
تتيح المداخل النقدية المعاصرة، ولا سيما المادية الجديدة ونظرية الأشياء وإيكولوجيا الصورة، قراءة لوحة فيصل لعيبي بعيدا عن التصور الذي يجعل الإنسان مركز العالم المرئي، فيما يحصر الثمار والأدوات والعمارة في مرتبة الخلفية الصامتة. فاللوحة لا تعرض ثلاثة أشخاص داخل سوق فحسب، بل تبني مجتمعا بصريا تتقاسم فيه الأجساد والأشياء إنتاج الحضور والمعنى. يبدو البشر، للوهلة الأولى، شخصيات العمل الرئيسة، غير أن العين سرعان ما تكتشف أنهم محاصرون بفيض من البطيخ والشمام والموز والعنب والحمضيات والتفاح وجوز الهند والأواني والسلال. لا تترك الأشياء حولهم فراغا يسمح باستقلالهم، بل تزاحم أجسادهم، وتحدد أوضاعها، وتقود حركاتها، حتى يبدو الإنسان واحدا من موجودات السوق لا مالكه المطلق. الرجل الجالس إلى اليسار لا ينفصل عن كرسيه الأزرق والنرجيلة والورقة التي يمسكها، والفتى في الوسط لا يكتمل حضوره خارج السكين وشريحة البطيخ والأواني المعدنية، والمرأة الواقفة إلى اليمين تبدو مرتبطة بالسلة التي تحملها وبالخضراوات المودعة فيها. لكل شخصية مجموعة مادية تصنع هويتها داخل اللوحة، ولذلك لا يمكن فهم الأشخاص بمعزل عما يلامسونه أو يحملونه أو يحيط بهم. يختلف هذا المنظور عن القراءة السيميائية المألوفة التي تسأل عما ترمز إليه الأشياء، لأنه يسأل عما تفعله داخل التكوين. فالبطيخ لا يدل على الخصب وحده، بل يحتل الأرض ويضيق مسالك الحركة ويصنع حاجزا بين المشاهد وعمق السوق. والسلة لا تحيل إلى التدبير المنزلي فحسب، بل تضبط هيئة المرأة، وتثقل يدها، وتربط جسدها بدورة الانتقال من السوق إلى البيت. أما النرجيلة فلا تكتفي باستدعاء طقس اجتماعي، بل تنظم وضعية الرجل الجالس وتخلق حوله مجالا للاسترخاء والانتظار. هكذا ترد اللوحة الاعتبار إلى عالم الأشياء، فلا تقدم المادة بوصفها كيانا خاملا ينتظر أن يمنحه الإنسان معنى، بل بوصفها قوة تشارك في تشكيل العلاقات. السوق، وفقا لهذه الرؤية، ليس مكانا أعده البشر لعرض بضائعهم، بل شبكة من الفاعلين المتجاورين، حيث تؤثر الثمرة في اليد، والأداة في الجسد، واللون في العين، والعمارة في توزيع المواقع. ومن داخل هذه الشبكة يتراجع تفوق الإنسان، ليصبح وجوده مشروطا بما حوله، وليغدو اليومي نفسه نتيجة تفاوض مستمر بين المادة والحركة والحاجة والذاكرة.

