/
/
/

أبدع ماركس، وهو أحد أكثر مفكري القرن التاسع عشر تأثيراً وغزارة في الانتاج، نظريات استباقية دعت الى الفعل السياسي، مثلما دعت
الى التغيير الاجتماعي، ولم تكن مجرد دراسة نظرية. واحدى أهم هذه النظريات هي نظريته حول الاغتراب، التي تضمنها عمله (مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية) المعروف، أيضاً، باسم (مخطوطات باريس).
وفي (المخطوطات) يستعير ماركس مفهوم الاغتراب من هيغل، الذي جادل بأن البشر يمكن أن يكونوا خارج السيطرة في العالم الذي يعيشون فيه. وعلى خلاف هيغل ضيّق ماركس المدى بتحديد الاغتراب على امتداد حدود العمل. وحسب رأيه يظهر الاغتراب من الطريقة التي يتعامل بها الناس مع عملهم، حيث يتجسد انفصالهم عن منتجات عملهم "ذلك أن الشيء الذي ينتجه العامل يقف على الضد منه كشيء غريب، كقوة مستقلة عن المنتج". ويشير ماركس في نظريته حول الاغتراب، التي تشكل الرأسمالية خلفيتها، الى أن عملية الانتاج، أي تحويل الطبيعة الى أشياء تلبي حاجة الفرد، مسألة أساسية بالنسبة للهوية والحياة الانسانية.
والاغتراب مصطلح لوصف شعور عدم الارتباط بالآخرين أو الانفصال عن ارتباط سابق. وعندما يتعلق الأمر بالناحية السوسيولوجية، خصوصاً في الماركسية، يصف هذا المصطلح فقدان المرء هويته.
ما معنى الاغتراب ؟
ان فكر ماركس واسع المدى، ويمارس تأثيراً هائلاً، خصوصاً على الفلسفة والسوسيولوجيا. ويعرف ماركس، على أفضل نحو، بنقديه العميقين للرأسمالية، حيث الأول يشير الى أن الماركسية هي، في الجوهر، سبب الاغتراب، والثاني يكشف أن الرأسمالية هي، في الجوهر، سب الاستغلال.
وبالنسبة لماركس تعتبر فكرة وسائل الانتاج فكرة اقتصادية حاسمة. وتشتمل وسائل الانتاج على كل ما نحتاجه تقريباً لانتاج السلع، بما في ذلك الموارد الطبيعية، والمصانع، والمكننة. وفي الاقتصاد الرأسمالي، على نقيض الاقتصاد الاشتراكي، تكون وسائل الانتاج ملكية خاصة، أي أن يمتلك رجل أعمال مصنعاً مثلاً. ونتيجة لذلك يجد الأفراد في المجتمع الرأسمالي أنفسهم منقسمين الى طبقتين متميزتين: أولئك الذين يمتلكون وسائل الانتاج (الطبقة الرأسمالية أو البرجوازية)، وأولئك العمال الذين لا يمتلكون (البروليتاريا).
وفي (مخطوطات باريس) المبكرة يكشف ماركس عن نفسه باعتباره الفيلسوف العظيم للعمل، الذي رآه باعتباره عملية تحويل المواد الخام الى مورد رزق. وهذه العملية أساسية بالنسبة لهوية الفرد واحساسه بمكانته في العالم. وفي الرأسمالية، القائمة على مبدأ الملكية الخاصة، يجري تقويض العمل كمصدر للهوية والمكانة. فأولئك الذين ليست لديهم ملكية (العمال على وجه التحديد) يجب أن يقدموا طاقاتهم الانتاجية، وجوهرهم ككائنات انسانية، الى شخص آخر، أي الى مالكي المصانع، الرأسماليين الأثرياء. وهذا ليس مخيباً للآمال حسب، وانما يحول موقف العمال ضد الرأسماليين ونظام الملكية الخاصة، الذي هو مصدر خيبة آمالهم.
