
إذ يفقدُ الأدبُ العراقيُّ صادقًا الصائغ؛ فإنّما يفقدُ به الشاعرَ المختلفَ عمّا سواه، والكاتبَ الجريء، والمسرحيّ ذا الموقف، والخطّاطَ المجدّدَ في معالم الخطّ العربيّ، ويفقد به، قبلَ ذلك، الرجلَ الصادقَ الذي ينبئ ظاهرُه عن باطنه، ويطابقُ قولُه فعلَه، المُصغي، في كلّ حالاته، إلى ما استقرّ في ضميره.
الشعرُ عنده، لا يعدو أن يكونَ، صورةَ حياة؛ هي حياته بشؤونها وشجونها؛ بما وقع له أو عليه، وما جرى له مع الآخرينَ من خير وشرّ؛ ينظر فيها، ويستعيد ما مضى منها، ويكتب ما يرتسم في ذهنه منها بلغةٍ مألوفةٍ متداولة تسِم الوقائعَ بما هي عليه من قساوةٍ وخشونة. وهو، عنده أيضًا، ممّا يستعين به على مواصلةِ الحياةِ، وتداركِ الفائت.
وكان قد اتّخذَ منذ أوّلِ حياته معتقَدًا يستضيء به من أجل حياةٍ حرّة كريمةٍ، وجعل يُداني بينه وبين الشعر؛ لا يريد أن يخلوَ شعرُه من مقاصدِ المعتقَد، ولا معتقَدُه من أطيافِ الشعر؛ حتّى إذا ضاق ما هو فيه، وسُدّدتْ نحوه، ونحو صحبه السهام؛ وجد في "الكركدن"؛ ذلك الكائنُ المطارد، المطلوبُ رأسه؛ صورةً له ولأمثاله فكتب: "نشيد الكركدن"؛ يدفع به تلك السهامَ، ثمّ عقد العزمَ على المغادرة، وضمّته بيروت إليها مع غيره ممّن ضمّت من المغادرين، وضمّته، من بعدها، مدنٌ أخرى، وهو حريصٌ، في حالاته كلّها، على ضميره، وفكره، وقلمه، وريشة رسمه، وحريص على أن يحفظ أخلاصه لما يراه حقًّا وصوابا.
ومع كلّ ماله فإنّه بعيدٌ من الزهو، لا يدّعي، ولا يتزيّد، قريبٌ من ملامسةِ نفسه على حقيقتها في الذي لها والذي عليها. ولقد جعل ذلك منه فريدًا بين أبناء جيله، وجعل فقدانَه خسارة بيّنة...







