كانت أمسية شهر نيسان ٢٠٢٦ للمقهى الثقافي العراقي بلندن بمثابة احتفاء بمرور خمسة عشر عاما على بدء انطلاق المقهى بتاريخ ١٧ نيسان /ابريل ٢٠١١ ويكون رقم تسلسل هذه الأمسية ١٣٤وهذا يعني ان المقهى لم يتوقف منذ انطلاقته لحد الآن وحافظ على تقديم آماسيه بشكل مستمر .. هذه الأمسية أقيمت في مساء يوم الجمعة ٢٤/٤/٢٠٢٦ وكان الضيف فيها د. نبيل الحيدري وعنوان محاضرته ( الإصلاح الاجتماعي بين علي والوردي وعلي شريعتي) قدمها الزميل سمير طبلة الذي رحب بالحضور وبالضيف لكنه دعا الدكتورة سلمى سداوي لتقرأ كلمة كتبها الكاتب والصحفي عبد المنعم الأعسم في عموده " قف " بـ "طريق الشعب" نشرت في ٢٩تشرين الثاني /نوفمبر ٢٠٢٥ وقالت د. السداوي إن النص الذي ستقرأه جاء ليشخص دور المقهى في ثقافة عراقيي المنفى وتقييم كاتبنا الأستاذ الأعسم له : 

"اُنصفتْ الثقافة العراقية المهاجرة في مقهى بلندن. المقهى الثقافي العراقي. والإنصاف هنا قلادة متواضعة على صدر هذا الأثر المضيء وصانعيه وروّاده بفصيح التدوين، وثمة هنا شهادة مركّبة،  من صفحتين، الاولى، مشرقة، محتشدة بالمعاني وتقدم نفسها بسلسلة ذهبية من الأسماء الثقافية العراقية المهاجرة التي وجدت في المقهى نافذة إلى الوطن من خلال أمثلة خلاقة، في الادب والفكر والعمارة والكلام وفنون الرسم والسينما والمسرح، موزعة على أكثر من مائة وثلاثين فعالية، طوال عقد ونصف من السنين، من دون توقف، ولا انكفاء في الرصانة والحماس والثقة، تناوب على تقديمها عراقيون وعرب وأجانب، وحضر ورشتها، وناقش موضوعاتها، جمهرة من المهتمّات والمهتمين بالثقافة العراقية وأحوالها وآياتها، وفي هذه الصفحة ثمة ما يرقى إلى نموذج ما يُعرف بمسؤولية المثقف، وقل مسؤولية الثقافة الوطنية المهاجرة حيال قضية الوطن والحرية والمستقبل، وفي حافظة هذه الرحلة المثيرة مواقف وأحداث فارقة، لم يكن المقهى ليخذل خطوته الاولى نحو وطنٍ نحبه، وثقافة ننتمي لها.   

أما الصفحة الثانية فغنية السطور، عميقة الدلالة، مهيبة المكان في وجدان الثقافة المهاجرة، وجيزها أن هذا المقهى يقدم ثقافة الوطن، من كنيسة صغيرة في غرب العاصمة البريطانية، يُسدد ايجارها من تبرعات شحيحة، وينهض بإدارة شؤونها مثقفون متطوعون ومتفانون، بغياب الدولة وسفاراتها، وملياراتها المنهوبة التي تتجول في حسابات وجيوب الحرامية بشوارع ومواخير عاصمة الضباب ". 

صفق الحضور للكلمة وبمعنى، كما قال مدير الأمسية، إنهم صفقوا للمقهى، وبدوره قدم طبلة تهنئته للمقهى وأشار إلى دوره المشهود وإلى من يقف وراء هذا الدور . ثم انتقل إلى المباشرة بموضوع الأمسية فإبتدأ بالتعريف بالضيف وقال إنه معروف للحضور حيث سبق وان قدم في المقهى أمسية متميزة وكانت إيجازا لكتابه (أبو العلاء المعري ثائرا) وذكر أنه ولد ونشأ في الكاظمية ببغداد لأسرة آل الحيدري المعروفة بشعرائها والأدباء والعلماء والمثقفين وجده هو السيد مهدي الحيدري المرجع الأعلى الأول الذي أفتى بجهاد الإنكليز عام ١٩١٤ وخطب في صحن الكاظمية وتابعته جموع غفيرة وذهب إلى جنوب العراق ليقاتل مع أبنائه وتابعيه كما يذكر علي الوردي وعبد الرزاق الحسني والوثائق البريطانية .. تخرج الدكتور الحيدري في جامعة بغداد قسم هندسة الكهرباء وتعين معيدا في الجامعة، وكان معارضا لحكم البعث مما حداه مغادرة الوطن في الثمانينيات، مهاجرا إلى الأردن ثم سوريا ولبنان واستقر في إيران لأكثر من ثماني سنوات  مدرسا للأدب العربي في جامعة طهران وحصل على الماجستير والدكتوراه بالأدب العربي من نفس الجامعة، لكن مضايقات السلطة هناك له واعتقاله، أجبرته بعد خروجه من السجن بالهجرة إلى لبنان وهناك درَّس الأدب العربي في عدة معاهد وجامعات ومنها سافر إلى لندن أواخر التسعينيات وحصل فيها على الدكتوراة الثانية من كلية الباربيكان ..قام بتأليف أكثر من أربعين كتابا باللغتين العربية والإنكليزية منها : أبو العلاء المعري ثائرا، التنوير والإصلاح الاجتماعي بين علي الوردي وعلي شريعتي، إيران من الداخل، الإمبراطورية الفارسية  صعود وسقوط، التشيع العربي والتشيع الفارسي، الإسلام السياسي في العراق، المرجعية الشيعية الدينية والسياسية، الأديان والمذاهب في العراق، المستشرقون والإسلام، حرية المرأة، مع الدروز في فكرههم وعقائدهم، الإصلاح الإسلامي وغيرها .. وقال إن هذه الأمسية ستخصص لكتاب مهم هو :"التنوير والإصلاح الاجتماعي بين علي الوردي وعلي شريعتي" والذي صدر حديثا وسيوقعه الضيف لمن يرغب بانتقائه. واضاف الزميل سمير أن الضيف قد أقام ندوات عديدة في مختلف بلدان العالم وهورئيس مركز التسامح الدولي الذي عقد مؤتمر (الأديان والمذاهب العراقية ) في قبرص وعمل مسؤولا عن تأهيل المتشددين الإسلاميين في السجون البريطانية وشارك بدراسات وابحاث في العشرات في المؤتمرات العلمية المختلفة .. وقال إنه عمل في دبي ٤٠ حلقة تلفزيونية حول التسامح أعلنت في إثرها دولة الامارات تأسيس وزارة للتسامح لأول مرة تزامن توقيتها مع الحلقة الأخيرة .. ثم أعطى الزميل سمير الحديث للدكتور الحيدري للبدء بمحاضرته، بعد تأكيده على ان هناك تقاربا بين المجتمعين العراقي والإيراني لأسباب كثيرة سيتناولها ضيف الأمسية في محاضرته، ومن المعروف ان ما جعل العليين (الوردي وشريعتي ) مفاتيح لمعرفة ذلك حيث قام كل منهما بدراسة مفصلة لمجتمعه وبيئته وتطورات المجتمع والعوامل المؤثرة في حركته وتغيره. وسنأتي بتغطيتنا هذه على أبرز طروحات د. نبيل الحيدري.

استهل د. الحيدري محاضرته بتقديم ايجاز عن حياة الوردي (١٩١٣-١٩٩٥) في العراق ومعاناته حيث حرم من الطفولة إذ كان يعمل للكسب آنذاك حتى بلغ ودرس وحصل على زمالة الدراسة بتكساس بأمريكا للماجستير (دراسة في سوسيولوجيا الإسلام) ثم الدكتوراه (منطق ابن خلدون)، بعد ذلك اتى إلى مقارنة حياته مع حياة شريعتي الذي ولد بخراسان عام ١٩٣٣وكان والده محمد تقي من الطبقة المتوسطة ولم يعان ما عاناه الوردي في طفولته وتخرج من كلية الآداب ١٩٥٩.  وأكد المحاضر انه يعتبر شريعتي :" ملهم الثورة الإيرانية وزعيمها يقود (حركة تحرير أيران ) ضد الشاه، الذي عمد إلى ترشيحه إلى دراسته الدكتوراه في جامعة السوربون في علم الاجتماع. وتوهم الشاه أن شريعتي ينجرف في باريس الجميلة ليخفف معارضته لنظامه حيث حصل العكس اذ قام بتسجيلاته على الأشرطة الصوتية (كاسيتاته) التي تفد طهران لتحريكها".
وأضاف :"بمجرد رجوع شريعتي  إلى طهران عمدت سلطات الشاه إلى نفيه إلى مدرس ابتدائي بقرية نائية بعد أن كان أستاذا جامعيا في جامعات؛ مشهد وطهران والأحواز ثم أقدمت على  اعتقاله وتعذيبه في سجن (إيفين) سيئ الصيت وبمجرد خروجه منه، غادر إلى لندن حيث وجد مقتولا فيها عام،١٩٧٧ ووجهت التهمة إلى (جهاز السافاك) وهو جهاز مخابرات الشاه الذي أمعن بحقده فمنع جنازة شريعتي من الوصول إلى طهران رغم وساطات كثيرة منها رئيس الجزائر وفاءً لدور شريعتي في باريس بدعم حركة التحرر الجزائرية التي وصلت السلطة ردا لجميل شريعتي عليها وعلى غيرها من حركات التحرر التي قادها شريعتي في باريس ضد الاستعمار". وذكر د. نبيل ان شريعتي دفن في مقابر السيدة زينب بدمشق. وأعرب عن اعتقاده بأن لشريعتي كان دور مشهود في الثورة الإيرانية إلى جانب من شارك فيها كحزب تودة (الشيوعي) ومختلف التيارات الليبرالية والإسلامية لكن تيار التشدد الإسلامي قد استأثر بالسلطة. 

وعند حديث الحيدري عن علي الوردي ذكر أنه علماني داعما هذا الرأي باستعراض مؤلفاته والتي ثبت فيها آراءه بطبيعة المجتمع العراقي وخاصة بكتابه لمحات وفضحه لأولئك الذين يمدحون السلطات الدكتاتورية، لكنه توقف عن الكتابة تماما منذ السبعينيات وما تبعها من عقود ثلاثة اذ لم يصدر عن الوردي اي كتاب وقيل لخوفه من بطش البعث منذ الحرب العراقية  الإيرانية.
وأكد المحاضر مقارنا  :" إن الوردي عالم اجتماع Sochologist وانثروبولوجي بطريقة منهجية..Anthropologyأما شريعتي فقد كان إسلاميا ليبراليا منفتحا ضد ولاية الفقيه وضد سلطة رجال الدين وحكمهم ويؤمن بالدولة المدنية الحديثة ويدافع عن المرأة وحقوقها كما كان الوردي يدافع عن المرأة وحريتها لكنه لا يطبق ذلك على ممارساته مع بنته وعائلته".
وجاء د. نبيل على ذكر مؤلفات شريعتي فقال ان :" أهم كتبه المثيرة للجدل حوله هي محاضرات ألقاها في حسينية أسّسها في شمال طهران (حسينية إرشاد) مركز التنوير الأكبر في إيران ". وهنا يفرق عن الوردي الذي لم يكن خطيبا ولا سياسيا بل أكاديميا اجتماعيا درس المجتمع العراقي والشخصية العراقية التي يقول بتميزها أولا صراع البداوة والحضارة متأثرا بعالم الاجتماع الكبير ابن خلدون. وعنه أشار المحاضر إلى كتابه (وعاظ السلاطين) عام ١٩٥٤ك" قد أثار السلاطين والواعظين عليه لدرجة كتابة خمس كتب ضده في نفس السنة مع عشرات المقالات ومحاولات اغتياله بتحريض من رجال الدين".

وعقب أيضا على ان :"هذا جعل الوري يرد في السنة اللاحقة ١٩٥٥ بكتابه الشهير (مهزلة العقل البشري) ليقول في مقدمته (لقد كتبت نتيجة الضجة ضد كتابي (وعاظ السلاطين) فقد ألفت خمسة كتب وعشرات المقالات ضده، وإني إذ أهدي هذا الكتاب لمن يفهمون ما يقرؤون، وأخشى أن يفعلوا به ما فعلوا بأخيه (وعاظ السلاطين) الذي قلت فيه (إن الانحراف الجنسي يزداد بين الناس كلما اشتد الحجاب والفصل بين الجنسين)".

وفي معرض المقارنة قال الحيدري:" كان الوردي وشريعتي يدعوان إلى الوحدة الإسلامية ". واستطرد بمقارنتهما قائلا:" لقد تأثر كل منهما بالآخر رغم عدم لقائهما حتى لتظن أنهما يجلسان في غرفة واحدة يملي أحدهما على الآخر حتى اصطلاحات كل منهما استعملها الآخر وتوسع فيها ".

 واكد د. الحيدري على أن حياة شريعتي الذي عاش نصف عمر الوردي فقد كانت كلها ضمن عمر الوردي لكنه كان يعرف العربية بحيث يستشهد بكتب الوردي في أحاديثه وكتبه، ولا أحسب الوردي يعرف الفارسية حيث لم تترجم كتب شريعتي آنذاك فلم يستشهد الوردي بشريعتي أبدا.

ثم تناول الحيدري نقدا علميا للعليين ونظريتيهما مثلا لم يقبل الحيدري بتميز العراقي عن غيره بازدواجية الشخصية العراقية ورأى أنها عامة للبشر لا تختص بالعراقيين وضرب لذلك أمثلة. كما مدح كتاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي لشريعتي لكنه بلا مصادر وفيه أخطاء كثيره.

وكان الحيدري قد ختم حديثه قبل انتهاء المدة المحددة له بـ٤٥ دقيقة حيث تحدث لاثنين واربعين دقيقة فقط ليفسح المجال للمداخلات والحوارات والتي تناولت عدة مفاصل جاءت على ذكرها المحاضرة وقد طرحها البعض بصيغة أسئلة نأتي هنا على ذكر المهم منها :

سألت الصحفية نضال إبراهيم عما إذا كان الوردي سياسيا ؟ ولاحظت أنه في مؤلفاته لا يتعرض إلى سلبيات الخلفاء فهل هذا مراعاة منه لئن لا يثير قراءه فكانت إجابة المحاضر انه لم يك سياسيا أبدا فهو علماني، أما لناحية تعرضه للسلبيات فذكر على العكس انه انتقد عثمان ومعاوية .. ثم تداخلت السيدة أحلام أكرم الناشطة النسوية العربية فأثنت على المحاضرة وقالت انها استزادت بمعرفة كل من الوردي وشريعتي لكنها تساءلت عن موقفهما من حقوق المرأة. وسألت المحاضر هل الدولة الدينية، في هذا العصر تخدم المواطن، خاصة أن أغلب الدول العربية متعددة الأديان والطوائف ؟ فكانت الإجابة إن كلا من العليين كانا إلى جانب تحرير المرأة وشريعتي مثلا لديه ثلاثة كتب عن المرأة تناولت تحريرها والوقوف إلى جانب حقوقها والوردي كذلك يؤمن بذلك لكنه في تطبيقه الشخصي مع عائلته لم يك كذلك، وهذه بحد ذاتها ازدواجية شخصية، التي كتب عنها كثيرا ..وكان لدى الدكتور نجم الدين غلام تعليقا فنقل عن علي شريعتي قوله إنه يفضل أداء صلاته في البيت بدلا من مسجد يقوم أحدهم فيه ان يسرق حذائه .. وقال إنه شهد هذه الحالة للأسف ثم سأل أن هناك لغطا حول قتل شريعتي حيث يقول البعض انه كان كثير التدخين ولديه امراض مات نتيجتها ولم يمت نتيجة قتله من السافاك .. أكد المحاضر ان نتيجة التحقيقات البريطانية أظهرت انه قُتل. اما الأستاذ علي عيدان فقد سأل د. الحيدري عن سبب عدم تطرقه لكتاب مهم للوردي وهو (الإسلام دراسة سوسيولوجية) الذي ذكر فيه التقسيمات الاجتماعية في فجر الإسلام وهو كتاب مهم وكانت الإجابة بانه لم يذكر هذا الكتاب المهم بسبب ضغط وقت المحاضرة لا غير، وهي ملاحظة جديرة .. وكانت لدى الأستاذ الكاتب صادق الطائي ملاحظة وسؤال .. الملاحظة انه كما ذكر المحاضر أن علي شريعتي لم يكن لديه كتبا، انما كانت محاضرات في كاسيتات تم جمعها بكتب فتلك الخطب او المحاضرات هي عبارة عن بحث شفاهي، ليس فيها بحثا رصينا فقد كان يعوزها ذكر المصادر وان سمعته السياسية هي التي صعدت من جهده الفكري .. حول هذه الملاحظة قال المحاضر إنه ذكر ذلك فعلا .. لكن كتابه العودة إلى الذات قام بتأليفه .. عاد الطائي وأكد ان رسائله الجامعية، أثناء دراسته بباريس كانت مكتوبة .. اما سؤاله هو أنه يريد التأكد من صحة ما وصله من المحاضرة ان الإثنين تأثرا ببعضهما .. أجاب د. الحيدري لا انا قلت ان شريعتي قد تأثر بالوردي لأنه قرأه لكن هذا الأخير لا اعتقد انه اطلع على فكر شريعتي لأن هذا لم يك مترجما للعربية والوردي لا يعرف الفارسية . ثم تساءل اين الإصلاح الاجتماعي في فكر علي الوردي .. هل يوجد في آثاره أطروحة واضحة بالإصلاح، فهو يصنف في علم الاجتماع باعتباره من المؤرخين الاجتماعيين ؟! فكان رد المحاضر آن كتابات علي الوردي شخصت سلبيات اجتماعية ودعا إلى الإصلاح وبعكس ذلك فتلك وجهات نظر .. ثم طرح الأستاذ سعد الاراكي أن علي الوردي درس التاريخ بقراءة اجتماعية – علمية جديدة ولهذا اصطدم بأصحاب الدراسات التقليدية الذين يرجعون التاريخ إلى العقائد وللوردي تشخيص طبيعة المجتمع العراقي وتركيزه على مبدأ البداوة وعلاقة العشيرة بالدولة .. فهذا التشخيص يصح حاليا على الواقع المعاش حيث ارتفع رصيد العشيرة على عكس ما شخصه قبل خمسين عاما علي الوردي. وهذا ما أكده المحاضر أيضا.

وكانت هناك أسئلة أخرى أعادت ما طرحه المحاضر .