
هذه نزهتي الثانية مع الروائي خالد النصر الله، نزهتي الأولى في روايتهُ (الخط الأبيض من الليل) وبين النزهتين، أرسل لي الأخ الفاضل والصديق العزيز (أبو مازن) عبر البريد التقني، فصلا من الرواية، ثم فصلا آخر، وكنت معجباً بالفصلين، والآن أنا من الطائفين حول النخلة، لكن طوافي لا يشبه طواف سواي، فأنا في منتصف الطواف، أتقدم لا بوجهي بل بقفاي للجهة المقصودة.
(*)
من روايته الأولى(كانت السماء زرقاء)، وروايته الثانية (المستنقعات الضوئية): تعلمتُ أسلوب (تداعي الكلمات) وكانت لإسماعيل الريادة ِ فيه، مِن هنا فأن ذاكرتي وهي تقرأ عنوان رواية خالد النصر الله (الطّواف حول النخلة)، تستعيد (نخلة الله) التجربة الشعرية الأولى للشاعر حسب الشيخ جعفر، وتحديدا القصيدة التي هي ثريا المجموعة، أعني قصيدة (نخلة الله)، ثم يناديني الروائي والقاص المصري، بهاء طاهر لأميل نحو (شرق النخيل) روايته التي جعلتني أسيرها الطليق في 2009، ولصقت في ذاكرتي كما تلصق الطوابع البريدية على المظاريف المحشوة بالرسائل، في زمن الهواتف غير المحمولة، الوحدة السردية التالية (لا يأتي الموت حين يود الإنسان أن يموت) وصارت هذه السردية الصغرى، مظلتي أحيانا ودائما توزع هذا الزائر الأخير الذي يأتي ولا يأتي في مرايا ذاكرتي. النخلة شخصية روائية في رواية خالد النصر الله : والنخلة في الرواية رمز مزدوج القيمة، بينما الطواف يرد مرة واحدة، خارج سياق النخلة في ص64 يقول إسماعيل وهو في مكتب طرفة (كنتُ أطوف بنظرة متأملة حول اللوحات التشكيلية العديدة) والمرة الثانية حين يتكلم إسماعيل عن طرفة وبيته الجديد(جئت ُ به مرة بعد أن انتصب جزء من هيكله نظر إليه وطاف حوله يتأمله بصمت..).بينما النخلة ترد أكثر من مرة، في ص 74 تومض بالجمع (بساتين النخيل) وفي ص347 يصف حالة طرفة في يوم تحرير الكويت(قضى الأيام بعدئذ بالقرب من والده الذي لم يبرح نخلته وسط الحوش وسط كل الظروف) والنخلة ذات حضور أممي بالنسبة لطرفة (دائما هناك نخلة تنتظره في كل بلد يرتحل إليه/ 204)
(*)
إسماعيل فهد إسماعيل : حالة روائية نادرة، منذ (كانت السماء زرقاء) حتى روايته الأخيرة ( صندوق أسود كبير ) الكتابات النقدية عن إبداعه غزيرة، وقد وزع إسماعيل شخصيته بتعرجاتها الوجودية القلقة في روايته، وحرمنا من كتابة سيرته بقلمهِ، فهو كان منشغلا بشخوصه وليس بشخصه. وهنا سطع شخصٌ انشغل انشغلا ابداعيا بشخص إسماعيل، وتعرق كدحا وصبراً، ليرسم نخلة ً ويطوف حولها، ويجعلنا من المريدين والطائفين معه حول النخلة.
(*)
مواد انتاج رواية (الطّواف حول النخلة) لا تنطق وثائقيا، بل إبداعيا، الفعل الإبداعي يجسّد إدراك الضروري، المؤلف خالد نصر الله، يخاطب القارئ(هذه رواية مغزولة بالافتراضات والاعترافات، والوقائع والتاريخ، وبعض من الأقاويل والصحف والأحلام، فإن أحداثها تحتمل الخيالات أكثر من الحقائق) تلمس قراءتي أن نسيج النص يحمل مزدوجا قيميا متشابك فيما بينه، الافتراض مشتبكا بالاعتراف، الوقائع مشتبكة مع التاريخ، وتتداخل الأقاويل والصحف والأحلام، في كل هذه المواد الإنتاجية تكون الغلبة لخصوبة المخيلة على جهامة الحقيقة.
(*)
العقد السردي بين الروائيين: إسماعيل وخالد، يشترط فاعلية التسمية، الروائي إسماعيل يخاطب خالدا بقوله( أنت أنا ): أي أن خالد النصر الله سيكون اسمه إسماعيل، لكن إسماعيل الحقيقي مؤلف الروايات، لن يكون اسمه (خالد)، إسماعيل الحقيقي يخاطب المؤلف خالد بوضوح (وأنا ليس أنت، بل سيكون اسمي(طرفة)..) لكن هناك إشكالية في التماهي ، يعلنها كاتب سيرة إسماعيل، بسبب المسافة الزمنية بين الشخصين، حين يطلب منه الذي صار اسمه طرفة :(عليك أن تضع نفسك في سياق الأحداث، وتقصها بنفسك) هذا جواب إسماعيل الروائي حين سأله الروائي خالد النصر: كيف سأروي: (.. كيف سأروي أموراً مضى عليها سبعون عاماً../12) هنا سيكون ذلك بأثنين: التماهي في ذات طرفة وكذلك الاستعانة بالمخيلة. وهنا يقوم مؤلف الرواية بصناعة سرد المخيال
مؤلف رواية (الّطواف حول النخلة)، يخبرنا عن معاناته السردية الشاقة (انشغلت وقتها في إعادة الكتابة، مرة واثنتين، كيف لي أن أجعل القارئ يصدق بأني شاب في الثلاثينات لكنني شاهد على أحداث جرت قبل سبعة عقود، بصرف النظر عمّا أقسمت به لجواد، حول شعوري المحض بالحضور الكامل في تلك السطور، بكل الحواس التي تعمل في جسدي../ 372)، هناك بينة أخرى في الصفحات التالية وفي غيرها :
(1) في حالة لا مرئية، أسير بالقرب من أسامة وكأني كائن ظل، لا ينتبه إلى وجودي/ 44
(2) مصيره القادم وهو طفل لم يتحصل على إعداد كاف ٍ لمواجهة الحياة، لكن سيفعل رغما عنه، وسيبدأ بالتحوّل إلى رجل العائلة الثاني/ 50، وهو في مدرسة البنات، تنعته أحدى المعلمات( رجل الصف/ 60) ومن خلال تفوقه الدراسي صار طرفة يشعر(أنه رجلُ المدرسة كلها)
(3) في ص58 يحدث نوع من التماهي بين إسماعيل وطرفة، حين يخبرنا إسماعيل (كنتُ بين أولئك الصبية حينها، تعتريني دهشة متطلعة متفاعلة، لم أغب يوماً عن حكاية، وقد شكلت تلك الفترة الملامح الأولى لصداقتنا)
(4) في ص60 يخبرنا إسماعيل(طبعا، أنا أحسد طرفة على قبوله في مدرسة البنات، وليس وحدي مَن يشعر بذلك)
لكن المسافة شاسعة ومتعرجة وليست بالقصيرة (ما بين كوخ الثقافة ومجمع غاليريا أكثر من خمسين سنة، أحداث وحكايات، حروب وسجون وأخطار وخسائر، أقرباء وأصدقاء رحّلهم الموت أو المجهول/ 363)
(*)
أراني كقارئ منتج أمام جنس روائي يستحق أن أصفه ضمن : الرواية الواعية بذاتها، وتجعل القارئ واعيا بالتشكيل الروائي.
(*)
سيكون السرد كما يمشي رجل وقفاه وليس وجهه نحو المكان المقصود، بعد العتبة السردية التي تنتهي في ص13، نكون في ص15 مع الفصل الأول من الرواية، الذي يُرجع القارئ،إلى (نوفمبر عام 2009) وفي ص93 نكون مع (ديسمبر 2009)
(*)
في الفصول يتداخل ماضي طرفة في جنوب العراق، والحاضر الكويتي وتحديدا من 2009 وصعودا إلى 2017، والبرزخ السردي بين الزمنين والمكانين استعمال المؤلف إلى العنوانات الفرعية للرواية، وترقيم كل الفصول وكذلك استعمال النجوم الثلاثة في منتصف الصفحات (***)
(*)
نعود إلى أقنعة الأسماء: الأسماء الحقيقة كالبوصلة، في الخريطة العسكرية، لذا بالتواقت مع غزو النظام العراقي الغاشم لدولة الكويت (كان الشباب في منطقة الروضة يفككون اللوحات الإرشادية، أرقام قطع المناطق وأسماء الشوارع. / 319) وهكذا يكون الغازي في متاهة المكان. وفي ص306 يكون الحديث عن فارع حسين، وهذا الاسم قناع من تصنيع المؤلف خالد النصر الله يحيل فطنة القارئ إلى الشهيد الفلسطيني رسّام الكاريكتر(ناجي العلي) الذي كرّس له إسماعيل فهد إسماعيل رواية (على عهدة حنظلة) . الشاعر عماد عبد الغفور، هو الشاعر صلاح عبد الصبور، الذي كتب المقدمة لرواية إسماعيل الأولى (كانت السماء زرقاء) ونلاحظ أن المؤلف النصرالله يأتي بأقنعة الأسماء، بتناغم صوتي مع الأسماء الحقيقية للأشخاص. كما يتناول جزئية من حياة الشخص ليوصلنا إليه، فهو يصف عماد عبد الغفور(من ذا الذي لا تكفيه صحبة شاعر يكتب لعبد الحليم حافظ؟/ 208) فعلا أن الشاعر عبد الصبور في مجموعته الأولى(الناس في بلادي) هناك قصيدة غناها عبد الحليم حافظ، لكن هذه القصيدة المغناة ومضت واختفت، وهي أول أغنية لعبد الحليم من تلحين كمال الطويل، تم تسجيلها في الإذاعة المصرية في شهر تموز 1951، ويذكر المؤلف خالد النصر أن طرفة لديه رواية عنوانها(طائر السجون) وهذا العنوان قناعاُ تخلعه قراءتي وتضع مكانه العنوان الحقيقي هو (طيور التاجي) وكذلك الحال مع الثلاثية المصرية (النيل يجري شمالا)، يصنع له المؤلف قناعا بصيغة عنوان (الأنهار تحلق عمودا).. الشخص الذي لا قناع له هو (محمد جواد) أبو مازن هو الخل الوفي للروائي إسماعيل، أبو مازن ليس مجرد ومضٌ عابر في فضاء الرواية، بل هو الممول المعلوماتي للمؤلف، وله حضوره المتوهج في الفضاء الروائي، وموقفه العراقي المشرّف وهو ضمن المقاومة الكويتية، أثناء غزو العراق للكويت فهو يعلنها أمام المقاومين أجمعين (رفع جواد يده آنذاك يبدي مداخلته: أنا في خدمة المقاومة في كل أمر، إلا أن أرفع السلاح في وجه أبناء بلدي../ 323) موقف متميز متفرد هو ليس خارج نسق المقاومة الكويتية، لكنه يصون هويته العراقية، ولا يرفع سلاحا في وجه العسكريين العراقيين، فهو يعلم أن العراقيين أنهكهم الطاغية وهو يقود ما تبقى منهم من حربٍ إلى حرب، فهم وقود حروبه، لا حول لهم ولا قوة، مَن لا يحارب يعدم رميا بالرصاص، ويدفع أهله ثمن الطلقات ولا تقام له فاتحة، وكما قال ذلك المغني العراقي ومعه شاعر الاغنية، يناشدان العشائر العراقية (لاتنطي كهوه للماحمه ديارا)
(*)
رواية (الّطواف حول النخلة) للروائي خالد النصر الله/ دار الساقي/ ط1، 2025: تجعل القارئ يتنزه في نهيرات بين البساتين، الهواء يغرّد مع البلابل و المتنزه يستنشق الجوري والقداح وزهور البمبر والرازقي ويصغي لحكمة قلب العاشق وعين الهر وأجراس
المقالة منشورة في (الملحق الثقافي) لجريدة القبس الكويتية/ العدد 62 يناير 2026







