
إلى القاص والروائي محمد عبد حسن
(*)
(نزحوا من المدن البعيدة والقريبة لكنهم تطبعوا بأطباع البصرة.
البصرة ما تتغير، هي تغير الناس.. مدينة خير/ دفوف رابعة العدوية)
(*)
قبل قراءتي (نوائح سومر) قادتني أصابعي، إلى الصفحة الأخيرة، من المطبوع، فيها عناوين كتب المؤلف عبد الستار البيضاني.
فجأة ً سقطت عيناي على (دفوف رابعة العدوية) تمنيتُ.. ثم حاولت الحصول عليها.. ثم تبسمتُ وتراجعت ذاكرتي نحو مرحلة المتوسطة: جلبت لي شقيقتي وهي من طالبات اعدادية العشار للبنات، (قصر الشوق) الجزء الثاني من ثلاثية نجيب محفوظ، لأن(بين القصرين) استعارته أحدى الطالبات، ثم قرأت (بين القصرين) و(السكرية) وكذا حالي مع أجزاء (الأخوة كرامازوف)
ورباعية لورانس داريل، و(الجبل السحري) توماس مان. لكن هذه الاشكالية جعلتني أعيد قراءتي لهذه الكتب ضمن تراتبية المؤلف، مع جان بول سارتر توفقتُ في قراءة ثلاثيته (الحزن العميق) (سن الرشد) ( وقف التنفيذ) بالصورة الصحيحة، وكذلك (ثلاثية نيويورك) التي اعارني إياها في تسعينات القرن الماضي الصديق
الحميم الأستاذ صفاء صنكور
(*)
(دفوف رابعة العدوية) علاقتها مع (نوائح سومر) تختلف، لكن وأنا أتنزه في دفوف العدوية، شعرتُ ثمة وشائج بين السارد المشارك بصياغة الحدث الروائي، وإذا كان للبصرة حيزاً في (نوائح سومر) فأن البصرة هي الشخصية المحورية في رواية (دفوف رابعة العدويّة). وهذا ينفعني، ضمن مشروعي النقدي (الرواية : بصرة) أنجزتُ الجزء الأول من مخطوطتي، الآن قطعتُ شوطاً مع الجزء الثاني، وقبلهما طبعتُ على نفقتي (القصيدة بصرة) دار ضفاف/ بغداد / الامارات/ ط1/ 2012
(*)
تستقبلنا الرواية بهذا السطر (كلُّ شيءٍ جرى في غفلة ٍ مني!)
وتودعنا الرواية بهذا السطر (كان الصوتُ يهبط ويصعدُ، يأتيني متّصلا أو متقطعاُ أو منفصلاً من أعماق غابة زهور عباد الشمس التي ضاعت في ثناياها يدي وذاب جسدي) حين انتهت قراءتي الثانية للدفوف... وهي من منشورات اتحاد الأدباء/ ط1/ بغداد/ 202 ربما توصلت إلى أن هذه الرواية رحلة تنطلق من الواقع ثم بمشاق الرياضات، تصل إلى الما وراء، وإذا فشل السارد في امتحان القبول ضمن المقدمين على الماجستير، فمن المؤكد أن الخاسر هو الذي ينال المراد، الخسارة هنا هي المكسب، فالماورائيات لا يمكن بلوغها ضمن الأروقة الأكاديمية المتجهمة، ولا يمكن أن يفوز المر ء مرتين، فقد عرف الأب من أي أرومة طيبة أصل العائلة، وهذه المسألة غدت ضرورية، في زمن المناطقية والطائفية والعشائرية.
