/
/
/
/

حتى ساعة اعداد هذا التقرير لم يجر التوقيع الفعلي على اتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة الامريكية وحركة طالبان الإسلامية المتطرفة. وبعد 20 عاما، يبدو أن الحكومة الامريكية لا خيار لها سوى الاعتراف بفشل سياستها وهزيمتها في أفغانستان، وأنها مضطرة للتخلي عن الحل العسكري ووافقت على المفاوضات مع إرهابيي الامس، الذين حددوا الى مدى بعيد مسارات المفاوضات ونتائجها. وبغض النظر عن التوقيع على اتفاق انهاء الحرب، فان هناك شكوكا قوية في استمرار سلام فعلي. يغادر الجيش الأمريكي مرة أخرى احدى البلدان البعيدة، تاركا خلفه بلدا مدمرا تمزقه الصراعات وابعد ما يكون عن السلام. ومرة أخرى يتخلى الامريكان عن حلفائهم، فلا أحد يعلم كيف ستحمي حكومة كابول نفسها في مواجهة طلبان.

ولحفظ ما ء الوجه تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق حوار بين طالبان والحكومة الأفغانية، ينتهي بالتوصل الى اتفاق وطني بشأن مستقبل البلاد، وطبيعة النظام السياسي ولكن طالبان رفضت منذ البداية الحوار مع حكومة كابول التي تصفها بـ"الدمية الامريكية"، واصروا على مفاوضات مباشرة تنتهي بانسحاب القوات الأجنبية. خضع الغزاة او استسلموا على حد تعبير السفير الأمريكي الأسبق ريان كروكر. ودخلوا في مفاوضات استمرت 18 شهرا، متجاهلين اعتراضات الحكومة الأفغانية.
وقبل أن توافق الولايات المتحدة أخيرًا على التوقيع، أصرت على إيقاف حركة طالبان عمليات العنف لمدة أسبوع لتؤكد هيمنتها على مجاميع المسلحة الأخرى في البلاد، ويلتزمون بعدم توفير ملاذ امن لجماعات إرهابية أجنبية مثل القاعدة. وتعكس المدة المطلوبة مدى تهافت حكومة الرئيس ترامب على توقيع الاتفاق بشكله النهائي.
استغرق قرار الولايات المتحدة بشأن التفاوض وقتاً طويلاً. وشدد القادة الامريكان على أن "تحرز الولايات المتحدة تقدماً" إن لم يستطيعوا كسب الحرب. لقد بينت "أوراق أفغانستان"، وهي وثيقة سرية كشف عنها العام الفائت، عن سياسة رسمية طويلة الأمد مبنية على خداع الرأي العام الأمريكي، والحديث على ان ما يدور في جبهات القتال تحت السيطرة، ويسير وفق مسار مدروس، في حين ان العكس هو الصحيحً. لقد احتاجت الولايات المتحدة وحلفاؤها شهرين لتحرير العاصمة فقط. وكان وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد قد قال في مؤتمر صحفي في كابول في 1 أيار 2003، أن معظم العمليات القتالية قد انتهت. وفي اليوم نفسه أعلن بوش الابن أن الحرب في العراق "قد انتهت".
لقد استطاعت الولايات المتحدة خلال 19 عاما هزيمة تنظيم القاعدة في أفغانستان، وقتلت زعيمه أسامة بن لادن في عام 2011 لكنها عجزت فعليا عن هزيمة التنظيم المحلي طالبان. ولم تستغل الولايات انتصارها على القاعدة مناسبة للانسحاب، بل استمرت ماكينة الحرب الأمريكية بالدوران، على الرغم من ان طالبان لم تكن مشاركة مباشرة في هجمات 11 أيلول في نيويورك وواشنطن، بل اكتفت بتوفير ملاذ آمن لتنظيم القاعدة. كلفت الحرب وفق المعطيات الحكومية الأمريكية تريليوني دولار امريكي، ما يعادل قرابة 100 ضعف للناتج الإجمالي المحلي لأفغانستان في عام 2019. والآن، وبعد 19 عامًا من الحرب، وقتل قرابة 2400 جندي أمريكي وأكثر من 150 ألف أفغاني، اقرت واشنطن أخيرًا بهزيمتها.
رفضت طالبان الالتزام برؤية أمريكية، "ديمقراطية" أو ليبرالية لمستقبل أفغانستان، وأصرت على إطلاق سراح أعضائها المحتجزين قبل الدخول في المفاوضات.
ان مسار المفاوضات ونتائجها عكست توازن القوى على الأرض. لقد بدأ الرئيس الأمريكي ترامب عهده بمحدثات صعبة، تهديدات، وتحذيرات من سقوط ملايين القتلى في أفغانستان، ولكن اللعبة لم تنطل على قادة طالبان، الذين أدركوا ان عامل الزمن لصالحهم، فاستمروا في ممارسة التصعيد. وفي الوقت نفسه وعد ترامب خلال حملته الانتخابية انهاء "الحروب العدمية" في الشرق الأوسط، وانتهى الامر بوضع توقيع امريكي على اتفاقية انهاء الحرب بطعم الهزيمة، دون ان تحقق الاتفاقية سلاما حقيقيا لملايين الأفغان.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل