
1
أفلت الصغير يد أمه وركض مسرعا حيث الفنان الذي كان يرسم، وقد سحرته الألوان، وقف مشدوها يحدق بدهشة المولود الجديد الذي يرى العالم لأول مرة، يتعالى صوت ضحكاته ببراءة طفولية غضة·· وهو يمد أصابعه يحاول أن يتحسس الألوان· تمنعه أمه من الاقتراب لكنه زاد تصميما ورغبة·· صار يروح ويجيء يملأ المكان صخبا وفرحا·· ناوله الفنان فرشاة صغيرة قائلا: ترسم معي؟! هز رأسه قائلاً: نعم·· وبغبطة عارمة تناول الفرشاة وصار يقلد الفنان، ينظر إلى أمه بزهو وفرح، ثم شدها من ثوبها لتقترب وبصورة عجيبة مد رأسه الصغير ودخل في اللوحة، صرخت أمه وبدأت تولول، ثم دخلت في اللوحة تبحث عنه، استوقف المشهد المارة، ثم سرعان ما أخذهم الفضول ودخلوا في اللوحة واحدا تلو الآخر وأصابع الفنان ترشق الألوان ببهلوانية عجيبة تشق طريقا جديدا تحتضن الجميع، نهشت الغيرة قلب الشارع وراح يدخل في اللوحة يتودد لتلك الطريق، حزنت الشجرة الواقفة على جانب الطريق وركضت خلفه تدخل اللوحة، وقف الفنان وحيدا، والناس تصفق وتغني تظللهم الشجرة، الشارع يمتد أمامهم كالبحر، يسافر بهم أصابع الفنان التي امتشقت كل الألوان، بدت عرائس متحركة تستهوي قلب الصغير، فراح يمسك بها ويركض على طول الشارع يدخل في الطريق الجديد، يهز الشجرة لتتساقط أوراقها، يملأ اللوحة صخبا وحياة، وبلحظة يقترب من الفنان يشده إليه ويدخلان اللوحة··
2
اعتاد أبي رشق الألوان على الجدران والنوافذ، تصحو أحلام أمي تمطر الحديقة، وتلك تمتد حتى غدت واحدا منا، ذات صباح رشق قهوته على الجدار وبأصابع ملهمة بدأ ينثر الألوان فخرجت شجرة، ثم شجرة، صار بيتنا بستاناً، الشارع غابة، والمدرسة فرحة عيد، داهمنا الموت وسرق أصابع أبي، أحلام أمي وتوقف نبض الحديقة والألوان عن الجريان··
3
أصابعي باتت دودة عمياء، تزحف على جذوع القلب تتلمس توت الروح. تنسج حرير الشوق المزروع فينا، قبل أن نكون. تحطّ طيور الوجد على جذوع أكتافنا، تغرّد بالحنين. ويعرج النور في أنهار أرواحنا، من علّم القلب أن يزهر؟ وأن للغياب أيادي تقتل غزلان الروح، فتَحْطِبُ العمر والأزهار؟ وتبقى ظلالك شمساً لا تغيب.
4
ينبت الياسمين على أصابعي مذ صافحتك آخر مرة.
متى ألقاك لأزهر؟







