
أولًا: الطفل الذي سرقته الجهات الأربع
في الليلة التي ولد فيها سهيل سامي نادر في البصرة سنة 1943، حدث ما لم تسجله دفاتر النفوس، ولم تنتبه إليه الصحف، ولم يعثر عليه المؤرخون في محفوظات الدولة: توقفت البوصلة العراقية عن الإشارة إلى الشمال، واستدارت إبرتها نحو سرير طفل لم يكن يعرف بعد أن البلاد التي استقبلته قد أضاعت جهة الصباح. كانت البصرة نائمة فوق أكتاف أنهارها، وكان شط العرب يجر وراءه تواريخ السفن والغزاة والتجار والعشاق والموتى، حين خرج من الماء رجل طويل يرتدي عباءة من الطمي، يحمل صندوقًا صغيرًا تتدلى منه أربعة مفاتيح صدئة. وقف عند النافذة، وتأمل الطفل النائم، ثم وضع الصندوق تحت سريره واختفى، تاركًا وراءه رائحة ماء قديم وصوتًا يشبه احتكاك السلاسل بأبواب السجون. لم يكن الرجل نبيًا ولا ساحرًا، بل كان العراق نفسه، وقد ضاق بجسده الجغرافي، فقرر أن يتجسد في هيئة مسافر يبحث عمن يحمل ذاكرته. أما المفاتيح الأربعة فكانت تشير إلى الجهات التي ستضيع تباعًا: جهة الحقيقة، وجهة العدالة، وجهة الجمال، وجهة المستقبل. ومنذ تلك الليلة، صار الصندوق يكبر كلما تغيرت حكومة، ويثقل كلما ارتفعت صورة زعيم فوق صورة زعيم آخر، حتى بدا أن الطفل لم يولد في بيت عراقي، بل ولد داخل حقيبة سفر أعدتها البلاد لرحلة لا تعرف نهايتها. وكان أبوه سامي نادر أحد المؤسسين التاريخيين للحزب الشيوعي العراقي، وهي حقيقة جعلت السياسة جزءًا من الأفق العائلي الذي نشأ فيه الابن، في زمن لم تكن فيه الأفكار مجرد اختيارات ذهنية، بل كانت قادرة على أن تصبح مصائر شخصية وعائلية. ولم يكن الطفل مسؤولًا عن تلك الأقدار، كما لم يكن قادرًا على اختيار القرن الذي جاء إليه، غير أن العراق كان قد اخترع قانونًا عجيبًا لا يوجد في دساتير العالم: يستطيع الإنسان أن يرث من أبيه اسمًا وملامح وبيتًا، لكنه قد يرث أيضًا خصومات لم يشارك فيها، وهزائم لم يشهدها، وأحلامًا سبقت ولادته ثم طالبت به شاهدًا على موتها. وكانت البصرة تعرف هذا القانون جيدًا، ولذلك لم تغنِّ للطفل أغنية المهد المعتادة، بل أخذت تهدهده بأصوات السفن التي تغادر ولا تعود، وبحكايات الرجال الذين خرجوا إلى السياسة وهم يظنون أنهم يفتحون أبواب المستقبل، فإذا بالمستقبل يتحول إلى ممر طويل تتناوب على حراسته الانقلابات. وفي كل مرة كانت الأمواج تضرب ضفاف النهر، كانت البوصلة الصغيرة تحت السرير ترتجف، كأنها تسمع وقع أحذية قادمة من سنوات لم تولد بعد. وحين كبر سهيل، اكتشف أن البلاد ليست خريطة معلقة في غرفة الدراسة، وإنما مخلوق هائل فقد القدرة على التمييز بين أعضائه، فأصبح يضرب يده بيده، ويكسر أسنانه بأسنانه، ثم يقف أمام المرآة متسائلًا عن هوية المعتدي. وكان هذا المخلوق يملك موهبة استثنائية في تغيير جلده؛ ينام ملكيًا ويستيقظ جمهوريًا، يدخل الليل بشعار ويخرج منه بشعار آخر، يرفع رجلًا إلى السماء ثم يحفر له حفرة في الأرض، ويطلب من الناس أن يصفقوا في الحالتين بالحماسة نفسها. ولم تكن المشكلة في تبدل السلطة وحده، بل في ذلك الاختلال العميق الذي يجعل المجتمع يتعلم كيف يغيّر كلماته قبل أن يغيّر قناعاته، وكيف يختبئ خلف اللغة حين تصبح الحقيقة مكلفة، وكيف يتعامل مع الخوف بوصفه حكمة موروثة. وفي هذا العالم الذي تتحول فيه المفردات إلى ملابس عسكرية، كان سهيل سامي نادر يتعلم مهنة النظر، وهي مهنة أشد خطورة من الكتابة، لأن الكاتب يستطيع أن يختار كلماته، أما الذي يتعلم الرؤية فلا يستطيع دائمًا أن يختار ما تقع عليه