هندسة الوفرة واقتصاد النظر
لا يرسم فيصل لعيبي الوفرة بوصفها معنى مجردا، وإنما يحولها إلى ضغط بصري يكاد يستولي على مجال الرؤية كله. تتراكم ثمار البطيخ في المقدمة والوسط والخلف، وتتداخل معها كتل الشمام والحمضيات والموز والعنب، حتى تفقد السوق فراغاتها الواقعية وتتحول إلى سطح ممتلئ لا يكاد يسمح للعين بالراحة. وهذه الكثافة ليست وصفا محايدا لغنى البضاعة، بل هي تقنية تعيد تنظيم علاقة المشاهد بالصورة. فعوض أن يتجه النظر مباشرة إلى الوجوه، تجذبه الكتل الخضراء المستديرة التي تتكرر باختلافات طفيفة في الحجم واللون والخطوط. ينتقل البطيخ من مرتبة الشيء المفرد إلى مرتبة الجماعة المادية، وكأن الثمار تمتلك حضورا جمعيا يوازي حضور البشر، بل يفوقه عددا وانتشارا. غير أن هذه الوفرة لا تتخذ شكل الفوضى. فقد رتب الفنان المعروضات ضمن طبقات أفقية وكتل متوازنة، ووضع الصناديق والثمار المعلقة والأواني ضمن إيقاع يضبط حركة النظر. في الأعلى تتدلى عناقيد الموز من خيوط رفيعة، فتبدو معلقة بين السقف والفراغ، وفي الوسط تتراكم الثمار خلف الشخصيات وحولها، بينما تستقر الكتل الأثقل في المقدمة فوق الأرضية المربعة. بهذا التدرج تنتقل الأشياء من الخفة إلى الثقل، ومن التعليق إلى الرسوخ، ويتكون نظام مادي يجعل السوق أشبه بكون صغير له قوانينه الداخلية. وتؤدي الأرضية المكونة من مربعات وردية وصفراء وظيفة مضادة لاستدارة الثمار، إذ تقابل انسياب الأشكال العضوية بشبكة هندسية ثابتة، فينشأ توتر بين ما تمنحه الطبيعة وما يفرضه التنظيم البشري. لكن المربعات لا تستطيع احتواء البطيخ تماما، فهو ينتشر فوقها ويحجب أجزاء واسعة منها، وكأن الطبيعة تستعيد المكان الذي حاول العمران ضبطه. حتى العمود الأبيض، على ضخامته الرأسية، لا يسيطر على المشهد، بل تغمر قاعدته الثمار وتطوقه من الجانبين. ومن هنا لا تصبح الوفرة احتفاء رومانسيا بالخصب وحده، وإنما تتحول إلى اقتصاد للنظر، توزع اللوحة من خلاله درجات الانتباه والقوة. الأخضر هو اللون الأكثر امتدادا، لكنه لا يعمل بوصفه رمزا جاهزا للأمل، بل يؤدي فعلا ماديا، فيوحد الثمار المتباينة ويجعلها كتلة تتقدم بصريا نحو المشاهد. أما الأحمر المحدود في شريحة البطيخ والثمار الصغيرة، فيخترق السيادة الخضراء ويكشف عن الداخل المقطوع، حيث تتحول الثمرة من سطح مغلق إلى جسد قابل للفتح والأكل والتداول.
أجساد تؤدي طقوس الأشياء
لا تبدو الشخصيات الثلاث في حالة حوار مباشر، ولا تتبادل النظرات فيما بينها، ومع ذلك تربطها علاقة عميقة تصنعها الأشياء التي تتعامل معها. الرجل الجالس إلى اليسار ينظر نحو المشاهد، بينما يمسك ورقة أو غلافا ورقيا، وقد استقر جسده في وضع يجمع بين العمل والاستراحة. قرب قدميه تقف النرجيلة منتصبة بألوانها الذهبية والحمراء، فلا تظهر بوصفها زينة ملحقة، بل شريكا ماديا يحدد طبيعة الزمن المحيط به. زمن الرجل ليس زمن الحركة المتعجلة، وإنما زمن الجلوس والانتظار ومراقبة السوق، وفيه تتجاور التجارة مع القراءة أو الحساب أو إعداد الورق اللازم للبيع. أما الفتى في المركز، برأسه الحليق وقميصه المخطط، فيمسك سكينا وشريحة بطيخ، فتبدو حركته متوقفة عند لحظة فاصلة بين القطع والتقديم. لا يمكن اختزال حضوره في رمز البراءة أو المستقبل، لأن اللوحة تمنحه وظيفة عملية واضحة داخل اقتصاد السوق. إنه الجسد الذي يفتح الثمرة ويكشف باطنها الأحمر، وبذلك يحول الشيء الطبيعي إلى مادة جاهزة للتذوق والشراء. وتضاعف الأواني المعدنية والميزان الموضوع أمامه معنى القياس والتقدير، فالسوق لا يتعامل مع الثمار بوصفها جمالا بصريا فقط، بل يزنها ويقسمها ويحدد قيمتها. إلى اليمين تقف المرأة في هيئة أمامية صارمة، بعباءتها الداكنة وغطاء رأسها الفاتح، حاملة سلة منسوجة ظهرت فيها الخضراوات والمواد المشتراة. لا تقدمها اللوحة باعتبارها صورة نمطية للأمومة المجردة، بل بوصفها قوة وصل بين مجالين، إذ تنقل المادة من حيز العرض العام إلى حيز الاستعمال المنزلي. تكتسب السلة هنا أهمية توازي أهمية الجسد، لأنها الوعاء الذي يجعل الانتقال ممكنا، وتتحول من أداة محايدة إلى جهاز لتنظيم الحاجة والاختيار والحمل. وتشكل أوضاع الشخصيات مسارا يبدأ بالجلوس، ثم ينتقل إلى الحركة اليدوية في الوسط، وينتهي بالوقوف والاستعداد للمغادرة. إنه إيقاع للحياة اليومية تصنعه درجات مختلفة من التعامل مع الأشياء: المراقبة، ثم التحويل، ثم الاقتناء. ومع أن الوجوه هادئة، فإن الأيدي تعمل باستمرار، تمسك الورق والسكين والثمرة والسلة. وبذلك تنقل اللوحة مركز التعبير من ملامح الوجه إلى علاقة اليد بالمادة. فالهوية الاجتماعية لا تُعلن بالكلام، وإنما تتشكل عبر ما تفعله اليد، وما تختاره، وما تحمله، وما تتركه إلى جوار الجسد.
اللوحة بوصفها إيكولوجيا للذاكرة
لا تستعيد اللوحة سوقا عراقية من خلال مطابقة فوتوغرافية للواقع، بل تؤسس إيكولوجيا للذاكرة، أي منظومة تتعايش فيها الألوان والثمار والأجساد والأدوات والعناصر المعمارية لتنتج صورة مخصوصة عن الحياة. فالذاكرة هنا لا تقيم داخل عقل الشخصيات، ولا تظهر في علامة منفردة يمكن عزلها، وإنما تتوزع على العلاقات التي تجمع الموجودات. العمود ذو التاج المزخرف يستدعي فضاء عمرانيا موروثا، لكنه لا يظهر أثرا تاريخيا منفصلا، إذ يدخل في علاقة مباشرة مع صناديق الفاكهة والثمار المتراكمة والفتى الواقف بجواره. الماضي المعماري واليومي التجاري لا يتقابلان، بل يسندان بعضهما بعضا. كما أن توزيع الشخصيات لا يقوم على منظور واقعي عميق، وإنما يضعها في مواجهة المشاهد مثل شخوص مسرح شعبي، فيما ترتفع الثمار خلفها كجدار كثيف يحجب العالم الخارجي. لا نافذة في اللوحة، ولا شارع يمتد إلى مكان آخر، ولا أفق يسمح بالمغادرة البصرية. السوق عالم مكتف بذاته، مغلق على خضرته وألوانه وطقوسه، ولذلك يبدو أقرب إلى ذاكرة مصفاة من الشوائب منه إلى مشهد عابر. غير أن هذا الإغلاق لا يعني السكون، لأن المواد داخله تمر بدورة تحول متصلة. الثمار تصل من الأرض إلى الصناديق، ثم تعرض وتقطع وتوزن، قبل أن تستقر في السلة وتغادر إلى البيت. واللوحة، على ثباتها، تحتفظ بآثار هذه الحركة غير المرئية. إنها لا تصور الإنتاج الزراعي ولا تناول الطعام، لكنها تضع السوق بينهما بوصفه حلقة تتوسط الطبيعة والجسد. من هنا تنشأ بلاغة اليومي: ليست عظمة المشهد ناتجة عن حدث استثنائي، بل عن قدرة الأفعال الاعتيادية على حفظ استمرارية العالم. إن الجلوس والقطع والوزن والشراء والحمل ليست أعمالا هامشية، وإنما طقوس مادية تعيد بها الجماعة إنتاج حياتها. وفي هذا المستوى تكشف اللوحة عن رؤية تتجاوز الحنين البسيط إلى الماضي. إنها لا تقول إن الزمن القديم كان أجمل فحسب، بل تبين أن الذاكرة العراقية مودعة في الأشياء المتداولة بقدر ما هي محفوظة في الوقائع الكبرى. فالتاريخ لا يسكن القصور والنصب والوثائق وحدها، بل يوجد أيضا في كرسي خشبي مطلي بالأزرق، ونرجيلة موضوعة قرب قدم بائع، وسكين تفتح بطيخة، وسلة تنقل خيرات السوق إلى البيت. هكذا يمنح فيصل لعيبي المادة اليومية حقها في صنع التاريخ، ويجعل الأشياء تنظر إلينا بقدر ما ننظر إليها، شاهدة على عالم لم يكن الإنسان فيه منفردا بإنتاج المعنى، بل كان شريكا للثمار والأدوات والألوان في بناء صورة الحياة العراقية.







