
اتكأت على ما تبقى من ذكرياتي ففرشت احزاني ورتبتها حسب همومها ومآسيها بعد ان انهيت قراءة رواية الكاتبة ميس العثمان ( اسمها الثاني حنجرة) والتي لامست بسرديتها كل روح عانت وقاست الآه فمنحت المعذبين ساعات تبلسم بها جراحهم .
انها عايشة المرطة التي اختارتها ميس لتسقط معانتها على حال من سامته الدنيا صنوف العذاب.
رواية حركت فينا الشجون والغضب المشحون بكدر الدنيا والغربة حتى وان كنت بين اهلك واسوار وطنك.
لامست الرواية روح المرأة وقوتها وتميزها فطرقت اسلوباً جديداً تجعل القارئ مرافقاً لإحساسها لا كأنثى تكتب عن أنثى وانما ارادت ان تبلغنا بان هذه الكنز/ المطربة لم تنل حقها لا بحياتها ولا بعد موتها، فانطلقت من الشعور بالمسؤولية اتجاه هذه المرأة/ الجوهرة وتحمل لافتة بحقوقها وحقوق كل من سلب حقه ومغبون بزمن الرداءة.
(ياناس دلوني درب السنع وينه) اغنيتها التي صدحت بها كل الحناجر واصبحت لكل من يريد ان يستدل طريقه بعد سوءً احل بحياته، ولا ادري هل هذه الاغنية رؤيا وان جاءت بعد حين من يتمها وفقدان بصرها المبكر وعوادي الزمن التي حلت بها فطلبت من يأخذ بيدها الى درب السنع كي يعيد لها انسانيتها ورغبتها بالحياة.
هيأ لها الله خالاً كان دليلها والعصا التي تتلمس بها الدرب، بل الهدى الذي ابصرت به السنع واستطاعت الابحار في هذه الدنيا.
فخالها وولي امرها كان كل ما مر بها وجدها تتلو بعض الآيات او تدندن ببعض الاصوات فكتم الامر لنفسه بل اعتبره نبوءة لطفلة قست عليها الحياة وربما يعوضها القدر بهذا الصوت البهي ، وما ان تخطت عتبة الباب بعد حين حتى كانت الحضن الحنون والصدر الدافئ ليتيمة القدر والجوهرة المكنونة الا وهي آلام عودة فرقتها والتي اضافت لها المكانة والتألق، كما ابواب الحياة قد انفرجت على طبول الزواج والفرح العظيم، وسار هودج الفرح الذي اصابته بعض هزات المجتمع الذي لا يرحم ولكن بزوغ ظل خالد الزايد ثبت اركان الجوهرة واعطاها لوناً اخر من الحياة/ الغناء ووضعها على درب السنع. فهو من اخذ بيدها لتلتقي بسيدة الغناء العربي ( ام كلثوم) وبجمال صوتها الذي سحر ام كلثوم لتغني الصوت الكويتي المهيب لعايشة.
ولم تنس كاتبتنا وفي خضم احداث الرواية ومآسي الحنجرة بعض لحظات السعادة ودور افطيم التي كانت ترسم المواقف وتدلها على الجميل من الحياة ولحظة يوم كانت تستعد لحفلة فتخبرها فطيم شوفي ياستي جمال الثوب وتناسق الوانه ، ترد عليها مشكورة تحسب انا بشوف، وهذا الموقف جاء لخلق حالة من الفرح لدى القارئ وامتصاص شحنة الحزن وهذا يحسب لصاحبة القلم الرقيق.
استطاعت الكاتبة وبحنكة المتمرس بالسرد ان تشكل اطراف الثالوث المتمم لبعضه ، فما ان تجد عايشة قد تحرجت من بوح امر ما حتى تلقفت بداية الحديث حنجرة ، كما ان ميس العمود الثالث لمثلث السرد فكانت تترصد المواقف وتحرك السواكن كي تفصح عما سكتت عنه من البوح وبذلك سهلت امر القارئ ان يتلمس دربه واتمام قراءته ويكون بذلك مشاركاً مثلث السرد.
كما ان الروائية ميس العثمان توقفت عند شواطئ اللغة واخذت بالبحث عن ما هو مختبئ بين ردهاتها من افعال وصفات كعادتها وهي بذلك تعتبر اشراك القارئ لمعرفة الجديد هو اضافة جديدة لدربها الطويل فها هي على سبيل المثال لا الحصر كلمة ( ارنان) والتي ارادت للقارئ ان يطلع عليها ويأخذ بها وتكون بذلك اخذت القارئ الى بستان اللغة.
كما ان ميس اخذتنا الى مسار اخر وذلك من خلال استخدام بعض الجمل او المصطلحات التي اعتدنا استخدامها ، لكنها غيرت مفهوم المثل او الجملة فمثلاً اعتدنا ان نسمع ( وسط العاصفة) لكن الكاتبة كسرت هذا التعود وابلغتنا انها وسط العاطفة وهذا ان دل على شيء انما يدل على تحكم الكاتبة وامكانيتها اللغوية.
ومما يجلب الانتباه ان الرواية احتوت على اللهجة الكويتية وكثير من الكتاب الذين يرون ان تدوين اللهجة هو اضافة وتمكين القارئ العربي كي يستوعب الرواية ، وكاتبتنا اضافت الشروحات للهجة المحلية كي تجعل القارئ يعيش متعة الرواية وهذا يحسب لتمكنها من مهنتها.
تثرينا دوماً ميس وتضيف علامة مميزة في عالم الرواية فشكراً ميس.







