نادرا ما يحصل أن أشرع في قراءة روايتين أو كتابين في نفس الوقت حصل أن اقرأ ما تقع عليه عيناي من مقالات ومواضيع مختلفة تلك التي تثير الاهتمام، إلا إنهُ في هذه المرة وقعت في حب روايتين رائعتين، أحداهما رواية "البؤساء" للكاتب الفرنسي الشهير  (ڤكتور هيجو) والتي نشرت سنة 1862 التي تصف وبروح نقدية الظلم والقهر الاجتماعي في فرنسا بين فترتين بين سقوط نابليون في 1815 والثورة  ضد الملك لويس فيليب في 1832، والتي اعيد قرأتها بين فترة وأخرى. أما الرواية الثانية فهي "حصار العنكبوت" للكاتب العراقي الروائي النصير والقريب الى القلب (كريم گطافة). في الروايتين وجدت متعة لا توصف. تلمست في أجواء هذين العملين العملاقين خيطا متينا يربطهما ببعض وبقوة رغم الفارق الزمني الكبير جداً بينهما. ففي الوقت الذي يصور فيه (فيكتور هيجو) جانباً من حياة المجتمع الفرنسي وهو يغلي، وفي جوانب عديدة يتحدث عن مشاهد يا للغرابة وجدتها مطابقة ومقاربة لما يجري في العراق من فساد وتدهور أمني وتفشي الجريمة المنظمة وكيف يُحَارب اصحاب النوايا الطيبة مع المشاهد التي تعكس ما جرى ويجري في ساحات الاحتجاج في التحرير وساحة الحبوبي وبابل والنجف وكربلاء والبصرة وغيرها من سوح الكفاح بعد أن ضاقت بالعراقيين سبل العيش الكريم، حيث الانعدام الكلي للقانون وانتشار الجوع وفقدان الامن والأمل. وفي صفحاتها الـ 454 من الحجم المتوسط وسبعة اجزاء وفي كل جزء يشدك الى الأحداث شدا محكماً وتعيش مع شخصيته الرئيسية جان فال جان المتعدد الأسماء والأدوار ومحاولاته الافلات من الملاحقات التي تنغص عليه حياته بالرغم من محاولاته اليائسة للظهور بمظهر المنقذ والمحسن وصاحب القلب الطيب، كما يتحدث عن بناء المتاريس والاستعداد للتضحية والتهور والحب والحقد والمشاعر الإنسانية.

في "حصار العنكبوت" للروائي صاحب الذاكرة الفذة والمكتنز بالعاطفة الإنسانية والحس المرهف، يأخذنا الكاتب عبر تضاريس الجبال الوعرة والقرى الكردستانية النائية مع الفتية القادمين من مدن الوسط والجنوب مع أحلامهم وآمالهم بعيداً عن الأم والحبيبة والزوجة والعمل ومقاعد الدراسة ومحلقاً بنا بعيداً الى حد الارتعاش وأنا أقرأ. نطوف مع "كريم گطافة" وهو أصلاً كان مشاركاً في الأحداث، في عالم لم يغادرنا بعد نحن معاصري تلك المرحلة التاريخية المفصلية، التي كانت مخاضاً اختزل فيها كل معاناتنا نحن العراقيين ورسم ذلك كلهُ في لوحة هي الاروع في تصويرها لمعاناة شعب بكامله على صعيد الفكر والسياسة والهم الإنساني. وأجزم أن تلك المرحلة المصورة في الرواية كانت بمثابة مقدمة للتحولات التي اوصلت العراق الى الاحتلال ومجيء قطعان من عصابات مافوية عاثت بالبلد فساداً ونهبت ثرواته بدون وازع من ضمير. كل هذا يتجلى من خلال الإبحار في طوفان "حصار العنكبوت" الذي يضع القارئ أمام مسؤولية المشاركة في التفكير وأن كان ليس جزء من الحدث. أما بالنسبة لمن كانوا جزءاً من هذه الملحمة الفريدة وأنا منهم، فوجدتها هي الاقرب إلى القلب ربما لاني وجدت فيها جزءا مني وتعبير عن وجعي وجرحي الذي لم يندمل بعد. كل ذاك تعمد بدماء الشهداء والضحايا الأبرياء من الذين ذهبوا ثمناً لأخطاء ومواقف غير مسئولة كما يستعرضها المؤلف. توقفت طويلا أمام شخصيات الكاتب عرفت بعضهم ولم اعرف البعض الآخر أو بالأحرى لم أتذكر بعضهم، لأنه غيّر كل الأسماء الحقيقية المشاركة في تلك الأحداث مبقياً على أسماء الشهداء فقط.  إلا أنه وفي كل الأحوال فإن المؤلف قد جسدهم بطريقة مذهلة حيث غار في اعماق تلك الشخصيات وأظهر كل ما يكتنزوه في دواخلهم، عبر عنها بصدق وكأنهُ باحث في علم النفس. حين يتحدث عن منيب فيكشف مناطق ضعفه ومراوغته واصطناعه لمختلف الأدوار ووفقاً للظرف، فتراه ذاك الصارم، الآمر الناهي وفي موقع آخر يحاول امتصاص الغضب أو يلجأ الى المداهنة ويمارس دور الضعيف الذي يستجدي التعاطف بإلقاء اللوم على غيره. وفي كل الأحوال كان هو القائد السياسي الذي لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية. قدم المؤلف شخصيات روايته كأبطال حتى النهاية، لكنه لم يخف تعلقهم بالحياة وعمق انسانيتهم وحاجتهم للحب. في صفحات الرواية التي بلغت 367 من الحجم المتوسط تعيش المشاهد المروعة بكل تفاصيلها من خوف العوائل والاطفال والنساء كما تعيش حيرة الازواج وتحسس التردد وعدم الوضوح لدى البعض والتيهان وفقدان الأمل والتشبث بالحياة واللعب مع الموت، كما تعيش حالة الصراع من أجل البقاء، والبحث عن البدائل حين تترك لمصيرك وعليك اتخاذ القرار الصعب، في ظرف كل شيء مرهون بمصير غيرك.

ما زالت هناك مشاهد عالقة في ذهني من القراءة؛ مشاهد عناد ومقاومة النساء وتجشمهنَّ عناء تلك التضاريس المهلكة وتهرب الرجال من الاجابة عن تساؤلاتهن الملحة، مشهد الطفلة التي تضييع بين تضاريس الجبل القاسية، مشهد هروب حبيبة مع حبيبها ولوعة الأم عليها، مشهد فرهاد، سهراب وزوجته، حيدر كاميرا، مشاهد أيام الحشر التي حلّت بسكان القرى وسط الخوف من المجهول والمشاهد المتعلقة بالكيفية التي تصرف بها الأنصار وهم في أحلك الظروف.. وغيرها الكثير من المشاهد الذي برع الكاتب في تجسيدها بإحساس متفرد يدعوك الى التفاعل معها وكأنك جزء من الحدث ذاته.

ادهشتني هذه الرواية بدءاً من الإهداء وقبل الدخول في الطوفان، استهل الكاتب الرحلة بهذا الإهداء "فؤاد يلدا ... ما زلت الجرح الناتئ في روحي" وكان بهذا لسان حال كل من خاض تلك التجربة بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة. ما زال طعم ألم تلك الأيام عالقاً في أذهاننا ويأبى أن يستسلم للنسيان. وثم تأتي الدهشة الثانية في الخاتمة، وكأنه حرص على تنبيه من ما زالوا على قيد الحياة المأساة لم تنته بعد طالما مصير العوائل المغيبة ما زال مجهولاً ( حتى وقت كتابة هذه الشهادة، ورغم الحفريات الكثيرة التي نبشت في خارطة الدفن الجماعي بعد احتلال البلد 2003 وسقوط النظام إلا أن احدا لم يعثر على رفات تلك العوائل، ما زالت رفاتهم مجهولة..!)

صدّر المؤلف روايته بهذا التقديم (عشرون سنة وأنا كالشاة المشدوهة أمام رزمة أوراق قديمة كتبتها حين كانت الأحداث طازجة يتصاعد بخارها من أجسادنا). وهذه حقيقة كل من عاش تل الأيام الفريدة سواء المشاركين المباشرين أو غيرهم؛ يظل البخار يتصاعد من اجسامهم وهم يعيشون تلك الملحمة مع كريم كطافة. خصوصا وأن الحصار تمدد وصار حصاراً يطوق الجميع والى الآن.

 صوّر المؤلف ملحمته بهذه العناوين التي هي الأخرى ملفتة " قبل أن أتلبس بقناع الوسيط/ توقفت الحرب/ حمار الحرب/ انهم يخشبون النشيد الاممي/ كاكه انور يشتغل كوردي/ نا زيباري/ حين تكون نتائج الحلول متشابهة ..يعني ماكو حل/ رسالة كيمياوية/ انباء موسكو مقلقة/ حب يأتي مثل اشياء اخرى منهكا/ محنة (باكيت الزبدة ) مع الانصار/ شيرين تبحث عن نفسها/ الخناق يضيق/ محنة المعايير/ سجناء خطرون/ ماساة البغل النورس/ حرب الفيقي/ محنة سجان وسجناء/ نحن في حصار العنبوت/ بقرة عابد المقطورة/ انسحاب خمبابا البستان/ معاقبة اذاعة موسكو السوفيتية/ الموت لحماً/ كل مصائبنا من ورا العرب/ رحلة التيه/ كل شيء يحترق ارض الكرد بلا ريف/ اللة يلعن ذيج الليلة/ حادثة خطف/ إعادة إبادة إنسان النياندرتال/ لماذا سلم حمدان حبيبته الى رامي الدوشكا؟/ أول أيام السبي/ الهروب الى الامام/ لم نقتله هو قتل نفسه/ عرس في مغارة الدب/ المتروكون/ حرائق مراني/ كوة تفتح ولكن../ كابدات الوعل العاشق/.

أن كريم في "حصار العنكبوت" ابدع في كل شيء وفي كل مشهد من مشاهد الرواية تجد عالما ينبض بالحياة يرتبط بغيره من المشاهد التي اسلف ذكرها ارتباطاً محكما بطريقة الماهر العارف بصياغة جواهره الثمينة. بقى لي أن أقول، أن هذه الملحمة التي جسدت معالمها رواية "حصار العنكبوت"  تستحق بجدارة أن تكون فلماً يضاف الى المكتبة السينمائية التي أرّخت تاريخ الشعوب، فيها مادة غنية تستحق البحث في ثناياها لأنها تحكي قصة جرح لا زال مفتوحاً طالما بقى ضحاياه مغيبين ودمائهم لا زالت تصرخ وبعضاً من شهودها لازالوا احياء منهم من يتذوق طعم المأساة يومياً ومنهم من يتلفلف برداء الهزيمة  خوفاً من ذكر الحقائق ومنهم من رحل وحمل معهُ أسراره.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل