uf

كتب حنّا مينا عن حياة الشاعر التركي ناظم حكمت، وعن موقفه السياسي والفكري وهو يقارع النظام وبطشه، ومدى صموده ورفضه الدائم له، حتى وصل الأمر إلى سجنه وتعذيبه بشكل لا يوصف؛ إذ حُجز داخل سفينة مظلمة، وكانت رجلاه في مياه المجاري، وظل صامدًا حتى اجتاحت العالم صيحات ومطالبات بإطلاق سراحه، ولا سيما من المعسكر الاشتراكي، حتى تحقق له ما أراد. فوقف شاكرًا هذا المعسكر، والعالم التقدمي، ورجال الفكر الإنساني، وبقي ناظم الشاعر الحر الأبي. وفي الوقت الذي كان ناظم يعاني الاضطهاد، ويخرج من محنته بصموده بطلًا، سجّل له التاريخ هذه الشجاعة. كانت هناك مواقف لشعراء بلغت قمة الانتهازية والنفعية.

نعم، كنا نعيش حقبة فاشية تحكمها دكتاتورية حقيرة، شرّدت وقتلت وأعدمت آلاف البشر، وبطرائق مختلفة من الموت. وخسر العراق آلافًا من أبنائه، من مثقفين وعلماء، ضاقت بهم المطارات والبلدان، وحتى المقابر والحفر. إذن، هنا يبرز دور النص، ودور المثقف والشاعر والأديب. فالشاعر ليس نخّاسًا، ولا حدّادًا، ولا نجّارًا، يطوّع المادة كيفما يريد لكي يسترزق منها. إن الكلمة والنص مصير وطن، ومصير أناس، وموقف إنساني يُفترض أن يُسخّر من أجل قضية إنسانية ترتقي بالبلاد إلى العلا. وهنا كانت ثمة مواقف قدّمت الكلمة والموقف الشجاع، وقررت العزوف عن الوقوف إلى جانب الفاشية. ولنا في ذلك أسماء وأسماء، وربما لا حصر لها. وهنا اكتملت صورة الإبداع الإنساني عندما اقترن النص بالموقف، ليخرج لنا إنسان الموقف. وعلى النقيض من ذلك، اكتظّت الصحف والمنصات والمطابع بشعراء، أو أشباه شعراء، يتسابقون إلى باحات قصور الطاغية، وفي كل المناسبات:

وهنا تجتمع القوافي المسروقة، وقصائد الهزيمة والانتهازية والنفعية، لتسجّل حالة من السقوط الفكري والأخلاقي. فكيف لنا أن نتصور انتقال نحات الكلمة من مكانته إلى مهرّج في سوق النخاسة؟ القائمة تطول وتطول، ومن عجائب الدنيا الثمانية أن يقف هؤلاء، وقد خلعوا عمامة التهويل والتطبيل لذاك النظام، ليعودوا بحلّة جديدة، وبثوب أكثر سوادًا. وربما كان اعتذار البعض عن تلك المواقف يزيدني قبولًا لها، لكن الاستمرار في هذا التلوّن، والانغماس في مستنقع السقوط بحلّة جديدة، فيه أكثر من بُعد. إنه صراع النص والموقف، والكلمة وشرفها، ذلك الشرف الذي يعانق الكواكب.