(*)
الرواية من جانب آخر، بالرياضات تنتقل من الحيز اللامرئي إلى سعة المرئي الملموس وهذا التحول ليس برمشة عين بل عبر مسيرة آلام روحية محتدمة. لشخصية السارد، وبشهادته غير المجروحة (فأنا باختصار شديد معتقل في رأس امرأة)، ثم يفكك للقارئ الشفرة،بخصوص شهادته بعد صفحات من الرواية (منذ سنوات طويلة أعرف هذه المرأة، وأستطيع القول إنها من أصدقاء العمر ولا شيء يضاهي وجهها غير جمال روحها ومعنى اسمها (قبس) الذي يبعث في داخلي ضوء حب الحياة/ 9). هنا تتساءل قراءتي هل هناك ثمة جذب يجعل السارد سادراً في رشدهِ ؟
(*)
السارد المشارك في صياغة الحدث الروائي وهو في الخامسة من عمرهِ، وبغياب زوجها، الذي يعمل بالقطارات، تجعله الجارة دفئا لفراش الزوجية! وكذا تفعل معه جارة أخرى، من يومها عرف (أن المرأة هي التي تختار الرجل وتستدعيه إليها/ 8) وحين تصغي له قبس، ترد عليه (عليك أن تعرف أنيّ مثل رابعة العدوية، مع كل ّ الغناء والرقص الذي يُنسب إليها، فإنها نست لذّة الجسدِ.. لذتي في اتّصالي الروحيّ... هل تعرف رابعة العدويّة ؟) وحين تقرأ له بيت من الشعر الشعبي الجنسي، يخاطبها(أنت تتناسين الجسد ولم تنسينه/26) هي حمّلته مشاق كيفيات الوصول المعرفي والصوفي والتاريخي، لشخصية رابعة العدوية. هنا التراسل المرآوي بين امرأتين وبين عصرين بينهما مسافات شاسعة من العسف والجور والظلم والفسوق والفساد والصهيل والصليل والملل والنحل.. من خلال الكيفيات ربما يقترب بعض الشيء من ظلال رابعة العدوية، ومن ثمَّ لعل (قبس) تطلق سراحه وتحرره من عينيها، وبشهادته (أنني أؤسس لطريق لا يمكن لاحد غيري يراه/ 28) والطريق الذي سيسلكه إلى رابعتهِ سيقوده إليها وبالضبط إلى معنى توهج الأنوثة فيها.
(*)
السارد نفسه يكابد اعتقالا آخر من قبل زمن همجي كابده شعبنا العراقي، فهو مع قبس في مطعم أنيق، وهو يتأمل عينيها، يوصله التأمل إلى عصف طائرات الجكوار الفرنسية على أطراف البصرة، في مهزلة معركة (أم الحواسم) وهنا يحدث تداعي كلمات، أثناء القصف خاطبه صديقه الجندي (خلي عينك بعين الله) قبل أن يبتلعه عصف الصحراء... وها هو الآن في المطعم لا يرى سوى عينيّ قبس فترده قبس بسؤال ٍ سيكون مصيريا (استغرب.. كيف أنت أصلك بصراويّ ولا تعرف رابعة العدويّة ؟)
(*)
في ص30 يخبرنا السارد (كنتُ في البصرة أثناء خدمتي العسكرية) يكرر ذلك في ص73(وأنّني لم أزر البصرة منذ أن تسرّحت من الخدمة العسكرية نهاية الحرب العراقية – الإيرانيّة)
ما بين الأقواس، لمسناهُ في رواية (نوائح سومر) يقدم لنا السارد المشارك وصفا سياحيا للبصرة ويخبرنا عن علاقاته مع طيبة البصرة ، من خلال جندي معه في القوة البحرية، لكن في (دفوف رابعة العدويّة) سيخترق السرد أعماق البصرة بدءاً من أوائل القرن العشرين. يتجسد ذلك بالرجل البصري المخضرم(عبيد الخربطلي)
(*)
في الصفحة(30)، من رواية دفوف العدوية، يعرف القارئ أن والد رابعة كان (معيبر)(كان أبوها يعمل في زورق لنقل الناس في البصرة، ليعيل بعمله بناته الأربع، وكانت عدويّة رابعتهن لذلك سّميت رابّعة، أربع بنات يتيمات وأرملة بلا مورد أو معيل) حياة شرسة ونسوة بلا أجنحة، هنا المشترك الاقتصادي بين قبس ورابعة العدوية، رغم التفاوت الطبقي بين المرأتين، وبشهادة قبس (أبي كان ثريا يمتلك مطاحن، ويمتلك جاهاً، ومكانة دينية واجتماعية، مكّنته من بناء مسجد في المنطقة) هذه الرفاهية المتسعة، جعلته يشرك أخاه الوحيد معه وبعض أبناء العمومة، من الثقة المطلقة بأخيه، تسللت فجوة، عندما جعل أخاه الممثل الشرعي الوحيد في التعامل مع التجار والفلاحين، ومحتوى الفجوة انشغالات الأب بأمور الآخرة، هل شعر الأب بدنو الأجل؟. العم الجشع استولى على الأملاك وقرر شرعياً يستولي على عائلة أخيه، لكن زوجة الأخ الراحل، رفضته زوجاً، حاول الضغط الاقتصادي على الأرملة واليتامى (بالتقتير عليها بمصاريف المعيشة/ 31).
(*)
رابعة العدوية ورثت مهنة والدها(تشتغل بدلا من أبيها(معيبر)..) سؤال قراءتي أن عدوية هي البنت الرابعة، يعني أصغر البنات، لماذا لم يحدثنا المؤرخون عن أخواتها الثلاث، ولو بصورة وجيزة؟
ثم صارت مطربة وتغني والناس كانت تستمتع بصوتها وتقيم جلسات طرب، هل وهي تقود القارب بالمجاذيف كانت تغني
ربما هناك علاقة بين (حركة مجذايف قوارب الهور وغناء المحمداوي؟) هذا الاستدلال يتحول سؤالا يخاطب به السارد قبساً
(من الذي أتى بك إلى السنطور؟)
(*)
نحو السارد المشارك بالحدث، يتدفق التماهي بين: قبس ورابعة العدوية: فهو حسب قوله يريد أن يتحرر من عينيّ قبس أو من رابعة العدوية؟! فإذا به يصوغ سؤالا مزدوج القيمة (من الذي قادك من تعب المجذايف إلى قيامة الضرب على الدفوف فتمتزج الأرواح بالأجساد؟ / 47) فوّهة السؤال مصوبة نحو رابعة العدوية.. ثم يكون التصويب الثاني نحو قبس (من قادك من مشاعر القبولات المستعارة إلى أبّهة عزف السنطور؟.. وأنت تضعين الشال الأبيض الشفاف على رأسك) ثم تتشكل الرؤيا بصيغة حلول ٍ صوفي (أراك تلقين نفسك في أمواج أوتار السنطور الذي تضربينه بمجاذيف من خشب، مثل مجاذيفها التي تضرب أمواج أنهار البصرة؟.. يا سبحان الله مضارب السنطور خشبيّة عند قبس مثل مجاذيف الزورق عند رابعة العدويّة لكنّها أصغر!/ 48) وحين تسأله قبس (ماذا لديك عن رابعة العدويّة؟) يكون جوابه (مثلك ِفي داخلها كمّيّة هائلة من الحب والجمال ولم تجد بين الرجال من يستأهله فاتّجهت به إلى الله... الناس تسمّيه ورعاً أو تصوّفا.. وأنا أسمّيه أنانية واستعلاء على الحب).. وهو على صراط المحنة يكاد يصرخ متوسلاً (أيّهما أنت ِ، رابعة أم قبس عازفة السنطور؟/ 50)
(*)
ربما تضعني قراءتي على مشارف الجواب في ص80 حين تخاطب قبس صديقها السارد: (أدخلت إصبعيّ في حلقتي المضربين وتمسكت بهما بقوّة، شعرت أنّهما الوسيلة الوحيدة التي تمكّنني من مصارعة أمواج السنطور والتغلب عليها،وياللمصادفة أن نهاية المضربين عريضين بشكل يجعلهما تشبه المجاذيف! لعلّها هي نفسها مجاذيف رابعة العدويّة التي كانت تصارع بها أمواج النهر لنقل الناس في قاربها، وتأمين عيش أخواتها بعد أن بقيت وحيدة، وها أنا أمسك مجاذيفي وعليّ مصارعة أمواج السنطور لتوفير لقمة عيش أمّي وأخواتي!) وصاحبنا المولع بين ظلال نافذتين متقابلتين، رجلٌ في مقام الحيرة، أسير تقابل المرايا/ النوافذ
(لايمكن أن أرى وأعرف إحداهما إلا من خلال نافذة الأخرى.. تارة أجدني مصلوبا عند نافذة عازفة السنطور أريد أن أطلّ من خلالها على حياة رابعة العدويّة، وتارة أخرى أجدني مصلوباً عند نافذة رابعة أتلّصص من خلالها على حياة عازفة السنطور)
ضمن مخطط الصورة من العلو يطل إلى الأسفل نحو رابعة
ويتلصص أفقيا من نافذة رابعة على قبس. ومن العلو والأفقي يتشكل صليب الرؤية لدى الموزّع بين نافذتين لا تتبادلان رسائله
في ص108 يخبرنا السارد(تصاعد ضرب الدفوف من خلف السيّارة، ومن أعماقي يصدر صوت عزف على السنطور.. عزف رخيم وهادئ وبطيء، عزف الدف والسنطور،أمتزج الصوتان في صوت واحد..عزف الدفّ وعزف السنطور لم أجد فرقاً بينهما)
ثم يربط بين العازفتين (رابعة تخرج كلّ الليلة من قبرها وتجلس على حافته، تأرجح رجليها في داخله، وترفع رأسها إلى الدفّ الذي ترفعه عالياً، تضرب عليه بهدوء وبطء السنطور، الذي يستجيب له من تحت يدي عازفة السنطور في كاتدرائيّة إيطاليّة.)
(*)
السارد الموّلع بقبس، في بحثه عن رابعة العدويّة، لا يهمه أنّها عرفت الطريق إلى الله. بشهادته يريد غير ذلك: (أريد أن أعرف الطريق الذي سلكته إلى الله/ 84) إذن هو معنيُ بالطريقة وليس بالطريق، يريد أن يعرف أيّ طريقة سلكتها ونالت المراد، فتجاوزت النسبي وتولهت بالمطلق.في الصفحة الثانية من الرواية يخبرنا السارد عن(قبس) بالأستعارة (أتفادى النظر في أيشيءٍ من جسمها، أو لونها، وأكتفي باستعادة طفولتي عندما كنت أستمتع بمطاردة الفراشات الحليبيّة في مزراع البرسيم/ 6) ثم ينعطف السارد ويقوم بالمقارنة ( لون جسدها ووجها أبيض حليبي يشبه تماماً تلك الفراشات التي كنا نسميها نحن الأطفال (حمامة السيد)
في الصفحة 141، وهو في حديقة الحسن البصري، جاور قبر رابعة العدوية، تتجلى له فيراها(أتملى وجهها، تلف على رأسها عمامة من قماش الحبر الأسود، فيزداد بياض وجهها ألقا، وجه أبيض حليبي يشبه تماماً لون الفراشات التي كنّا نسميها نحن الأطفال(حمامة السيد...) هنا التطابق بين امرأتين في نسخة واحدة
وهنا يتداعي في ذاكرتي قول الحلاج( فأذا أبصرتهُ أبصرتني / وإذا أبصرتني أبصرتنا)
(*)
في (القبولة) التي أقيمت في بيت خالتها، دخل في حياتها : كشفاً جديداً وهي تضرب على الدف(تيقنتُ الآن أن الصوت الذي كنتُ اسمعه ُ يتصاعد مع دمي هو صوت دفّ، ضربات الدفّ تشبه ضربات القلب، ولها اتساق مع نبض جريان الدم! / 67) لكنها تستدرك (لا تتسرع وتعتقد أنّني هنا تعرّفت على السنطور، نعم تحسّست شيئاً ما في داخلي عرفتُ فيما بعد أنّ اسمه الإيقاع!)
ثم تكتشف قبس المتعدد في الواحد أن(القبولة) هي (قبولات) وليس (قبولة) وهذا ما خفّف من نظرتها المتحفظة عليها، فلم تكن جميعها على شاكلة(قبولة) خالتها التي فهمت لا حقا أنّها فسحة للتحرر من قيود المجتمع، فهناك قبولات المواليد، المناقب النبوية، الذكر، مجالس عاشوراء، المآتم التي تختفي فيها الطبول، وتكون السيادة للدف وقبولات الأعراس والختان. وبتنويعات القبولات، حدثت متغيرات اقتصادية على قبس ومن خلالها على أسرتها.
(*)
اختيارها للسنطور، ينسجم مع ذاتها المتمردة ( لا أعرف شيء عن السنطور ولا شايفته.. هو غريب وصعب لكن مشكلتي هي أن الأشياء الغريبة تبعث في داخلي التحدي وأتغلب عليها.. ربما هو مرض!../ 71)
(*)
في بحثه عن المراجع والمصادر، يخبرنا السارد(سقط نظري على صورتها تشغل غلاف مجلة غير معروفة وهي تعزف على السنطور. التقطتها بلهفة، وكأني في سباق مع جميع الناس للحصول على هذه المجلة! / 75) في رواية (نوائح سومر) يعثر السارد الطفل، حين يقصد مع عباس بيت جليل طلبا للأوراق التي تحتاجها أم عباس بائعة اللبن، يعثر السارد على صورة الممثلة (شادية) وينجذب إليها، فيهديها إليه جليل. في 76 من (دفوف رابعة..) يستعيد السارد كلام قبس وهو يتأمل صورتها في المجلة (استعدت كلماتها وهي تنعطف بي من شارع الرشيد، ولكي تضمن عدم ممانعتي قالت لي: ألست تريد أن تعرف من الذي قادني إلى السنطور. فعندما اخترته هو ليس برغبة مسبقة، وإنمّا لكي أضمن قبولي في الدورة لقلة المتنافسين عليه، وهذا يعني حصولي على الراتب الذي سيخلّصني من تجوالي مع الملاية/ 77).
(*)
في ص90 ينتقل السرد من بغداد إلى البصرة، ويتراجع السرد نحو ماضي البصرة،وهنا يحق لي أن أصنّف الرواية، بالرواية المشطورة، ولديّ مخطوطة نقدية في هذا الصنف من السرد، والروايات التي صنفتها بالسرد المشطور متوفرة ضمن مقالاتي المنشورة في المواقع الثقافية* مع وصول السارد إلى مدينتي البصرة، سأكون معه في تناقلاته، وستحدث تداعيات شخصية بديّ فمعذرة للمؤلف وللقارئ
(*)
حين يحل في فندق يقع في منطقة (السعودية) تستعيد ذاكرته
جنود الجبهات الذين يأتون مضمخين بتراب وبارود معارك الحرب المنسية الممتدة من ملح الفاو المدمىّ إلى ثلج نوسود المحمرّ. مع مجيء الجندي البصري (طارق حمزة) تسطع طيبة البصرة وكرمها (عاتبني حمزة) بعنف عند دخوله الفندق، وأمرني على الفور بأن أجلب حقيبتي وألغي حجزي في الفندق والانتقال إلى بيتهم كان جادا ولم تكن مجرّد كلمات مجاملة، حتى أنّه تدافع معي للصعود إلى غرفتي لجلب حقيبتي بنفسه.../ 94) ثم يأخذني طارق أنا قارئ الرواية مع السارد إلى (حدائق الأندلس) التي كانت فسحة خضراء لا مثيل لها، تبعث البهجة والمسرة في نفوس أهل البصرة
تميزت بصرتنا بحفاوتها العائلية بالضيوف الكرماء بطريقة لا مثيل لها (شعرتُ أن العائلة كلّها كانت تنتظر وصولي، فقد وجدتُ نفسي أقف بين أمه وأخته، وزوجته، وطفله الصغير، يسلمون عليّ ويسألون عن أحوال عائلتي وكأنهم يعوفونهم من قبل!/ 94)
هنا ينعطف مسار الرواية وتكون رواية بحثية عن رجل اسمه (عبيد الخربطلي) والخربطلية الآن من أرقى المناطق في البصرة
وجواب والد طارق دقيق: عبيد ليس من سكنة المعقل، بل من منطقة الخربطلية التي كانت آنذاك مسكونة من قبل الفقراء.
البحث يصبح مزدوج القيمة : يبحث صاحبنا عن (عبيد الخربطلي) ويعرض لوالد طارق، أصول شجرته العائلية (جدّ أبي واسمه خماس، من سكنة أهوار(الصحيّن) كان قوي البنية، كما يروي أبناء عشيرتنا الحكايات عنه.../ 98) الفقراء يتحدون فيما بينهم في البصرة (يخرج جدي(سبع) مع ابنها عبيد الذي يعمل حمّالا في الميناء للعمل../ 100) وينتقل السرد من المعقل إلى (أمّ قصر) لأن عبيد الذي كان يعمل فراشاً في مستشفى الموانئ، انتقل إلى مستشفى الموانئ في (أم قصر) توجد بيوت للمنتسبين.
(*)
حين يذكر السارد(جسر الزبير) أرى الوقت ليلا داميا وجنودا مهزومين منسحبين من الكويت، وكل الأصناف العسكرية العراقية جعلتها الطائرات : مشاة ً وأنا (ج.م) مقداد مسعود معهم والجسر بقايا هيكل حديد، والعبور عليه مغامرة لا بد منها.
(*)
حين ألفظ ُ مفردة (أم قصر) استعيد 1974 وانتقال شقيقتي الكبرى للسكن فيها مع أولادها وزوجها الربان خريج ألمانية الغربية، وكنت معهم حيث سكنت العائلة في (حواش الخمسين) المخصصة للموظفين الكبار في البحرية.
(*)
حين تصل السيارة قرب(الخطوة) كما نطلق في بصرتنا على، أوّل مسجد بُنيّ في الإسلام خارج مكّة والمدينة، وخطوة الإمام عليّ حيث نزل الإمام عليّ في معركة الجمّل، هنا يخبرنا السارد الباحث عن (عبيد الخربطلي): (تناهت إلى سمعي ضربات دفء خفيفة، تلفتُ، خُيل إليّ أن الصوت يأتي من خلف السياج، تمنيتُ أن تقف السيارة لأسمع ضربات الدفء، بدأت أسمع ضربات الدف تترد في صدري وفي رأسي/ 106) بالنسبة لي كمواطن بصري، أن هناك مسافة لا يستهان بها بين الخطوة وحديقة الحسن البصري،
وبشهادة السائق العسكري الذي كان في جوارالسارد يتناول الشوربة في ساحة أم فجراً(تعال معي.. سأوصلك للباب بثلاثة آلاف دينار.. المسافة من المفرق إلى الباب طويلة/ 135).. أنا مع عائلتي نزور هذه الحديقة بين الحين والآخر نقرأ الفاتحة على أرواح :أستاذي محمود عبد الوهاب، والشاعرمحمود البريكان، والشاعر عبد الخالق محمود وقبر والدة الشاعر مصطفى عبدالله، والسياب، والمناضل الشهيد عبدالله رشيد.. لكن للروائي حرية المخيلة الإبداعية.
(*)
بيوت العمال في أم قصر، تتكون من(22) شارع.وضمن هذا التسلسل السكني العمالي، قطفتُ أنا وردة ً وصارت الوردة بيتي وضوء البيت وماتزال. الآن وتحديدا بعد 2003، تمردت هذه البيوت على معمارها الهندسي المتشابه، وصارت أكثر جمالية. والشخصية المحورية في أم قصر (عبيد الخربطلي) ساردٌ ينقلنا من (أم قصر) إلى (الداكير) في العشار، حيث تحولت (الداكير)إلى حوض تصليح السفن، وهنا تتداعى لديّ ذاكرة البصرة العظمى نحو خمسينات القرن الماضي بزغ (هندال جادر) كقيادي نقابي يقود عمال الداكير، للمطالبة بحقوقهم، وحين يسجن، يتجمهور العمال هاتفين(حيّ ميّت هندال نريده) بعد الإجهاز على الجبهة الوطنية، ومع الحملة الشرسة،على الحزب الشيوعي العراقي. سيكون هندال ورفقته أعلى من مشانق الطاغية.
(*)
اللسان الحلو للمخضرم عبيد الخربطلي، ينقلنا من شارع(15) في (أم قصر) إلى (مهيجران) منطقة زراعية وسكنية ضمن التسلسل الخصيبي في جنوب البصرة،
(*)
ينتهي دور عبيد الخربطلي، كشاهد عدل، في ملف(الرعوية) التي
فيستلم دفة السرد، صاحب(الرعوية) وينقلنا إلى عمق التاريخ الهجري، يومها البصرة بنت بيوتها من القصب، وبقيت سنوات طويلة بهذا البناء، وقصب هذه البيوت لم يقاوم حرّ البصرة، حتى أصابه الجفاف وأحدث فيه الثقوب والشقوق، مثل ثقوب النايات المصنوعة من القصب، فتهب الرياح على البصرة من جهات البحر والصحراء، فتمر على البيوت وتعزف على قصبها المثقوب مثلما تعزف على النايات وطوال هذه السنين تعوّد أهل البصرة النوم على أشواق البحّحارة التي تعزفها رياح البحر، أو وحشة المفازات البعيدة.
(*)
مخطوطتي عن الرواية المشطورة سرديا
(1) فاضل العزاوي : مدينة الرماد
(2) نيران العبيدي : باب الأزج
(3) ضياء الخالدي : 1958
(4) نبيل كزار: سيدي برج بابل
(5) غدي الأزرق: ريما بالي
(6) صيد الحمّام: علي شبيب
(7) سنوات سيرون: جمانة حداد
(8) الحدقي : أحمد فال ولد الدين
(9) خاتون بغداد : شاكر نوري
سيدة الظلال : باسم خندقجي(10)
(11)سميحة خريس: فستق عبيد
(12) دلع المفتي : رائحة التانغو