عيناه. وحين دخل عالم الصحافة، لم يجد أمامه أخبارًا تسير مستقيمة نحو القراء، بل وجدها مخلوقات صغيرة تدخل غرف التحرير بأقدام بشرية وتخرج منها بأجنحة رسمية، تحمل وجوهًا مختلفة بحسب الجهة التي تنظر إليها. كانت الحقيقة تجلس في زاوية معتمة، ترتدي ثوب امرأة فقدت أبناءها، وكلما اقترب منها صحفي وضعت إصبعها على فمها، لا لأنها تريد الصمت، بل لأنها تعرف أن الكلام في بعض الأزمنة يحتاج إلى شجاعة تفوق قدرة الكلمات على الاحتمال. وهناك التقى سهيل للمرة الأولى بكائن غريب، له وجه موظف حكومي، وأصابع محاسب، وعينان من زجاج الصحف القديمة. كان اسمه سوء الحظ، وكان يحمل سجلًا ضخمًا بأسماء العراقيين الذين ولدوا في الأزمنة غير المناسبة. حاول الكائن أن يقنعه بأن ما يجري ليس سوى سلسلة مصادفات سيئة، وأن الإنسان العاقل ينبغي أن يتصالح مع خسائره ويترك للتاريخ مهمة تفسير نفسه، لكن سهيل اكتشف مبكرًا أن المصادفة لا تستطيع وحدها بناء السجون، ولا تستطيع إصدار الأوامر، ولا تستطيع تحويل وطن إلى ساحة يتبادل فيها الأقوياء حق امتلاك أرواح الضعفاء. ومنذ ذلك الحين، بدأت الخصومة بين الكاتب وسوء الحظ، لا لأن الأول كان قادرًا على هزيمة الثاني، بل لأنه رفض منحه حق تفسير العالم. كان يدرك أن أكثر الأكاذيب التاريخية براعة هي تلك التي ترتدي ثياب القدر، وأن الخراب حين يسمى حظًا عاثرًا يفقد أسماء الذين صنعوه. وهكذا بدأت رحلته الطويلة، لا بحثًا عن بطولة شخصية، ولا رغبة في كتابة شهادة براءة لنفسه، بل بحثًا عن الجهات الأربع التي فقدتها البلاد. وكان عليه أن يدخل الصحافة ليفتش عن الحقيقة، وأن يدخل الفن ليفتش عن الجمال، وأن يدخل الرواية ليفتش عن الإنسان، وأن يعود إلى الذاكرة ليفتش عن المستقبل. غير أنه لم يكن يعرف أن كل جهة سيعثر عليها ستكون مصابة بعطب مختلف، وأن البوصلة التي وضعها العراق تحت سريره لم تكن أداة للعثور على الطريق، بل جهازًا غريبًا يكشف مقدار الضياع كلما اقترب صاحبها من الحقيقة.
ثانيًا: متحف الجلود الحية واللوحات التي رفضت الموت
في صباح لا يعرف أحد تاريخه، وصلت إلى سهيل سامي نادر رسالة كتبها لون أزرق هارب من لوحة عراقية، يقول فيها إن الألوان أعلنت العصيان، وإن المتحف الوطني المتخيل للفنون قد تحول إلى مستشفى للصور الجريحة، وإن اللوحات تطالب بحضور ناقد يستطيع أن يسمع ما تقوله الأشياء حين تتوقف اللغة عن أداء وظيفتها. دخل سهيل المتحف، فوجد الجدران تتنفس، والتماثيل تنزع عن أجسادها الغبار كما ينزع المسافر ثياب الطريق، والألوان تتشاجر حول ملكية الضوء. كان الأحمر يصرخ بأنه تعب من تمثيل الدم، والأسود يطالب بحق الظلام في أن يكون جميلًا، والأبيض يجلس في زاوية مرتجفًا لأنه استُخدم طويلًا لتغطية الجدران التي تخفي وراءها الشقوق. أما الأزرق الذي أرسل الرسالة فكان واقفًا أمام نافذة مغلقة، يحاول إقناع السماء بأن تعيد إليه اسمه. وفي وسط القاعة كان يقف رجلان خرجا من كتاب واحد، أحدهما مصنوع من الحجر والخشب والحديد، والآخر من الحرير والماء والهواء، يتنازعان على تفسير الفن العراقي. كان الأول يدعى الخشن، والثاني الناعم، وقد ظلا قرونًا يتبادلان الاتهامات؛ فالخشن يرى أن الجمال الذي لا يحمل أثر المعاناة مجرد زينة للأثرياء، والناعم يرى أن الفن الذي يكتفي بإعادة إنتاج القسوة يفقد قدرته على تحرير الحساسية الإنسانية. لكن سهيل لم ينحز إلى أحدهما، لأنه كان يعرف أن الفن لا يولد من انتصار المادة على الرقة، ولا من انتصار الرقة على المادة، بل من ذلك التوتر الذي يجعل الحجر قادرًا على الحلم، واللون قادرًا على الاعتراض، والخط قادرًا على حمل ذاكرة كاملة من دون أن يتحول إلى خطبة. وهكذا صار كتابه الخشن والناعم، بجزأيه، في الحكاية، مملكة تتجاور فيها الأشكال المتنافرة، لا لكي تتصالح قسرًا، بل لكي تكشف أن التجربة التشكيلية العراقية لا يمكن اختزالها إلى وصفة جمالية واحدة، وأن تاريخ الفن ليس طابورًا من الأسماء والأساليب، وإنما تاريخ طرائق مختلفة في النظر إلى العالم. وكان المتحف، كلما تقدم فيه الناقد، يكشف عن غرفة جديدة، حتى وصل إلى قاعة لا أبواب لها، تتوسطها قطعة جدار قديم، مغطاة بالخدوش والكتابات الممحوة وآثار الأيدي التي مرت فوقه. وحين اقترب، نهض الجدار من مكانه، وسأله لماذا يصر البشر على الاعتقاد بأن ما يمحوه الزمن قد انتهى وجوده، ولماذا يظنون أن الجدار سطح صامت، مع أنه يحتفظ بما تعجز الذاكرة البشرية عن حمله. كانت تلك القاعة تستحضر عالم شاكر حسن آل سعيد، الذي خصه سهيل بكتاب عن سيرته الفنية والفكرية، لا باعتباره اسمًا كبيرًا ينبغي الاحتفال به فحسب، بل بوصفه تجربة تستدعي تأمل العلاقة بين الأثر والسطح والزمن والوجود. وفي هذا العالم لا تعود اللوحة نافذة يطل منها المتفرج على مشهد جاهز، بل تصبح كائنًا يطالب من ينظر إليه بأن يراجع مفهومه عن الرؤية نفسها. وكان الجدار العجائبي يحمل على جسده ألف مدينة، بعضها اندثر، وبعضها لم يولد بعد، وكل خدش فيه يشبه رسالة كتبها مجهول ثم تركها للقرون. وحين حاول سوء الحظ دخول القاعة، لم يجد مكانًا يضع فيه قدميه، لأن الأرض كانت مغطاة بآثار أناس لم يستطع التاريخ تسجيل أسمائهم. هناك أدرك أن الفن يمتلك قدرة لا تستطيع السلطة التحكم فيها كاملًا: إنه يمنح الغائب شكلًا من الحضور، ويجعل الأثر الصغير أحيانًا أشد بقاء من النصب العظيم. ولم تكن هذه القدرة انتصارًا مضمونًا على المحو، فاللوحات يمكن أن تضيع، والتماثيل يمكن أن تتحطم، والذاكرة الفنية نفسها يمكن أن تتعرض للتشويه، لكنها قدرة على مقاومة الفكرة التي تزعم أن ما لم يعد موجودًا أمام العين قد فقد معناه. ومن هذه القاعة خرج كتاب نزولًا من عتبات البيت، يحمل تماثيل صغيرة وقطعًا أثرية وأوراقًا عن الأدب، ويسير مثل رجل يترك منزله للمرة الأولى بعد حصار طويل. كانت العتبة التي نزل منها أعلى مما تبدو، لأنها تفصل بين البيت بوصفه مخزنًا للذاكرة، والعالم بوصفه ساحة لاختبار تلك الذاكرة. وكانت التماثيل تتكلم مع الروايات، والآثار تصغي إلى القصص، والحجارة تتساءل لماذا يكتب البشر أسماءهم على الأشياء إذا كانوا يعرفون أنهم سيموتون. وهنا تتضح فرادة الحركة الثقافية لدى سهيل سامي نادر؛ فهو لا يعامل الصحافة والفن والأدب بوصفها جزرًا معزولة، وإنما يتحرك بينها بحثًا عن وجوه مختلفة للتجربة الإنسانية. فالصحافة ترى الحدث حين يقع، والفن يرى ما يتركه الحدث في الحساسية، والأدب يرى ما يحدث للإنسان حين يتحول الحدث إلى مصير. وليس في هذا التنقل ضمان للتفوق أو العصمة، لكنه يمنح صاحبه فرصة للنجاة من ضيق التخصص حين يتحول التخصص إلى سجن، ومن سطوة الأحكام الجاهزة حين تصبح المعرفة مجرد إعادة إنتاج لما يعرفه الجميع. وكان المتحف قد بدأ يضيق بالزائر، لأن اللوحات اكتشفت أنه لا يريد الاكتفاء بتفسيرها، بل يريد أن يعرف لماذا احتاج المجتمع العراقي إلى كل هذا الجمال وهو غارق في كل هذا العنف. عندئذ انشقت الأرض، وخرج منها تمثال ضخم بلا رأس، يحمل في يده بوصلة مكسورة. لم يطلب التمثال رأسًا جديدًا، بل طلب