغاء نتائج الانتخابات، على ان تجري انتخابات جديدة. وستجري في غينيا في هذا العام انتخابات رئاسية، والرئيس الحالي ألفا كوندي يسعى الى ولاية ثالثة، رغم تعارض ذلك مع الدستور. وبدلا من الالتزام بالدستور سيجري التصويت على تعديله في الأيام المقبلة. ومنذ تشرين الأول الفائت تجري في العاصمة ومدن أخرى من البلاد احتجاجات ضد تمديد الدورات الرئاسية.
وفي مملكة ليسوتو المعزولة من الساحل، احتج المعلمون في الشهور الماضية ضد عدم استلام الرواتب. وعندما اعلنت الحكومة إيقاف اعطاء المنح لكثير من الطلبة، خرج الطلبة بتنظيم ذاتي الى الشوارع. الاحتجاجات والمقاومة في البلدان الأفريقية متنوعة، وبديناميكيات مختلفة. ومن الصعب المقارنة بينها، لكن هناك أوجه تشابه ومشتركات، منها ان العديد من الاحتجاجات مرتبطة بالانتخابات الرئاسية، حيث يسعى المتشبثون بالسلطة الى تجاوز الدستور، وتمديد دوراتهم الرئاسية. بالإضافة الى دأبهم على تزوير الانتخابات او التلاعب بنتائجها. ومن هنا فان التضييق على الاحتجاجات او قمعها سيكون امرا قاتلا وينزع الشرعية عن الصراع. غالبا ما يكون سوء الإدارة، وعدم وجود بنى تحتية اجتماعية و "اصلاحات هيكلية" اقتصادية أسبابا رئيسة للاحتجاجات، التي يمتد نقدها للنخب الحاكمة. ولا تتطلب التعبئة، التي تمتاز بها غالبًا المدن، "قائدًا ذا كاريزما"، بل وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض الإذاعات.
ان طبيعة مطالب المحتجين، ورؤاهم الفكرية ليست بالضرورة يسارية، ولكنهم يشخصون المظالم الاجتماعية، وغالبا ما يعانون من غياب رؤية ثورية. لكن هذا لا يعني انهم يبتعدون بالكامل عن طرح طبيعة النظام الاقتصادية – الاجتماعية. والبدائل المطلوبة.

اليسار والشعوب المنسية

يعتقد متابعون ان اهتماما بالاحتجاجات والحركات، يقف جغرافيا عند حدود بلدان الشمال الأفريقي، رغم ترديد اليسار مقولة "افريقيا قارة الأزمات"، على الرغم من أن اذهان الناس مليئة بصور الطغاة والمستبدين والفساد، وغياب السياسات التحررية، والدور الفاعل لليسار. وبديهي ان الاحتجاجات في جميع أنحاء العالم تستحق التقدير. لكن لماذا تعد الاحتجاجات ضد النخب في لبنان أكثر أهمية من الاحتجاج في غينيا؟ ولماذا تجد التظاهرات المناهضة لنظام التعليم الليبرالي الجديد في شيلي تضامنًا غير محدود، لكن احتجاجات طلبة بلدان الجنوب الإفريقي لا تكاد تحصل على أي اهتمام؟ ولماذا لا يجري الاهتمام بالاحتجاجات ضد التلاعب الانتخابي في جمهورية مالاوي، بغض النظر عن عديد المشاركين فيها، مقارنة باحتجاجات البلدان الأخرى؟ لهذا هناك دعوى لضرورة قيام قوى اليسار بتحليل هذا التباين. ويمتد حصر الاهتمام هذا الى الصحافة والاعلام، فاغلب الصحف والمؤسسات الإعلامية تهتم بما يحدث في جمهورية جنوب افريقيا او نيروبي، في حين يبقى العديد من البلدان جنوبي الصحراء الافريقية بعيدا عن الاهتمام. ويذهب بعض المحللين، الا ان عدم الاهتمام بالحركات الاجتماعية في بلدان الجنوب الافريقي، في الأوساط العلمية والإعلامية، وكذلك في أوساط اليسار يعود الى تقليد سابق، ركزت فيه هذه المؤسسات على حركات التحرر الوطني. وهنا يتم إعادة انتاج صورة ما بعد الاستعمار، او المعاينة أحادية الجانب. في وقت يستخدم فيها رجال الاعمال، ضمن أشياء أخرى، حكاية الليبرالية الجديدة عن "قارة الفرص" كتعويذة للإعلان عن الاستثمارات، من المهم التحدث بشكل مختلف عن إفريقيا – ومن المهم عدم ترسيخ صورة القارة الخاملة سياسيا.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل