
في «سفينة نيرودا» لا تكتب إيزابيل الليندي عن سفينة عبرت البحر من إسبانيا إلى تشيلي بقدر ما تكتب عن بشرٍ عبروا من حياة إلى حياة، حاملين معهم ما عجزوا عن تركه خلفهم: الذاكرة والخوف والحب وفكرة الوطن. تبدأ الحكاية في أتون الحرب الأهلية الإسبانية، حيث يجد فيكتور دالمو نفسه طبيبًا قبل أن يكتمل تكوينه، وكأن الحرب هي التي علّمته مهنته. وفي الجهة الأخرى تظهر روزير، عازفة البيانو الشابة، التي تدفعها الحرب والنزوح إلى حياة لم تخترها. يجمعهما زواج الضرورة على متن السفينة «وينيبغ»، لكن المفارقة أن العلاقة التي بدأت كوسيلة للنجاة تتحول ببطء إلى حب ورفقة وحياة مشتركة. السفينة هنا ليست مجرد وسيلة للعبور. إنها رمز للولادة الثانية. يدخلها أناس فقدوا وطنهم، ويخرجون منها وهم يحملون احتمال وطن جديد. وبين الضفتين يبقى السؤال معلقًا: هل الوطن هو المكان الذي ولدنا فيه، أم المكان الذي نستطيع فيه أن نبدأ الحياة من جديد؟ أما بابلو نيرودا، الذي ارتبط اسمه تاريخيًا بإنقاذ آلاف الجمهوريين الإسبان ونقلهم إلى تشيلي، فيظهر في الرواية بوصفه أكثر من شخصية تاريخية؛ إنه رمز للكلمة حين تتحول من شعر إلى فعل، وللثقافة حين تستطيع أن تمد يدها إلى الإنسان في أكثر لحظاته عجزًا. وتتسع الرواية بعد ذلك لتربط بين مآسي إسبانيا وتحولات تشيلي، وكأن التاريخ يعيد تدوير مآسيه من بلد إلى آخر. يهرب أبطالها من الفاشية في إسبانيا، ثم يجدون أنفسهم بعد عقود أمام الخوف نفسه في تشيلي. وكأن المنفى لا يخلّص الإنسان من التاريخ، بل يؤجل مواجهته. فيكتور شخصية تبحث عن إنقاذ الآخرين، بينما تبحث روزير عن إنقاذ حياتها. وفي هذه الثنائية تمنح الليندي المرأة دورًا يتجاوز دور الحبيبة أو الزوجة؛ روزير امرأة تعيد بناء نفسها كلما هدم التاريخ جزءًا منها. ولعل أجمل ما في الرواية أن الحب فيها لا يأتي كعاصفة، بل ينمو مثل شجرة بطيئة الجذور. زواج بدأ بالضرورة ينتهي إلى علاقة إنسانية عميقة، وكأن الحياة تقول لهما إن بعض أجمل الأشياء لا نختار بدايتها، لكننا نستطيع أن نختار ما نصنعه منها.
«سفينة نيرودا»* في جوهرها رواية عن المنفى، لكنها لا تتوقف عند مأساة الاقتلاع. إنها تسأل عما يستطيع الإنسان أن يبنيه بعد أن يفقد كل شيء.
وربما تكون إجابة الليندي بسيطة وعميقة في آن واحد:
"قد نفقد الوطن، لكننا لا نفقد بالضرورة القدرة على صناعة وطن آخر من الحب والذاكرة والرفقة".
ــــــــــــــــــــ
*"سفينة نيرودا" رواية ايزابيل الليندي، ترجمة صالح علماني. اصدار: دار الآداب- بيروت.