جهة يقف نحوها، لأن المأساة الكبرى ليست أن يفقد الإنسان صورته، بل أن يفقد القدرة على تحديد موقعه من العالم. أخذ سهيل البوصلة، فوجد إبرتها تشير إلى الأسفل، نحو طبقات الأرض التي تراكمت فيها آثار المدن والحضارات والبيوت المنسية. أدرك أن الجمال لا يعيش فوق التاريخ كما تعيش الزهرة فوق طاولة، بل ينمو في داخله، وأن الفن العراقي، في تعدده وتوتراته، ليس مجرد شهادة على الذائقة، بل جزء من تاريخ المجتمع وهو يحاول أن يمنح خبرته شكلًا قابلًا للرؤية. وحين غادر المتحف، كانت الألوان قد عادت إلى لوحاتها، لكن الأزرق رفض العودة، ورافقه حتى نهاية الشارع، ثم تحول إلى شريط ضوء صغير دخل في البوصلة واستقر قرب الإبرة. لقد عثر الكاتب على جهة الجمال، لكنه اكتشف أنها لا تشير إلى مكان آمن، وإنما إلى قدرة الإنسان على رؤية ما تبقى من العالم بعد أن يمر الخراب فوقه. وكانت تلك أول مرة تضيء فيها البوصلة منذ ليلة البصرة، غير أن الضوء لم يكشف طريق العودة، بل كشف بابًا حجريًا مرتفعًا في آخر المدينة، وفوقه كلمة واحدة: التل.
ثالثًا: التل الذي ابتلع التاريخ والمدينة التي فقدت ظلها
لم يكن التل جبلًا، ولا أطلال مدينة، ولا مرتفعًا من التراب وحده، بل كان في الحكاية مخلوقًا هائلًا صنعته السنوات العراقية حين عجزت عن دفن موتاها دفنًا نهائيًا. كان يتنفس ببطء، وكلما زفر خرجت من صدره قصاصة صحيفة أو صورة بيت أو صدى هتاف قديم، وكلما استنشق ابتلع اسمًا من أسماء الذين مروا في البلاد ولم يجدوا مكانًا ثابتًا في ذاكرتها. وقف سهيل سامي نادر أمامه، فسمع صوتًا يأتي من الأعماق، يسأله لماذا ترك الصحافة والنقد الفني ودخل الرواية، مع أن الرواية لا تملك سلطة إصدار الأحكام ولا تستطيع تقديم شهادة تاريخية بالمعنى الوثائقي. لم يكن الجواب أن الخيال أصدق من الواقع دائمًا، فذلك ادعاء لا يقل تبسيطًا عن الاعتقاد بأن الوثيقة تقول الحقيقة كاملة، وإنما أن الرواية تستطيع إعادة تركيب التجربة الإنسانية في صور ومصائر لا تتسع لها لغة التقرير. وقد كانت روايته التل، التي ارتبط ظهورها الأدبي ببدايات القرن الحادي والعشرين، منعطفًا لافتًا في استقبال تجربته، وحظيت باهتمام نقدي جعلها تتجاوز كونها محاولة روائية أولى. وفي هذا المشهد العجائبي، كان التل نفسه يطالب الكاتب بأن ينقذه من المؤرخين الذين يريدون تحويله إلى طبقات زمنية صامتة، ومن السياسيين الذين يريدون جعله منصة لإلقاء الخطب، ومن الحالمين الذين يتصورون أن الماضي كان فردوسًا ضائعًا. كان يريد أن يبقى مكانًا تتصارع فيه الأزمنة، وأن يسمح للأحياء بأن يروا كيف تتراكم المصائر تحت أقدامهم من دون أن يشعروا. وحين صعد سهيل إلى قمته، وجد مدينة كاملة تتحرك تحت التراب، بيوتها تفتح نوافذها على سنوات مختلفة، وسكانها يحملون ساعات لا تتفق على توقيت واحد، وشوارعها تتقاطع مع طرق لم تُشق بعد. وكان أكثر ما يثير الرعب أن المدينة لا تعرف أنها مدفونة؛ فهي تواصل حياتها اليومية، تبيع الخبز، وتفتح المدارس، وتعلق الصور، وتختلف حول السياسة، كأن الموت التاريخي لا يمنع المجتمعات من ممارسة عاداتها القديمة. وفي وسط المدينة كان هناك برج كبير، تتدلى منه آلاف المفاتيح، لكن الأبواب جميعها كانت مفتوحة على الغرفة نفسها. وكلما حاول أحد السكان الخروج، وجد نفسه يعود إلى المكان الذي بدأ منه، لا لأن المدينة مسحورة، بل لأن الخيال أراد أن يجعل من تكرار الإخفاق صورة مرئية، وأن يسأل كيف تستطيع المجتمعات أن تغير حكامها وشعاراتها وأسماء شوارعها من دون أن تغير دائمًا أنماط السلطة والخوف والإقصاء التي تعيد إنتاج أزماتها. وحين غادر التل، وجد أمامه مستشفى واسعًا يحمل اسم المريض العراقي، وفي داخله سلالم لا تصعد إلى الطوابق العليا، بل تنزل جميعها نحو قبو لا قرار له. كان المستشفى يعج بمرضى يرتدون أقنعة البطولة، وبعضهم يحمل شهادات وطنية ضخمة، وآخرون يضعون على صدورهم أوسمة صنعوها بأنفسهم، لكنهم جميعًا يخافون من المرآة الموجودة في آخر الممر. كان كتاب المريض العراقي: سلالم نازلة إلى الإخفاق السياسي الكبير قد تحول إلى مسرح للأمراض السياسية والثقافية التي لا يمكن تفسيرها بالسلطة وحدها، ولا يجوز في الوقت نفسه تحميلها للمجتمع بمعزل عن تاريخ القهر والعنف. ففي المرآة الأولى ظهر رجل يطالب بالحرية ثم يصادرها من المختلفين معه، وفي الثانية ظهر خطيب يلعن الطغيان وهو يتدرب على ممارسته، وفي الثالثة ظهر جمهور يصفق لمن يعده بالخلاص ثم يكتشف أن الخلاص يحتاج إلى جمهور آخر، وفي الرابعة ظهرت ذاكرة جماعية تحمل دفترًا للثأر أكبر من دفتر التعلم. لم تكن هذه المشاهد نقلًا لأحداث الكتاب، بل تجسيدًا عجائبيًا للأسئلة التي يثيرها مشروعه النقدي، حيث لا يعود الإخفاق السياسي مجرد حادثة تقع في أعلى الدولة، بل يصبح مشكلة تتداخل فيها الثقافة والمؤسسات والتربية والخوف والمصالح والتصورات الموروثة عن القوة والشرعية. وكان أخطر ما في المستشفى أن المرضى يرفضون التشخيص، لأنهم يظنون أن الاعتراف بالمرض إهانة للكرامة الوطنية، مع أن الكرامة التي تخشى الحقيقة تتحول بالتدريج إلى قناع يحمي العطب بدل أن يحمي الإنسان. وحين اقترب سهيل من السلم الأخير، وجد سوء الحظ جالسًا عند نهايته، يبكي لأن المرضى اتخذوه تفسيرًا جاهزًا لكل شيء، حتى أصبح عاجزًا عن الدفاع عن نفسه. كان يريد أن يقول إن الحظ لا يسن القوانين ولا يصنع الاستبداد ولا يختار الضحايا، لكن أحدًا لم يكن مستعدًا لسماعه، لأن تفسير الكارثة بالمصادفة أقل إيلامًا من الاعتراف بمسؤولياتها البشرية. خرج الكاتب من المستشفى، فوجد بغداد تنتظره عند بوابة حي 14 تموز، وقد ارتدت المدينة ثوبًا مصنوعًا من أسماء الأزقة والبيوت والسنوات. كانت تحمل في يدها لافتة تشير إلى يوم الرابع عشر من تموز سنة 1958، لكنها لم تكن تريد من الزائر أن يعيد عليها حكاية سقوط النظام الملكي وقيام الجمهورية، بل أن يسأل عما يحدث للناس حين تتحول التواريخ السياسية إلى أسماء للأماكن التي يعيشون فيها. وكانت رواية حي 14 تموز، الصادرة سنة 2023، قد جاءت بعد مسافة زمنية طويلة من روايته الأولى، كأن الروائي عاد إلى المدينة ليكتشف أن الأمكنة لا تحتفظ بمعانيها كما تحتفظ الجدران بألوان الطلاء. فقد يكون الاسم نفسه وعدًا بالتحرر عند جيل، وذكرى خسارة عند جيل آخر، وعلامة جغرافية لا تحمل حماسة سياسية عند جيل ثالث. وكانت البيوت في الحي تتحرك أثناء الليل، وتبدل مواقعها، وتتشاجر حول ذكريات سكانها، ثم تعود عند الفجر إلى أماكنها الأصلية كي لا يلاحظ أحد أن المدينة تقضي الليل في مراجعة تاريخها. وفي أحد الشوارع وجد سهيل طفلًا يحاول رسم شمس فوق جدار، لكن الشمس كانت تسقط كلما انتهى من رسمها، لأن الجدار لم يعد يثق بالضوء. سأله الطفل عن سبب كثرة التواريخ في أسماء الشوارع العراقية، وقلة الأيام التي يستطيع الناس تذكرها بوصفها أيامًا سعيدة، فبقي السؤال معلقًا في الهواء، لا لأن الجواب مستحيل، بل لأن تاريخ الجماعات كثيرًا ما يبتلع تواريخ الأفراد، حتى يصبح اليوم العظيم في السجل السياسي يومًا عاديًا