وتشير نظرية الاغتراب الى أن الرأسمالية شوهت العلاقات الانسانية التي لا يستطيع العاملون أنفسهم السيطرة عليها. وهذ ما يؤدي الى انفصال الأشياء بعضها عن بعض، أي حصول التنافر بين الأشياء.
وفي اطار أسلوب الانتاج الرأسمالي يفقد الفرد سيطرته على عمله، وقدرته على التفكير وتقرير مصيره، وتحديد علاقاته مع الآخرين وامتلاكه أشياء ذات قيمة، طالما أنه لا يتحكم بعمله. فهو لا يمتلك السلع التي ينتجها ولا الحرية لانتاج ما يريد. وبالتالي فان الفرد يصبح شبيهاً بالحيوان، في تفكيره، اذ يفقد القدرة على التفكير.
والاغتراب مفهوم نظري يصف آثار العزلة وامتهان الانسانية ومشاعر الاستياء الناجمة عن العمل في ظل نظام الانتاج الرأسمالي.
والاغتراب الاجتماعي مفهوم أوسع يستخدمه السوسيولوجيون لتوصيف تجربة الأفراد والجماعات التي تشعر بالانفصال عن القيم والمعايير والممارسات والعلاقات الاجتماعية لوسطهم أو مجتمعهم لأسباب بنيوية اجتماعية. وأولئك الذين يعانون من الاغتراب الاجتماعي لا يشاركون في القيم الأساسية العامة للمجتمع، وهم غير مندمجين في المجتمع أو الجماعات أو المؤسسات، ومعزولون اجتماعياً عن التيار.
وتعتبر نظرية ماركس في الاغتراب أساسية بالنسبة لنقده الرأسمالية الصناعية والنظام الاجتماعي الطبقي، وهي ناجمة عنهما وتدعمانهما. وكتب عن ذلك في (المخطوطات) على الرغم من أنها مفهوم أساسي في معظم كتاباته. والطريقة التي يستخدم بها ماركس المصطلح ويكتب عن المفهوم تغيرت مع تغيره كمفكر، ولكن نسخة المصطلح التي غالباً ما ترتبط بماركس، وتدرس في اطار السوسيولوجيا، هي اغتراب العمال في نظام الانتاج الرأسمالي.
ووفقا لماركس فان تنظيم الانتاج الرأسمالي، الذي يظهر طبقة مالكين أثرياء يشترون العمل من العمال لقاء أجور، يخلق اغتراب الطبقة العاملة بأسرها. وهذا الواقع يؤدي الى أربع نواحٍ مميزة ترسم اغتراب العمال، سنأتي عليها في موضع لاحق من مقالنا. وبينما تستند ملاحظات ونظريات ماركس على الرأسمالية الصناعية المبكرة في القرن التاسع عشر، فان نظريته في اغتراب العمال تبقى صحيحة وراهنة في أيامنا. ويجد السوسيولوجيون، الذين يدرسون ظروف العمل في ظل الرأسمالية، أن الظروف التي تسبب الاغتراب والمعاناة منها قد باتت أكثر حدة وسوءاً.
مصادر الاغتراب
لقد أصبح مفهوم الاغتراب شائعاً في الأدب الحديث والفلسفة السياسية والتحليل السوسيولوجي والسايكولوجي. وفي كتابات ماركس يعد الاغتراب مسألة رئيسية، ومن هنا ساد في الفكر السوسيولوجي.
ويشير الاغتراب الى الاحساس بالعجز وتجربة العزلة واللامعنى من جانب الكائنات الانسانية عندما يجابهون بالمؤسسات والظروف الاجتماعية التي لا يمكنهم التحكم بها والتي يعتبرونها جائرة.
