بعد (مادلين)..

 نتوقف عند شخصية (تالة) المتقاطعة مع شخصية مادلين. مسرح الحدث صدى الحرب واستشهاد النخيل في جنائن الخصيب. القطبان في هذا الفصل من الرواية هما الحرب والحب. كلمتان متناغمتان، لكن حرف الراء في كلمة حرب، خنجرٌ بين حرفيّ كلمة حب.

(*)

أفقيَّاً..

مسارُ السرد في هذا الفصل. السارد وهو يزور بقية أهله. تبيض المفاجأة. كقارئ أرى أن السارد حين سكن بغداد. لم يزر مسقط رأسهِ بصرة الله. لذا رسخت الصورة في ذاكرته (بعد غياب كل هذه السنين فأن كل بيت من بيوتهم أدخله كنت أفاجأ برجال ونساء لم أرهم من قبل، وعندما يذكرون لي أسماءهم اكتشفت مندهشا أنهم الأطفال الذين تركتهم ورائي يحملون وجوهاً صغيرة! أما الآن فقد تزوج أكثرهم وخلّف بعضهم سيركض بهم الزمن) ص109/ إذن أسماءهم مفاتيح ذاكرته.

(*)

هذا السياق السردي بوظيفة تمهيد للقول التالي (رجاني ابن عم لي أن أذهب معه يخطب فتاة تعلق بها قلب ابنه) لكن الأب ليس متحمساً لهذه الخطوبة. والد البنت واسمها(تالة)

غريب الأطوار ويمتلك الكثير من البساتين.

(*)

السارد، قبيل أكثر من أسبوعين حسب التقويم الخاص بزمن الرواية زار بلدة (أبو الخصيب) وكان معه الشيخ الحريري.

أبو تالا، لا يغادر بساتينه في قرية(نهرخوز)!! يعيش معه خادم يرعاه. (تالة) ستكون مع والدها من أجل حبيبها حامد الذي جاء ليخطبها. فهي تسكن في العشار مع مربيتها.

وسؤالي هنا: أيُّ حياة ٍ هذه !! ثراءٌ هائل وبيتُ مشطور.

 أب وبنت وبينهما مسافة ٍ!! وأخ يكبرها يعمل تاجراً في

في السوق.

(*)

يصلون إلى بيت الأب يترجلون من السيارة: السارد وحامد ووالده. تباغتهم وحشية السرد العسكري في سنوات الحرب

(مساحة شاسعة من بساتين منزوعة النخيل يمتد على أديمها   ما يشبه قبراً هائلاً طويلاً تلوح بين ثناياه جذوع نخيل ميتة. وكانت هناك جذوع أخرى بسعفها اليابس تنطرح على الأرض حيث اسقطتها الجرارات والمتفجرات) هذا المشهد البشع. يوجزهُ حامد بجملة واحدة: ما نراه هو بقايا سواتر ترابية أقيمت وسط البساتين أيام الحرب.

(*)

في..

مدخل البيت الذي من طابقين ينتصر الجمال على وحشية الحرب (مرأب البيت تظلله تعريشة كروم تمتد من الباب الكبير حتى مدخل البيت، تتدلى من بين أوراقها الكثيفة عناقيد عنب مازال حصرماً. كان الفيء كثيفاً لا تؤثر فيه خيوط رفيعة من أشعة الشمس كانت تتسلل عبر السقف الأخضر وستارة الأوراق النازلة على الجانبين) أيُّ لوحةٍ انطباعيةٍ في هذا المشهد السردي البديع!! واللوحة الثانية نراها في غرفة الضيوف. من اللوحة تكسر إطار الصورة وتدخل (تالة) تدخل قبل والدها، وهي في منتصف العقد الثالث من زهوها، بيضاء طويلة تميل إلى النحافة، دخولها أضاء وجه العاشق الخاطب الذي وقف يستقبلها. ابتسم استضاء المكان. (أمسكت بيديّ حبيبها، واحتضنت وجهه الأسمر بعينين واسعتين فيهما حنان أم ولهفة عاشقة. تقرب وجهها من وجه حبيبها حامد وهامسته (تشجع) ندت عنه ضحكة صغيرة مرتبكة..) تكتمل اللوحة حين تقصد (تالة) النافذة وتسحب الستارة الداكنة الخضرة، فينكشف (شط العرب في الشمس، ثمة قارب منفوخ الشراع يبحر عبر النافذة) تفتح (تالة) الشُبّاك فيغمر الضيوف هواءٌ نديٌ كريمٌ من شط العرب.

(*)

وجهان لوالد (تالة) : وجه عصيّ مأزوم وهناك وجهه قبل الأزمة أعني قبل جرحه العميق. الوجه الأول يصافح الرجلين ولا يصافح الخاطب. وبهذا الوجه الصلد يدخل مباشراً بصلب الموضوع: قال مقاطعا والد الخاطب: أبنتي (تالة) رجتني أن أستقبلكم فوافقت. هي ابنتي الوحيدة وأنا أحاول ألا أرفض لها طلبا، ولكن ليس كل طلب، بالطبع.)

هنا يتغير المشهد: تدخل (تالة) يتبعها الخادم مرجان يحمل صينية فضية فيها أربع كؤوس من عصير. توزع الكؤوس وتنعطف (تالة) نحو حبيبها تبتسم لتخفف من اضطرابه. بدت متفائلة، تقترب أكثر من حبيبها حامد وتهمس: لا تدعه يرهبك.

(*)

سؤالي كقارئ أقول أن مراسم الخطوبة تحسمها النساء فيما بينهن. وتكرار ذلك من قبل الرجال مجرد ديكور. هنا بسبب غياب الأم أو الخالات والعمّات ازداد الأب صلابة ً. والسبب شخصه السارد الصقر (وجدته إنساناً ملولا يعاني الوحدة، ولا يريد التخلي عن أبنته لغريب.) هنا يبادر الخاطب ولكن بصوتٍ مرتجف متردد: عمي أنا مهندس.. أعمل في النفط

يزداد ارتباك الخاطب يستعين بوجه حبيبته (تالة) (نظرَ إلى وجه حبيبته يستمد العون من عينيها المشفقتين) وهنا المفاجأة الغرائبية الكبرى والسؤال الأشد غرابة. الأب يوجّه كلامه إلى أبنته وإلى الخاطب وأبيه والسارد :(يهمني أن أعرف كيف ينظر إلى النخلة؟). سؤال الأب تمردا على سياق المهمة التي جاؤوا من أجلها ثم تنطلق أسئلة الأب من بندقية لسانه نحو الخاطب: (قل لي ماذا تعرف عن النخيل؟ هل تعرف مَن زرع أول نخلة في البصرة؟ كم عدد أشجار النخيل عندنا؟ ماهي أنواعها؟ والأصناف النادرة منها؟)

هنا أراني كقارئ ضيفا على حكاية من حكايات الليالي الألف. وهذا الحكي لا يشوّه الهوية الروائية للنص بل يطعمها بأحجار كريمة ضمن السياق. حين نكمل نزهتنا في هذا الفصل اللذيذ ونجد التبرير على لسان (تالة) (أبي يرى في النخلة محور حياته، يحبها أكثر مني) ص117 

(*)

الأب..

 صدمتهُ الحرب صدمةً بالغة الكلفة. فهو يرى بعينيه الفلاحيتين استشهاد أكثر من مليون نخلة في البصرة، أثناء الحرب.

وهنا الجملة الموجعة والصادقة حين يقول الأب منذ مدة  كلّفتُ الفلاحين بإخلاء بساتيني من جذوع الأشجار الميتة. بدأت بالبساتين البعيدة، الفلاحون يعملون الآن. هنا تضيف (تالة): أبي ترك الأرض حول البيت، والأرض على ضفة الشط على حالها، كأنه يتلذذ بتعذيب نفسه، وهو يشهد كل يوم فراغها ماثلا أمامه.. يلتفت الأب حول زواره قائلا لكن الجانب الآخر لم يقلع ولا نخلة واحدة.. لا والله ولا نخلة واحدة. هنا المختلف الطرف العراقي يبيد نخل (أبو الخصيب) والطرف لم يجتث نخلة ً من نخيل الشاطئ الثاني!! السارد الصقر يتضامن مع الأب (شعرتُ بحزن.. أشركني هذا الرجل العجوز في حزنه) بعد لحظة يخبرنا السارد (فوجئنا بالرجل الضخم يجهش بالبكاء) وبخصوص (تالة) يخبرنا السارد (أشفقتُ على العاشقين واقترحتُ أن ننتظر، لعل الرجل الهرم يعود إلينا بمزاج مغاير).

(*)

(تالة) تنظر بإشفاق إلى وجه حبيبها، ثم تجلس جواره، فيمسك يدها بحب. لم ينتبه لنظرة أبيه المستنكرة. تركت يدها الصغيرة تستريح مستسلمة في كف حبيبها.. هذا المشهد الشفيف. يستدعي لدى قراءتي تشبث مادلين بالفتى الصقر

تالة في حالة تماهٍ مع حامد. بينما مادلين الشابة كانت تعيش تحت عوزين: المال وحنو زوجها عليها. وهي محظوظة حين تعرفت على الفتى الصقر. كان كريما وشريفاً.

السارد يشخص صوت تالة وهي تتحدث (كانت تتكلم بسرعة، وفي شيء من الانفعال، تحاول أن تأسرنا بحكاياتها، وتبعد عنا ملل الانتظار.

(*)

بعد فترة استراحة يعود الأب بوجه ثانٍ وجهٌ يتأسف ويكاد يعتذر للضيوف وبشهادتهم (أذهلتنا دماثتهُ المفاجئة) وها هو الأب يوّجه كلامه إلى الخاطب الذي جاء يسلب منه ابنته

(أسمع! لا مانع عندي من أن تتزوجك ابنتي، ما دامت هي اختارتك) كلام الأب مباغت.. سيوافق هكذا بِلا مفاوضات عسيرة. ما الذي غيّر الرجل؟ هل غيّرهُ مصيرهُ المحتوم؟

ضحكت (تالة) ومالت عليه وقبلته. وهنا تبرز مباغتة الأب الثانية: عندي شرط واحد إن قبل به ابنكم باركت لهما زواجهما!  يجيبه حامد (أنا مستعد، يا عمي، لأي شرط تشرطه علي) السارد يرصد والد (تالة) رأيتُ الرجل الهرم يرنو إلى الشاب المفتون بأبنته بشيء من التقدير المشوب بالإشفاق. (تالة) تنظر إلى حبيبها في فيض من الحب والإكبار. وتأويل الشرط بالنسبة لوالد (تالة) مزدوج القيمة

(أحقق هدفين: الأول أن أرى مدى حبك لأبنتي والثاني هو تحقيق حلم أحمله في قلبي منذ سنوات) ما هو  الشرط..؟ يوّجه والدها كلامه لوالد حامد(سوف أقطع لابنك أرضاً من بساتيني التي جردوها من النخيل على الشط، بمساحة عشرين (جريبا) وسوف أسجلها في (الطابو) باسمه واسم ابنتي، على أن ينظفها من الجذوع الساقطة)  وتتناسل شروط العجوز المخرف وكأن الخاطب أسيرٌ لديه وأقسى الشروط هو التالي (ما أنتظره منك هو أن تزرع في الأرض التي سوف أهبها لك ولأبنتي، فسيلة واحدة من كل صنف من أصناف التمور التي تجدها مكتوبة في هذه الأوراق..) ص128

 (*)

والد(تاله) قارب التسعين (ومَن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون) س. يس. آية 68 والتنكيس هو إرجاع الإنسان في كبره إلى ضعف يشبه ضعف الطفولة في الصبا، فيتحول من القوة إلى العجز ويضعف عقله. لذا فأن شرطه التعجيزي يجب أن نفهمه من نتائج التنكيس.

(*)

 لكن السارد يتضامن مع والد(تالة) ويقول عنه (لا أظنه مجنونا. إنما يحمل بين ضلوعه قلب طفل حالم، وقد وجد هذا الطفل فرصته لتحقيق حلمه الصعب، عندما تقدم ابنك الولهان يطلب منه ابنته) ص33 سؤال قراءتي هل كان السارد يوافق لو كان الخاطب ولده؟

(نزهتي الثانية)

هذه نزهتي الثانية في رواية مهدي عيسى الصقر(المقامة البصرية العصرية) وكانت نزهتي في الفصل المعنون (مجنون نخلة) وهو أطول فصول الرواية.