أو مؤلمًا في ذاكرة من عاشوه. وعند نهاية الحي ظهرت واجهة بحرية مضاءة بألف مصباح، وخلفها امرأة ترتجف من الحمى، وكانت الريفيرا العربي وحمّى النجمة قد دخلتا الحكاية في هيئة صورتين متقابلتين، إحداهما للبريق الذي يعد بالخلاص من خشونة الحياة، والأخرى لاضطراب الرغبة حين تعجز الصور اللامعة عن إخفاء القلق. لم يكن من الضروري اختراع وقائع روائية لم ترد في المادة المتاحة، فالعنوانان وحدهما يكفيان لفتح باب رمزي على عالم تتسع فيه المسافة بين الواجهة وما تخفيه، بين الحلم الاجتماعي وما يتركه من ارتباك. وكانت البوصلة في يد سهيل تدور بعنف، لأنها اكتشفت أن جهة الإنسان ليست مكانًا ثابتًا، وأن الروائي لا يستطيع العثور عليها بمجرد الوصول إلى مدينة أو حي أو شاطئ، بل عليه أن يواصل البحث في المسافة بين ما يقوله الناس عن أنفسهم وما تسمح لهم ظروفهم بأن يكونوه. وحين أقبل الليل، اختفت المدينة فجأة، ولم يبق منها سوى ظل ضخم على الأرض، يتحرك من دون جسد، ففهم الكاتب أن البلاد قد تفقد مؤسساتها وأحلامها وصورها القديمة، لكنها تترك وراءها ظلالًا طويلة تستمر في مرافقة الأجيال. وكانت البوصلة قد عثرت على جهة ثالثة، لكنها لم تعد تشير إلى الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، بل إلى قلب إنسان مجهول يطرق من داخل الأرض، كأنه يطلب من التاريخ أن يفسح له مكانًا في الحكاية.
رابعًا: محاكمة الفجر في جمهورية الساعات المكسورة
في الليلة الأخيرة من الرحلة، وصل سهيل سامي نادر إلى مدينة لا تشرق فيها الشمس إلا بعد صدور موافقة رسمية، وكانت الموافقة تتأخر كل صباح بسبب خلاف بين الوزارات حول الجهة المسؤولة عن توزيع الضوء. في تلك المدينة كانت الساعات معلقة على الأشجار بدل الثمار، وكانت عقاربها تتحرك إلى الخلف كلما أعلنت السلطة بداية مرحلة جديدة، أما الناس فكانوا يحملون مصابيح صغيرة يضيئون بها وجوههم كي يتأكدوا أنهم لم يتحولوا إلى صور قديمة. وفي وسط الساحة قامت محكمة هائلة، أبوابها مصنوعة من صفحات الجرائد، وسقفها من خرائط العراق المتعاقبة، وعلى مقاعدها جلس شهود غريبون: باب بيت اقتلع من مكانه، وتمثال فقد رأسه، ولوحة هرب منها لونها الأزرق، وشارع تغير اسمه مرات كثيرة حتى نسي اسمه الأول، وكتاب مذكرات يمشي على قدمين متعبتين. كان ذلك الكتاب سوء حظ: ذكريات صحفي في زمن الانقلابات، الذي صدر سنة 2020، وقد جاء يحمل بين صفحاته زمنًا عراقيًا مضطربًا لا يمكن اختزاله إلى سيرة فردية، لأن الإنسان الذي عاش وسط التحولات السياسية المتلاحقة لا يحمل ذاكرته وحده، بل يحمل معها أصداء الجماعة التي عاصرها، وأحلامها ومخاوفها وأشكال تكيفها مع السلطة. وكان الكتاب يرفض أن يجلس في مقعد الضحية، ويصر على الوقوف في منصة الشهود، لأن المذكرات حين تكتفي بتعداد المصائب قد تتحول إلى مرثية شخصية، أما حين تحاول فهم الزمن الذي أنتجها فإنها تصبح نافذة على التاريخ الاجتماعي والسياسي، مع بقائها شهادة ذاتية تحتاج إلى القراءة النقدية والمقارنة بغيرها من الشهادات. وقد كان عنوان سوء حظ شديد المكر، لأنه يوحي في ظاهره باستسلام ساخر للمصادفة، بينما يفتح في عمقه سؤالًا عن مسؤولية البشر عن صناعة المصائر التي يصفونها بأنها أقدار. وقف كائن سوء الحظ أمام القاضي، وكان قد فقد معطفه الرسمي، وبدت عليه الشيخوخة، ثم أعلن أنه لم يعد قادرًا على احتمال كل الاتهامات الموجهة إليه، وأنه ليس مسؤولًا عن الانقلابات ولا عن السجون ولا عن تمزيق المؤسسات ولا عن تحويل الثقافة السياسية إلى سلسلة من الخصومات التي تورثها الأجيال بعضها لبعض. وكان اعتراضه يحمل مفارقة موجعة: فحين نسمي المأساة سوء حظ، قد نعفي صانعيها من المسؤولية، وحين نصف التاريخ بأنه قدر لا مهرب منه، قد نحرم المستقبل من حق الاختلاف عنه. لكن المحكمة لم تكن تبحث عن متهم واحد، لأن البلاد التي تتكرر فيها الإخفاقات لا يمكن تفسير تاريخها بفاعل منفرد، ولا بعلة سحرية تختبئ خلف الأحداث، بل تحتاج إلى فهم شبكة معقدة من المؤسسات والمصالح والثقافات والقرارات والتحولات الاجتماعية. وكان سهيل يقف أمام هذه الشبكة لا بوصفه قاضيًا يمتلك الأحكام النهائية، بل كاتبًا جرّب أدوات مختلفة في الاقتراب منها؛ الصحافة التي تلتقط الحدث، والنقد الفني الذي يقرأ أثر التجربة في الأشكال، والرواية التي تعيد تخيل المصائر، والمذكرات التي تستعيد ما انقضى من موقع الشاهد. وفي لحظة مفاجئة دخل العراق إلى المحكمة، لا في هيئة خريطة أو علم، بل في صورة رجل عجوز يحمل سرير طفل على ظهره، وكان السرير نفسه الذي ظهر في بداية الحكاية. وقف الرجل وسط القاعة، ووضع السرير أمام القاضي، ثم أخذ يخرج من جيوبه أسماء مدن وأحياء وصحف وكتب ولوحات، حتى امتلأت الأرض بأشياء لا يستطيع أحد ترتيبها. كان يريد أن يعرف لماذا أصبح تاريخه أثقل من قدرته على الاحتمال، ولماذا ينجح أبناؤه في إنتاج المعاني والجمال والكتابة بينما تتعثر مؤسساته مرارًا في حماية شروط الحياة الكريمة، ولماذا يتعلم الناس النجاة من الكوارث أكثر مما يتعلمون منعها. لم يقدم الكاتب جوابًا سحريًا، لأن الأدب الذي يزعم امتلاك مفاتيح الخلاص يفقد غالبًا قدرته على طرح الأسئلة، لكنه وضع أمام الرجل العجوز كتبه كلها، لا باعتبارها وصفة للعلاج، بل باعتبارها محاولات متفرقة لفهم العطب من جهات متعددة. اقترب الخشن والناعم من سرير الطفل، ووضعا عند رأسه قطعة حجر وقطعة حرير، ثم جاءت سيرة شاكر حسن آل سعيد ووضعت على الغطاء أثرًا من جدار قديم، وصعد التل إلى جوار السرير مثل حارس من تراب، وجاء المريض العراقي يحمل مرآة، ووقف حي 14 تموز عند الباب، بينما أضاءت الريفيرا العربي مصباحًا صغيرًا، وظلت حمّى النجمة ترتجف قرب النافذة. وأخيرًا تقدم سوء حظ ووضع دفتره تحت الوسادة، ثم انسحب من المحكمة من دون أن يطلب البراءة، كأنه أدرك أن أعظم هزيمة يمكن أن تلحق به هي أن يتحول اسمه من تفسير نهائي للمأساة إلى سؤال عن أسبابها. عندئذ بدأت الساعات المعلقة على الأشجار تتساقط واحدة بعد أخرى، وتكسرت عقاربها فوق الأرض، لكن الزمن لم يتوقف؛ فقد استمر الناس في التنفس، واستمرت المدينة في الحركة، واستمر الطفل النائم في السرير يكبر داخل الحكاية. وكانت المحكمة قد اكتشفت أن الفجر لا يمكن استدعاؤه بقرار إداري، وأن الضوء الذي تمنحه السلطة يمكنها أن تسحبه، أما الضوء الذي يتولد من المعرفة والنقد والقدرة على مراجعة الذات فلا يحتاج إلى ختم رسمي كي يبدأ. ومع ذلك لم يكن الفجر مضمونًا، ولم تكن البوصلة التي حملها سهيل سامي نادر قادرة وحدها على إنقاذ البلاد، لأن الكتابة لا تبني المؤسسات بدل الناس، ولا تستطيع الرواية إلغاء العنف بمجرد فضحه، ولا يمنح النقد الفني المجتمع مناعة تلقائية ضد القبح. لكن هذه المحدودية ليست دليلًا على عبث الكتابة، بل على طبيعتها الإنسانية؛ فهي لا تصنع العالم بمفردها، وإنما تمنع بعض الأكاذيب من الاستقرار فيه من دون مقاومة، وتترك للذين يأتون بعدنا أدوات إضافية للنظر والمساءلة. وكان أكثر ما يثير الحزن أن العراق ظل طويلًا يطلب من كتّابه أن يكونوا شهودًا على خساراته، بدل أن يمنحهم فرصة أن يكونوا شهودًا على حياة عادية تستحق أن تُروى. فالبلاد التي يكثر فيها الأدب المأساوي ليست بالضرورة أكثر عمقًا من غيرها، بل قد تكون أكثر قسوة على الذين يكتبونها، لأنها تجعل الألم مادة يومية للخيال، وتدفع المبدع إلى إنفاق سنوات من حياته في تفسير ما كان ينبغي ألا يحدث أصلًا. وفي هذه النقطة تتخذ تجربة سهيل سامي نادر معناها الثقافي الأوسع؛ إنها لا تقدم صورة كاتب استطاع أن ينتقل بين أجناس متعددة فحسب، بل صورة مثقف يواجه مجتمعًا تتنازع فيه الذاكرة والنسيان، والجمال والعنف، والحرية والخوف، ويبحث عن لغة تستطيع حمل هذه التناقضات من دون أن تمحوها أو تحولها إلى يقين مريح. وكانت المحكمة قد خلت من الشهود، ولم يبق فيها سوى العراق والكاتب والطفل النائم. اقترب الرجل العجوز من البوصلة، وطلب أن يعرف أين يقع الصباح، ففتح سهيل غطاءها، وكانت الإبرة ساكنة للمرة الأولى منذ سنة 1943. لم تكن تشير إلى جهة من الجهات الأربع، بل إلى السرير. ظن العراق أن الجهاز قد تعطل، فأخذه وهزه بعنف، ثم قربه من النافذة، ثم وضعه فوق خريطة البلاد، لكن الإبرة ظلت تشير إلى الطفل. وفي تلك اللحظة فهم أن البوصلة لم تكن تبحث عن مكان تشرق منه الشمس، بل عن الإنسان الذي ينبغي ألا يضيع مرة أخرى تحت أقدام التاريخ. انحنى العراق فوق السرير، فرأى أن الطفل لم يعد يحمل وجه سهيل وحده، بل وجوه أطفال كثيرين ولدوا في أزمنة مختلفة، بعضهم عرف الحروب، وبعضهم عرف المنافي، وبعضهم لم يعرف من البلاد إلا أسماءها في أوراق الهوية، وبعضهم لا يزال ينتظر أن يعيش يومًا لا يحتاج فيه إلى تفسير سياسي لحقه في الحياة. وحين رفع الرجل رأسه، كانت المحكمة قد اختفت، وعادت البصرة إلى مكانها الأول، وكان شط العرب يجري كما جرى في الليلة التي بدأت فيها الحكاية، وكانت النافذة القديمة مفتوحة، والصندوق الصغير تحت السرير. لكن شيئًا واحدًا تغير: لم تعد المفاتيح الأربعة معلقة في الصندوق، بل كانت موزعة بين الكتب واللوحات والذاكرة والأسئلة، كأن الجهات التي فقدتها البلاد لا يمكن استعادتها بقرار واحد، وإنما بعمل طويل يشارك فيه الذين يرفضون تحويل الخسارة إلى طبيعة أبدية. وكان سهيل سامي نادر قد مضى في طريقه، لا يحمل راية نصر، ولا شهادة هزيمة، بل يحمل عينًا لا تزال قادرة على النظر إلى الأشياء من دون أن تطلب منها أن تكذب كي تبدو جميلة. أما العراق فبقي واقفًا عند النافذة، يتأمل النهر، ويصغي إلى تنفس الطفل، حتى لمح في الأفق خيطًا من الضوء. مد يده نحو البوصلة، لكنها لم تتحرك. أدرك أخيرًا أن الجهاز لم يكن معطلًا، وأن الفجر لم يضع في البحر، ولا وراء الجبال، ولا في نهاية الطريق، بل ضاع يوم اعتاد الناس أن يبحثوا عن خلاص البلاد في وجوه الذين يحكمونها، ونسوا الوجوه الصغيرة التي تولد فيها كل صباح. أغلق الصندوق برفق، وخرج من الغرفة، وقبل أن يغادر التفت إلى السرير مرة أخيرة، فرأى الطفل يفتح عينيه، ثم يمد يده الصغيرة نحو النافذة، لا ليشير إلى الشمس، بل ليزيح الستارة التي كانت تحجبها. وفي الخارج كانت البصرة تستيقظ، وكانت السفن تواصل رحلتها، وكان النهر يحمل إلى البحر تاريخًا جديدًا من الأسئلة، بينما ظلت البوصلة ساكنة، وقد انتهت مهمتها أخيرًا، لأنها لم تكن قد صُنعت لتدل العراقيين على الطريق إلى الفجر، بل لتذكرهم بأن البلاد التي تفقد جهة الصباح لا تحتاج إلى شمس أخرى، وإنما تحتاج إلى أن تكف عن إطفاء النوافذ التي يدخل منها الضوء.