واذا تحدثنا بشكل عام فان الاغتراب يشير الى ظرف سوسيوسايكولوجي للفرد، يرتبط باقصائه عن نواحٍ معينة لوجوده الانساني. ويبدو من الصعب، أحياناً، تقديم تحليل وافٍ لهذا المفهوم، ذلك أنه يستخدم بأشكال مختلفة من جانب باحثين مختلفين. لكن ماركس هو الذي قدمه للسوسيولوجيا الحديثة.
وبسبب الاغتراب لم يعد الانسان انساناً، وانما بات شيئاً مسلوباً. وبالنسبة لماركس فان الترتيبات الاجتماعية التي تشكل سياق العمل في المجتمع الرأسمالي تجعل العامل مغترباً، ذلك أنها تخفق في أن توفر له الفرص لوجود ابداعي هادف. والعامل يواجه الاغتراب لأنه لا يشعر بالارتياح في عمله ولا يتلقى المنتج الكامل لعمله. ووفقاً لذلك فان العامل مغترب عن الطبيعة الحقيقية للانسان.
وتمنع الشروط التي تميز الانتاج الصناعي الحديث العامل من ممارسة طاقاته الابداعية، وبالتالي تحقيق الامكانيات الكاملة لطبيعته. وهكذا فان الاغتراب هو ذلك الشرط، حيث الانسان لا يجد نفسه باعتباره الحامل الفعال لطاقاته، وانما كشيء مسلوب، معتمد على قوى خارج نفسه. ووفقاً لماركس ينشأ الاغتراب عن الافتقار الى الاحساس بالتحكم في العالم الاجتماعي. فالناس ينسون أن المجتمع والمؤسسات الاجتماعية يبنيها البشر، ويمكنهم، بالتالي، أن يغيروها. وهكذا فان العالم الاجتماعي يتعامل مع الناس كبيئة معادية، تاركاً اياهم غرباء في البيئة ذاتها التي خلقوها.
وطبق ماركس مصطلح الاغتراب على الكثير من المؤسسات الاجتماعية مثل القانون والحكومة والدين والحياة الاقتصادية. ولكنه أعطى أهمية أكبر للاغتراب في الحقل الاقتصادي. وكتب يقول إن "الاغتراب الديني يظهر فقط في مجال الوعي، في الحياة الداخلية للانسان، لكن الاغتراب الاقتصادي هو اغتراب الحياة الواقعية، وبالتالي فانه يؤثر على الناحيتين: العقل والفعل".
وبسبب من علاقة ماركس الوثيقة بانجلز أصبح على معرفة بمعاناة واغتراب العمال الصناعيين في المدن. ووفقا لماركس فان الاغتراب لا يظهر في النتيجة حسب، وانما، أيضاً، في عملية الانتاج، وضمن النشاط الانتاجي نفسه.
ويؤكد ماركس فكرة أن الاغتراب يؤدي الى امتهان البشر والحط من قيمتهم. فالعامل ضحية الاستغلال في العالم الرأسمالي. وكلما أنتج العامل مزيداً من الثروة أصبح أشد فقراً. والمصدر الهام لهذا الاغتراب، وفقا لرأي ماركس، هو التقسيم الأقصى للعمل في المجتمعات الحديثة. فكل عامل لديه دور مقيد محدد. وهو جزء صغير من العملية و"مجرد سن في العجلة"، وليس بوسعه تطبيق الطاقات البشرية الكاملة لليدين والعقل والمشاعر في العمل. ويصبح العمل نشاطاً قسرياً وليس نشاطاً ابداعياً مرضياً.
ومسؤولية العامل هنا ليست كبيرة، فهو لا يمتلك الآلات التي ينجز بها العمل، ولا الناتج النهائي، ولا الحق في اتخاذ القرارات.
ويتفاقم هذا الوضع في الاقتصادات الرأسمالية، حيث تذهب الأرباح التي ينتجها عمل العامل فيها الى شخص آخر. وبايجاز فان العامل يقضي حياته وينتج كل شيء لا لنفسه وانما لقوى تستغله. وبينما يمكن للعمل أن ينتج الجمال والترف والذكاء، فانه لا ينتج، بالنسبة للعامل، سوى البشاعة والبلاهة والبؤس.
نواحي الاغتراب الأربع
ليس مفهوم ماركس للاغتراب في ظل أسلوب الانتاج الرأسمالي حالة ذاتية للعقل، وانما عملية موضوعية تتطور من الواقع الذي نعيشه عبر العمل في مجتمع رأسمالي.
ويجادل ماركس بأن الاغتراب هو نتيجة طبيعية للرأسمالية لأسباب عدة. ويعود هذا الى أن العمال يستغلون من جانب قوى الرأسمالية لغرض زيادة الانتاجية والحصول على أقصى فائض قيمة. والنتيجة هي أن العمال سيفقدون، في خاتمة المطاف، الأمل والعزم. وسبب هذا أن الرأسماليين يسعون لضمان أن توجه نشاطات العمال في العمل نحو غايات محددة. وينظر الى العامل باعتباره أداة تؤدي الى فقدان الهوية، ويمكن أن تؤدي الى خيبة الأمل والاستياء، مادامت وسائل الانتاج ملكية خاصة.
وهناك أربع نواحٍ للاغتراب هي: اغتراب الشغيلة عن منتجات عملهم، والاغتراب الذي يجرب في عملية الانتاج أو العمل، والاغتراب عن الجوهر الانساني، وأخيرا اغتراب الانسان عن الانسان أو المجتمع. وربما تصور هذه النواحي باعتبارها متداخلة معاً، وتؤدي كل ناحية الى الأخرى، ومع ذلك فهي نواحٍ لواقع واحد: اغتراب العمل.
والناحية الأولى التي يشير اليها ماركس هي الاغتراب الذي يعاني منه الشغيلة عبر النفور أو الانفصال عن منتج عملهم. فالسلع التي ينتجها الشغيلة من خلال عملهم هي ليست ملكهم، وانما تعود، في خاتمة المطاف، الى شخص آخر وتنتج لشخص آخر. وهنا يتجلى الاغتراب في المنتج الذي ينتجه العمل. فمنتجهم يصبح، من خلال افتقارهم الى السيطرة أو الملكية، شيئاً غريباً عنهم، شيئا يعمل بفعالية ضد مصالحهم، ويتزايد عداؤه كلما زاد انتاج العامل. وهكذا فانه كلما زاد انتاج العامل قل ما يمتلكه، وأصبح أكثر عجزاً. ويعود سبب هذا الى أن الشغيلة لا يمتلكون الحق بالسلعة التي ينتجونها والقيمة التبادلية التي ستحصل عليها في السوق. وبالتالي فانه بينما يزيد الشغيلة انتاجهم فانهم يغنون الرأسمالي الذي يمتلك المنتجات التي ينتجونها. وهو ما يعني أن السلع التي ينتجها الشغيلة تزيد ثروة الرأسمالي، وبالتالي، سلطته، ليتحكم بثمار عملهم ويسيطر عليهم عبر شراء قوة عملهم التي يبيعونها من أجل بقائهم. وبالتالي فانهم يساعدون على تأبيد النظام، وأسلوب الانتاج الذي يعمل على الضد من مصالحهم، والذي ينتج الاغتراب في المقام الأول.
والناحية الثانية التي يذكرها ماركس في الاغتراب تنجم عن افتقار العمال الى السيطرة على عملية العمل أو النشاط الانتاجي. ويظهر هذا الاغتراب لأن فقدان السيطرة على منتجات العمل يعني ضمناً، أن المرء لا يمتلك، أيضا، السيطرة على عملية الانتاج التي تنتج السلع. وهذا الاغتراب ينشأ عن الافتقار الى السيطرة على وسائل الانتاج ونشاط العمل الذي ينغمر فيه المرء.
ان حقيقة أن الشغيلة ليس لديهم رأي في كيفية تنظيم الانتاج أو ما ينتج أو الكيفية التي تنتج بها السلعة تكشف عن الكيفية التي تظهر بها هذه الناحية من الانتاج. وهذا المعنى للاغتراب يتعزز عبر افتقار الشغيل للسيطرة على وظيفته، وافتقاره الى الرأي في علاقات الانتاج. وهو يتشكل أيضاً من واقع أن الشغيلة لا يمتلكون وسائل الانتاج، وبالتالي يرغمون على بيع الشيء الوحيد الذي يمتلكونه من أجل البقاء، وهو قوة عملهم كما كتب ماركس حول العامل من أن عمله بالتالي ليس طوعياً وانما مكره وقسري.
والناحية الثالثة من الاغتراب التي أشار اليها ماركس هي الاغتراب عن الجوهر الانساني، أو بمعنى آخر، الاغتراب عن طبيعتنا الانسانية. وبالنسبة لماركس فان جوهر انسانيتنا هو العمل ذاته، الذي يعتبر "نشاط حياتنا الواعي". ويقول ماركس إن البشر، بطبيعتهم، كائنات ابداعية واعية، وانهم يجسدون أنفسهم، موضوعياً، في المنتجات التي ينتجونها. وان تجسيد أنفسهم موضوعياً يعني استخدام نشاطهم الحياتي الواعي لرؤية أنفسهم كذات في ما يتعلق بالطبيعة، وتجسيد أفكارهم ومواضيعهم الواعية وجعلها واقعية عبر معالجتهم الطبيعة. وفي الواقع فاننا عبر اغترابنا عن جوهرنا كنوع انساني، أي نشاطنا الحياتي الابداعي الواعي، فاننا نجعل أنفسنا نغترب عن الطبيعة الانسانية لخلق ما نريده وفقاً لارادتنا، ومن الامكانية التي يزودنا بها الجوهر الانساني. واذا ما تحدثنا ببساطة فان المجتمع الرأسمالي يجعل نشاط الانسان الحر الواعي وعمله وسيلة لغاية بدل أن يكون غاية بحد ذاته. ويبين ماركس هذا الأمر بوضوح عندما يقول إنه "عندما نأخذ من الانسان نتاجه، فان العمل المغترب يأخذ منه جوهره الانساني، وجوده الفعلي والموضوعي كنوع انساني".
والناحية الرابعة لاغتراب العمل بالنسبة لماركس يمكن أن تستخلص من حقيقة أننا نشعر بالاغتراب عن طبيعتنا أو جوهرنا الانساني، الذي هو جوهر اجتماعي وفقاً لماركس. ولهذا فان الاغتراب يظهر في علاقات الانتاج في المجتمع الرأسمالي. ففي علاقات الانتاج الرأسمالية نحن نغترب ليس فقط من المنتج وعملية الانتاج، وانما عندما نغترب عن طبيعتنا الانسانية فان هذا يعني، ضمناً، أننا نغترب عن أنفسنا، وبالتالي عن بعضنا البعض. وهكذا فان هذه الناحية من اغتراب العمل تتعامل مع حقيقة أن علاقاتنا الاجتماعية نفسها تغترب.
ويمكن لنظرية ماركس في الاغتراب أن تساعدنا على فهم العمل والطبيعة الانسانية عبر صياغة الكيفية التي نتفحص بها الاثنين، والكيفية التي يترابط بها الاثنان. وتظهر تحليلات مختلفة أن هناك أفكاراً كثيرة حول العمل وما يعنيه لنا. وتوفر نظرية ماركس معالجة عميقة حول الكيفية التي يتعين علينا بها ادراك العمل. ويشار الى أن مفهوماً شائعاً للعمل هو المفهوم الذي يطرحه مذهب المنفعة. وذلك العمل هو، بشكل رئيسي، كدح لا يوفر المتعة، بل إن تلك المتعة أو السعادة يمكن أن تستمد عبر غياب العمل. غير أن ماركس يجادل بأن هذا المفهوم للعمل هو نفسه نتيجة ثانوية لاغتراب العمل. وفي تحليله للاغتراب نجد أن مثل هذه المشاعر أو فهم طبيعة العمل يمكن وصفها بنفور العامل من نفسه وأقرانه ومنتجاتهم وعملية الانتاج. وهذا النفور هو نتاج الملكية الخاصة في الميدان الاقتصادي أو الملكية الانتاجية، حتى لا نخلطها مع الملكية الشخصية.
إن حقيقة أن الملكية الانتاجية ووسائل الانتاج مملوكة في اطار خاص، وأن العمال يرغمون، بسبب هذه الحقيقة، على بيع قوة عملهم، وبالتالي، يجعلون أنفسهم مغتربين بالطرق التي تحدثنا عنها، ان هذا يوضح كيف أن المفهوم النفعي لطبيعة العمل خاطيء، في جوهره، في ادانة العمل، طالما أن العمل جزء من جوهرنا أو طبيعتنا الانسانية. وهذا، أيضاً، يمنحنا الجواب على كيفية تجريب العمل بالطريقة التي يصفها ماركس. ومن أجل تجريب العمل كتعبير عن جوهرنا الانساني، يتطلب نشاطنا الحياتي الابداعي أن نتغلب على اغترابنا، ونعيد تنظيم مجتمعنا لكي نؤسس علاقات تسمح لنا بالتصرف وفقا لجوهرنا الانساني.
وبما أن الاغتراب هو نتيجة ثانوية لتجربة موضوعية ناجمة عن علاقات الانتاج في النظام الرأسمالي، فان الحل للتغلب عليها يكمن في داخلها. ويمكن أن يوصف الاغتراب بصورة أكثر مباشرة باعتباره نتيجة للمنتجين أو العمال حين لا يسيطرون أو لا يمتلكون المنتجات التي ينتجونها، وكذلك عملية الانتاج التي يعملون فيها. وببساطة فان الاغتراب هو نتيجة الملكية (الانتاجية) الخاصة. وطالما أن عدداً قليلاً، هم الرأسماليون، يمتلكون وسائل الانتاج ويتمتعون بالراحة، فان على العمال أن يبيعوا ما يمتلكون، أي قوة عملهم، من أجل الوصول الى وسائل الانتاج. ولهذا فانه من أجل التغلب على هذا الاغتراب يتطلب الأمر أن نصحح هذا التنافر المتأصل في أسلوب الانتاج الرأسمالي لكي نخلق أسلوب انتاج جديد. وقد اعتبر ماركس أسلوب الانتاج الجديد هو الذي ينتهي فيه وجود الملكية الخاصة. وبالتالي فان الاغتراب ينتهي وجوده، طالما أنه من أعراض الملكية الخاصة. وان انقاذ أنفسنا من الملكية الخاصة هو، بالنسبة لماركس، سبيل للتغلب على الاغتراب بكل تجلياته، طالما أنه ينشأ من العلاقات الاجتماعية التي توجد فيها الملكية الخاصة. وهذا واضح لدى ماركس عندما يقول ان "التغلب على الملكية الخاصة باعتبارها الاستيلاء على الحياة الانسانية هو، بالتالي، التغلب الايجابي على كل الاغتراب". وقد نسأل أنفسنا: كيف يبدو مجتمع لا يتضمن أسلوب انتاجه ملكية خاصة؟ نستطيع أن نبدأ بادراك ذلك الجواب بالتركيز على حقيقة أن الملكية الخاصة، وفي هذه الحالة الملكية الخاصة التجارية والصناعية، هي مشكلة آتية، جوهرياً، من شركات ينتج فيها العمل سلعاً وخدمات. ولهذا فانه من أجل التغلب على التنافر بين أولئك الذين يمتلكون الشركات، وأولئك الذين يعملون فيها، يجب أن يتغير هيكل الملكية الداخلية لمكان العمل. وبالتالي فان البنية الداخلية للملكية الخاصة يجب أن تتحول الى نقيضها الذي هو الملكية التعاونية. وهكذا، فانه من أجل التغلب على الملكية الخاصة على المجتمع أن يستبدل المشاريع الخاصة التي تشكل اقتصاده، بمشاريع يملكها ويديرها العمال تعرف، عادة، بتعاونيات العمال. وهذه التعاونيات التي يملكها ويديرها العمال هي، بالتالي، اللبنات الأساسية لاقتصاد المجتمع الجديد. ان أي مجتمع لا يتضمن اقتصاده الملكية التعاونية ليس مجتمعاً جديداً، وانما مرحلة وسيطة مثل الاشتراكية، أو تجلٍ آخر من تجليات الرأسمالية، كما كان الحال في المجتمعات التي قامت على النمط السوفييتي. انها، في الواقع، ما يمكن تسميته مجتمعات رأسمالية الدولة.
ان مصطلح الاغتراب موجود في الأعمال الأولى لماركس، لكنه غير موجود في كتاباته الأخيرة. وعلى هذا الأساس لا نستطيع أن نعمم، كما فعل بعض الباحثينن ادعاء أن ماركس هجر الفكرة. فالفكرة وجدت تعبيرها، ثانية، في (رأس المال). وكما يشير السوسيولوجي الألماني الاميركي لويس كوسر فانه "سواء على نحو صريح أو ضمني، يبقى مفهوم الاغتراب رئيسيا في تحليل ماركس الاجتماعي والاقتصادي".
وأخيراً فانه اذا كان ماركس على حق في تحليله لظاهرة الاغتراب، فان الاتهامات المعاصرة حول الطبيعة المذلة للعمل ليست مسألة مبالغاً فيها. فبقدر ما تمنعنا الرأسمالية من تحقيق وجودنا النوعي الانساني، فانها تجرّدنا، بالمعنى الحرفي، من إنسانيتنا ..
"الأزمنة الحديثة" .. تجسيد شرور الرأسمالية
يطيب لنا أن نختتم مقالنا بتحليل وجيز لفيلم عبقري السينما تشارلي تشابلن الموسوم (الأزمنة الحديثة) - 1936، الذي يعتبر نموذجاً مذهلاً في تصوير الاغتراب.
يقدم لنا الفيلم لائحة غنية من المشاهد تمكننا من القيام بتحليل من منظور ماركسي. والفيلم غالباً ما ينسب الى أفلام الكوميديا، لكنه، في الحقيقة، فيلم سياسي تماماً. كما أن (الأزمنة الحديثة) اعتبر واحداً من أعظم 100 فيلم في تاريخ السينما، ورائعة فنية مميزة على الرغم من أنه فيلم صامت بالأبيض والأسود.
وفي الفيلم يجسد تشابلن شخصيته المفضلة (المتشرد)، وهو، نفسه، بطل الفيلم وكاتب السيناريو وواضع الموسيقى والمخرج. وتتقاسم بوليت غودارد البطولة معه.
والمتشرد (وقد لعب تشابلن دور المتشرد في أفلام كثيرة أخرى أيضاً) هو، عادة، شخصية مضحكة، خرقاء، وساذجة. غير أن إحدى أكثر سمات المتشرد وضوحاً، في هذا الفيلم، هو أنه عامل، يعيش ظروفاً شاقة جداً في أزمنة التصنيع والتمدن السريع.
وفي الفيلم نجد شوارع المدينة مليئة بالقادمين الجدد الباحثين عن عمل في المصانع. والمتشرد هو أحد هؤلاء المهاجرين القادمين من أماكن ريفية الى المدن الكبرى الحديثة والمناطق الصناعية. وهذا يذكرنا بأحد توصيفات ماركس الشهيرة للرأسمالية، اذ قال إن "البرجوازية أخضعت البلاد لحكم المدن، فقد شيدت مدناً هائلة، وزادت، الى حد كبير، السكان الحضريين بالمقارنة مع الريفيين".
وخلال الفيلم نرى الشوارع مفعمة بالحيوية طالما أن هناك تجمعات وصدامات سياسية – آيديولوجية، واقتصادية – اجتماعية. وعلى الرغم من أن العمال يبدون طبقة جديدة، فانهم يشكلون أغلبية السكان، وتبدأ معارضتهم لاستعبادهم في الحال كما تنبأ ماركس بالقول إن "الرأسماليين يخلقون حفاري قبورهم". وأشار ماركس الى أن "كل الحركات السابقة كانت حركات أقليات. أما الحركة البروليتارية فهي حركة الأغلبية الساحقة التي تتسم بالوعي الذاتي والاستقلالية، لصالح الأغلبية الساحقة". وتعكس حيوية الشوارع الذكريات القديمة المقيتة حول الكساد العظيم.
وفي الفيلم يعمل المتشرد في مصنع مكائن في ظروف شاقة جداً. فهو يعمل، لساعات كثيرة، دون توقف أو استراحة، ووقت وجبة الغداء قصير جدا، والطعام ليس جيداً، وعمله يتطلب قوة جسدية. إن ظروفه سيئة جداً، بحيث أنه يشعر بالاغتراب في عمله، وسرعان ما تصبح أفعاله أوتوماتيكية، بدل أن تكون مهنته مصدراً للبهجة. فهو يعمل مثل ماكنة مع المئات من المكائن والعمال الآخرين الذين يعانون من الاغتراب. وفضلاً عن ذلك فان مكننة الصناعة تجلب معها الكثير من المخاطر الجديدة. فالمكائن، أولاً، خطرة جداً، طالما أنها يمكن أن تسبب أضرارا للعمال، بل يمكن أن تقتلهم. وفي مشهد شهير في الفيلم يسقط تشابلن على ماكنة ويجد مشقة في تجنبها. أما الصعوبة الثانية التي تجلبها المكائن فهي أن المكائن والوسائل التكنولوجية الأخرى تصادر مهن العمال طالما أنها أسرع وأقوى. وهذا التناقض مجسد تماماً في (البيان الشيوعي) حيث يعتقد ماركس أن الديالكتيك المادي يرتبط بالتعارض بين الانسان والآلة. ويرى أن "البرجوازية لا يمكن أن توجد بدون تثوير متواصل لأدوات الانتاج، وبالتالي علاقات الانتاج، ومعها علاقات المجتمع بأسرها".
ويظهر الفيلم، أيضاً، ارتياب ونفور تشابلن تجاه السلطة، طالما أن الشرطة ورجال الأعمال يظهرون لنا كأناس سيئين. فرجال الشرطة غالباً ما يستخدمون العنف ضد العمال والناس الفقراء الآخرين، بينما يتعاملون بلطف مع الأغنياء. وكما تنبأ ماركس فانه يبدو أن العمال "لا وطن لهم" مادامت دولتهم لا توفر حماية لهم، وانما توجد من أجل حفنة أو طبقة معينة من الناس.
وفي الفيلم تلعب بوليت غودارد دور صبية لصة يقع المتشرد في حبها. ويمثل المتشرد واللصة الطبقة العاملة، وهما متشردان ولا يحملان اسماً.
وأخيراً فان (الأزمنة الحديثة)، الذي يعكس عبقرية ومواهب تشابلن، فيلم رائع لابد من مشاهدته لفهم تجسيد شرور الرأسمالية، وعواقب شعور الشغيلة بالاغتراب.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل