تعرّفت على كتابات الروائي السويسري كلود كيوني، الكاتب باللغة الألمانية من خلال روايته المعنونة "اللعبة الكبرى"، الصادرة بنسختها الهولندية لعام 2008.

   "اللعبة الكبرى" رواية تاريخية، أنثروبولوجية ومسلية. تدور أحداثها حول اكتشاف الاسكتلندي جون لاو (1671-1729)  للأوراق النقدية وأيضا حول الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في نهاية القرن السابع عشر في أوروبا.

  تتمتع الشخصية الرئيسة، جون لاو، بذكاء ومهارات في علم الرياضيات، استغلها في القمار ولعب الورق. لكن حلمه الرئيسي كان يتجلى في اعطاء دفعة لاقتصاد بلاده، اسكتلندا. وقد وضع خططا لذلك، لكن كلّ مرّة كانت أفكارُه تلقى الرفضَ بالأخص من قبل المصرفيين وجامعي الضرائب.

   كان جون لاو زير النساء ومحب للعب الورق. ورث وهو في سن مبكرة من والده، الذي كان صائغا معروفا، أموالا كثيرة وقلعة لوغهستون، التي لُقب باسمها، كما كان الحال آنذاك.

 مبارزات

   كان سلوكه وذكاءه في لعب الورق  محطّ إعجاب النساء بالأخص، لكن أحيانا يخلق له هذا الإعجاب أعداءً. كانت البداية مع أول مبارزة له في المدرسة الداخلية، التي أرسله أبوه إليها ليكمل تعليمه، آنذاك هزم خلالها غريمه. وعندما أصبح بالغا، فمبارزته الثانية، التي انتهت بوفاة غريمه، كادت أن توصله إلى حبل المشنقة. فسلوكه المستهتِر أوقعه في مشكلة مع غريمه ادوارد بو ويلسون، الذي كان أيضا معجبا بإيزابيلا فيليي (1657-1733)، المرافقة وعشيقة وليم الثالث فان أورونيا (1650-1702) ملك بريطانيا وإيرلاندا منذ 1689. لقد كانت المبارزة ممنوعة آنذاك وعقوبتها الإعدام. رفعت عائلة ويلسون المتنفذة قضية ضد جون لاو، فحكم عليه بالإعدام. لكن جون استطاع أن يهرب من سجن لندن، بفضل أمواله واتصالاته النافذة، كما جرت العادة في ذلك الوقت. وبذلك ينجو من حبل المشنقة. فبعد مبارزات وصدامات بالأسلحة، كرّس لاو حياتَه لتحقيق نظرياته واستقر بباريس.

الأوراق النقدية وألدورادو

  منذ نعومة أظافره، كان جون لاو لوغهستون مفتوناً ببنك أمستردام ونظام الأسهم الهولندي الذي استخدم في الاحتكار التجاري لشركة الهند الشرقية المتحدة. كان يتنقل بين أمستردام ولاهاي واسكتلندا وفرنسا، بين سنوات 1669 و1715. وكثيرا ما كان يتردد على بلده اسكتلندا محاولا اقناع أعضاء الحكومة بتأسيس بنك تجاري على الطراز الهولندي وانقاذ اقتصاد بلاده من الانهيار. لكن محاولاته لم تلق قبولا. كما أنه نشر خططه في كتيب عام 1705.

كانت فرنسا ملك الشمس لويس الرابع عشر، المسهب في البذخ والاسراف، ظاهريا غنية وقوية وفي الحقيقة  منهارة ومنخورة، وبعد وفاة الملك عام 1715، قدم جون لاو خططه المالية للوصي على العرش فيليب اوغليون (1674-1723).

وأخيرا، تحقق حلمه ونفذ استبدال النقود من المعادن الثمينة بالنقود الورقية في عام 1716. وفي نفس هذا العام أسس البنك العام الذي أصبح في ظرف سنتين البنك الملكي. وكان يعتمد على رمال متحركة؛ كسندات حكومية وسندات الدين. هكذا رأت الأوراق النقدية النور. وفي ظرف ثلاث سنوات، أنشأ جون لاو شركة مسيسيبي، على غرار شركة الهند الشرقية المتحدة الهولندية، باحتكار تجاري لمدة أربع وعشرين سنة وذلك لاستثمار المستعمرة الفرنسية لويزيانا بأمريكا، التي أرسل إليها أسطولا ينقل على متنه ستة آلاف فرنسي وثلاثة آلاف من (العبيد). وبذلك كان المالك الافتراضي لربع الأراضي الأمريكية.

فقاعة المسيسيبي

   فمن خلال الدعاية لشركة مسيسيبي ارتفعت قيمة أسهم لويزيانا ما بين 1719 و1720. وأصبح أصحاب الأسهم أغنياءً بين ليلة وضحاها. وشرع جون في تمويل مشاريع مثل بناء الجسور والمستشفيات والطرق وكذلك جعل الدراسة الجامعية مجانية. وكانت من ضمن ممتلكاته قصر مزاران، المكتبة الوطنية الحالية بباريس. لكن نجاحه لم يدم للأسباب التالية؛ من جهة، لأن الوصي على العرش كان يطبع  أعدادا هائلة من الأوراق النقدية مما أدى إلى انهيار قيمة العملة الورقية. ومن جهة ثانية، تناقلت أخبار بأن لويزيانا الغنية بالذهب والفضة هي مجرد مستنقع. هذا أدى إلى هلع بين الناس. فهرع أصحاب الأسهم للبنك لاستبدال سنداتهم نقدا وتحويل أموالهم للخارج. وكانت بداية انهيار قيمة أسهم لويزيانا وخسارة جون لاو وأكثر من نصف مليون شريك كل ما يملكون. فثار أصحاب الأسهم والتجار وعامة الشعب على الوضع وحملوا جون لاو المسئولية. فاضطر، عام 1720، للاختفاء من جديد لكي يستمر في مشوار حياته.

   لقد كان جون لاو من الأشخاص الأوائل الذين بنوا نظرياتهم بشأن مسألة النقود الورقية التي لا تكون تغطيتها مشمولة بقيمة الذهب والفضة للقطع المعدنية فقط وإنما أيضا من خلال الدولة والناتج القومي الإجمالي. حسب لاو، فإن رفاهية بلد ما تعتمد على كمية وسائل الدفع المتداولة؛ الأوراق النقدية، التي ليس لها قيمة في حد ذاتها، لكنها ستحفز التجارة. من الوهلة الأولى، كان يبدو أن الوضعية ستؤدي إلى تضخم الذي حدث فعلا، وكان نهايته الفشل الذي ساهم فيه الوصي عن العرش. فاضطر جون لاو لمغادرة باريس والتنقل بين فلاندرز، ألمانيا، الدنمارك وبريطانيا، إلى أن وافته المنية، عن عمر يناهز الثمانية والخمسين ربيعا، فقيرا مكسورا في 21 آذار\مارس عام 1729 بفيينا إثر التهاب أصاب رئته.

   وختاما، فإن رواية كلود كيوني مشوقة، تجمع بين التاريخي الوثائقي وبين الخيال في وصفة جمالية ممتعة؛ جعلتنا  نتعرف على زير نساء مستهتِر وفي الوقت نفسه فهو شخص منظّم، يجابه الصعوبات لتحقيق حلمه. وشاركنا جون لاو، كقراء مع الأعيان، يوميات  ملك الشمس لويس الرابع عشر بكل تفاصيلها وأهمية حتى تغوطه وتوليد المرأة أمام العلن، أو بالأحرى أمام الشهود على ولادة جنس المولود الجديد والعلاقات الأسرية الإباحية والوضع الاقتصادي والاجتماعي البائس في أوروبا وخصوصا عند وصفه الطريق خلال رحلته بين أمستردام وباريس، في كانون الثاني عام 1712، ومنظر الجثث المرمية على الطريق وفي القنوات والقرى المحروقة والمدمّرة إبان حرب الوراثة الاسبانية. أما الأوراق النقدية التي اختفت، طيلة سبعين عاما، من النظام النقدي الفرنسي،  لم تعد للتداول إلا بعد الثورة الفرنسية (1789 ).

عرض مقالات: