
ليس كتاب الدكتور علاء العبادي (فصوص الخاتم: حفريات في تجربة مقداد مسعود) مجرد قراءة نقدية لشاعر عراقي، ولا هو محاولة لإعادة تقديم تجربة شعرية عبر عبارات الاحتفاء المعتادة؛ إنما يبدو مشروعاً في تفكيك تجربة تتكئ على طبقات متراكبة من اللغة والذاكرة والأسئلة الوجودية والمرارة والسخرية. وهنا تكمن أهمية الكتاب: أن الناقد لم يتعامل مع مقداد مسعود بوصفه شاعراً ينبغي الاحتفاء به، بل بوصفه نصاً مفتوحاً على الاحتمال والمساءلة. فالقراءة النقدية الجادة لا تكتفي بأن تقول إن الشاعر مهم، وإنما تسأل: أين تكمن أهمية تجربته؟ وما الذي تقترحه للقصيدة العراقية؟ وما الذي يظل غامضاً أو ملتبساً أو قابلاً لإعادة القراءة؟
لعل مفردة (الحفريات) في العنوان ليست بريئة. إنها تحيل إلى قراءة لا تكتفي بسطح النص، بل تحاول الوصول إلى طبقاته الدفينة؛ إلى ما تخفيه اللغة بقدر ما تكشفه، وإلى المسافة بين ما يقوله الشاعر وما تتركه القصيدة من ظلال وأسئلة. أما (فصوص الخاتم) فتمنح العنوان دلالة أخرى؛ فالتجربة الشعرية هنا ليست كتلة واحدة مغلقة، وإنما مجموعة فصوص متجاورة، لكل منها بريقه ودلالته، لكن قيمتها النهائية تتشكل من انتظامها داخل خاتم التجربة كلها. والعبارة التي يضعها العبادي في ظهر الكتاب حول قدرة مقداد مسعود على المزج بين النقد اللاذع والحس الصوفي، والتفكيك والتأسيس، والسخرية المرّة والرقة المدهشة، تفتح باباً مهماً لفهم هذه التجربة. فالشاعر الذي يجمع هذه المتناقضات لا يكتب من موقع الاطمئنان، بل من منطقة القلق؛ ولا يتعامل مع القصيدة بوصفها ملاذاً جاهزاً، بل بوصفها مساحة صراع بين الإنسان والعالم واللغة والذاكرة.
هنا تحديداً تصبح السخرية أكثر من تقنية أسلوبية؛ إنها موقف من واقع فقد كثيراً من قابليته للتصديق. كما أن الحس الصوفي، في مثل هذه التجربة، لا يعني بالضرورة الانتماء إلى خطاب صوفي تقليدي، بقدر ما يعني البحث عن المعنى في منطقة تتجاوز المباشر والمحسوس. وبين السخرية والتصوف تتحرك القصيدة في فضاء بالغ التوتر: تهدم المعنى لكي تعيد بناءه، وتشُكّك في اليقين من أجل الوصول إلى سؤال أعمق. لكن قيمة القراءة النقدية لا ينبغي أن تقاس بمقدار إعجابها بالشاعر، وإنما بقدرتها على الاقتراب من المناطق التي قد لا يرغب الشاعر نفسه في الكشف عنها. ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على كتاب العبادي هو: هل تكفي مفاتيح السخرية والتصوف والتفكيك لتفسير تجربة بهذا الاتساع، أم أن النصوص تخفي أنساقاً أخرى تحتاج إلى مقاربات مغايرة؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من التجربة، بل تمنحها حقها الحقيقي في النقد. فالشاعر الكبير لا يحتاج إلى ناقد يضع حول تجربته سياجاً من المديح، وإنما يحتاج إلى ناقد يغامر بالدخول إلى المناطق الوعرة في نصه، ويختبر تناقضاته، ويكشف مساحاته المضيئة والمعتمة معاً. ومن الجوانب المهمة في الكتاب أن القسم النقدي لا يأتي منفصلاً عن النصوص؛ إذ يليه قسم يضم مختارات من خمس عشرة مجموعة شعرية. وهذه البنية تمنح القارئ فرصة مهمة: أن يقرأ الحكم النقدي، ثم يعود إلى النص، وأن يختبر بنفسه ما يقوله الناقد. وهنا يتحول القارئ من متلقٍ للحكم إلى شريك في إنتاجه.
إن النقد الذي يكتفي بتلخيص الشاعر يظل تابعاً للنص، أما النقد الذي يضع النص في مواجهة أسئلته الكبرى فإنه يتحول إلى كتابة موازية. وربما هذه هي المساحة التي يطمح إليها كتاب «فصوص الخاتم»: ألا يكون شرحاً لمقداد مسعود، بل إعادة اكتشاف له. فالشعر الحقيقي لا تنتهي مهمته حين ينتهي الشاعر من كتابة القصيدة؛ بل تبدأ حياة أخرى للنص عندما يدخل فضاء القراءة. وكل قراءة عميقة تعيد تشكيل النص، وتمنحه احتمالاً جديداً. ومن هذه الزاوية، فإن تجربة مقداد مسعود لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها تجربة مكتملة ومغلقة، بل بوصفها مشروعاً قابلاً للحفر المستمر. وهذا ما يجعل الكتاب جديراً بالقراءة: لأنه يضع الشاعر والناقد والقارئ في منطقة واحدة من القلق؛ فلا الشاعر يمتلك الكلمة الأخيرة، ولا الناقد يمتلك الحقيقة الأخيرة، ولا القارئ مطالب بأن يقبل الخلاصات الجاهزة.
في النهاية، ليست قيمة القصيدة في أن تمنحنا جواباً، بل في قدرتها على أن تجعل السؤال أكثر عمقاً. وربما هنا تحديداً تكمن إحدى نقاط الالتقاء بين مقداد مسعود وقراءة علاء العبادي: كلاهما يترك الباب مفتوحاً، لأن النص الذي يُغلق أبوابه يموت، أما النص الذي يظل قابلاً للحفر فإنه يواصل الحياة.







