الشخصية الضعيفة لدى السياب لم تقلل من إبداعه الذي نقل الشعر العربي من المحلية إلى العالمية وكسر قيود القديم. ومع ذلك ماهي الفائدة من إبداع بدر السياب الذي إنتفض على القصيدة العمودية فالجميع اليوم الذين تهجموا على (بلقيس شرارة) التي لم تنل من إبداعه، سوى انها تحدثت عن شكله وشخصيته. هؤلاء أغلبهم رموا إبداع السياب في المزابل لأنهم حتى اليوم يكتبون القصيدة العمودية، وهذا ينطبق على أغلب الشعراء اليوم، لكنهم من أجل الثرثرة والضجيج تراهم يحضرون مهرجان تخليد السياب لكنهم في حقيقة أمرهم متناسين إبداع السياب في الثورة على القديم فأين إحترام السياب من قبل الشعراء الذين تمسكوا بتعقيد الفراهيدي ولم يعيروا أي اهتمام للحداثة التي جاء بها بدر السياب وحين سمعوا عن هزال شخصيته ثاروا وقالوا ما قالوا.

نعم شخصيّة بدر كانت ضعيفة للغاية وهو في معهد المعلمين وحين يرى الطالبات يقرأن ديوانه لم يستطع أن يقول لهن أنا صاحب هذا الديوان لأنه كان يخجل من شكله وهذا ما نقله أكثر من شخص حتى قال: يا ليتني أصبحت ديواني لأفرّ من حضنٍ إلى ثانِ/ قد بت من حسدٍ أقول له / ياليت من تهواك تهواني /. السياب نفسه ذات يوم قال عن نفسه ( أنا خطيّة) . أما ضعف الشخصية السياسية فكان واضحا لديه تماما فهو كان شيوعياً ثم انقلب عليهم وراح يسبهم ويلعنهم في العلن بسبب شخصيته المهزوزة التي ليس لديها الكاريزما في التعامل مع الآخرين. وينقل بهاء الدين نوري الشخصية البارزة من أن السياب كان غيورا حين يرى أصدقاءه يتحدثون مع النساء ويشك في العلاقات بين الرجل والمرأة. فيقول ذات يوم كنت جالساً مع صديقة مشتركة لنا وإذا ببدر السياب ينظر من ثقب باب الغرفة لأنه شكاك هزيل لا يمتلك شخصية رصينة بحيث تمكنه أن يتحدث مع النساء ولذلك راح يحدثهن في أشعاره فقط. بدر أيضا معروف بشخصيته المهزوزة لآنه كان أول الملحدين وحين غادر العمل السياسي راح ينعت رفاقه من أنهم ملحدون بينما هو القائل في الإلحاد:

فنحن جميعنا أموات

أنا ومحمد والله

هذا قبرنا أنقاض مئزرةٍ معفرة

عليها يكتب اسم محمد والله

على كسرٍ مبعثرةٍ من الآجر والفخار

فهل هناك أكثر من هذا الكفر والمساس بالذات الإلهية، بينما يقول عن رفاقه من أنهم ملحدون. مات السياب رحمه الله وهو انتهازياً ضئيلا لايقر له قرار بل كان ضعيفا متأرجحا في أغلب أمور حياته، بحيث أنه قال عن الحجاج بن يوسف الثقفي بطلاً لاُيُضاهى!! لكن إبداعه يبقى في العلى وعلى مر الدهور، وله الفضل علينا جميعا في أن نكون محدثين تاركين الماضي وراءنا. وهناك الكثير من الشعراء كانوا ضعفاء بل كانوا يهانون يوميا ومنهم الشاعر الأمريكي الشهير أدغار ألن بو. هذا الشاعر كان ليس ضعيفا فقط بل كان مهانا على الدوام في البارات فكان يركل ويلكم من قبل النادل حتى يخرجهُ من البار وهو متورم لأنه كان لا يملك المال لما يعبّهُ في جوفه من الخمر. لكن : هل أثر هذا الضعف والهوان على إبداع ادغار ألن بو . أبدا: بل ظل في قائمة المشاهير حتى هذا اليوم. مات السياب دون أن يترك موقفا وطنيا ثابتا بل كان مشاغبا حسودا مع أصدقائه ورفاقه. مات السياب من أثر مرض عادي مثلما يموت البشر جميعهم بينما رفاقه الذين تكلم عنهم بالشائن ماتوا ميتة الأبطال تحت المشانق وتحت التعذيب لكنه يبقى في العلى شامخا على مدى الدهور كأول محدث عراقي وعربي رغم هزال شخصيته ومواقفه الوطنية المتأرجحة .

هاتف بشبوش/ شاعر وناقد عراقي