تحية معرفية ثانية:

منذ طفولتي صادفني أسم سميراميس في مدينتي: بصرة المعتزلة وصاحب الزنج والسيابجة والزط وأخوان الصفا والأشاعرة. قرأت اسم سميراميس على واجهة صالون حلاقة ورأيت الاسم مكتوباً بخط جميل على لوحة كبيرة لحانة صيفية غنّاء وفي العشرين من عمري استوقفني الشاعر العراقي الكبير بلند الحيدري في معلقته  سميراميس :

(سكر َ اللّيل ُ

  باللّظى المخمورِ

وأقشعرّت معالم الديجورِ

وسرت نسمة ٌ

فهشّ سِتارٌ

وأستغفته ضحكة ُ التغرير

فتنزى عن غرفة ٍ

وسريرٍ كان يجثو في قلبها المخدورِ

ورأى الليل ُ شمعة ً

تتلاشى

في دموعٍ تآكلت بالنّور

أطلقت ضوءَها الكئيب فأغفى

فوق ظلين

هوّما في السرير

وتهاوى لمسمع الصمت همسٌ

شنّج َ النهر

في الفراش الوثير

لملمت طفلة السكون الأماني

وتناهت في كهفها المسحور

وغفت ضجّة النهّار،

فماذا...؟

حرّك الحسّ في الدجى المخمور

أغرامٌ...؟!

عهد الغرام توارى

وأنطوى

مضجع الهوى المسعور

وتمشى في قصة الأمس سِرٌ

أيقظ الموت َ

في ذرى

آشورِ

فخلا القصر

غير طيف فراغ

عصف فيه لوعة ُ التدمير

وخلا القصرُ

غير حسناء كانت تعبد الصّمت في الفراغ الكبير

عتَقت شهوة الدماء،

فجنّت

دودة ُالطين في الدم المأسورِ

أين نينوس؟

زوجها المتشهى

أين لذات أمسه المأثور؟

كلُّ عرق في جسمها

يتلوى

بضجيج اختناقها المحرور

قد غفى أمسها الجميل وولّى

في المتاهات

كومة من عبير

فإذا البهو غيبة (وذهول)

فيه ما فيه فؤادها المستجيرِ

كل شيء ٍ هنا

مجرد شيءٍ

وجمود مقيّد بعصورِ

كم رأى الليل أدمعا تتمطى؟

كجراحٍ في وجهها المقرور

كم تهاوى

في مسمعيه نشيجٌ

وانتفاضات قلبها المكسور

كم تمنت ؟

لو أنها بنت راعٍ

تسجر الليل في لَظَى تنّور

كم تمنّت ؟

لو أنّها بعض ُ حلمٍ

لم يقيّد بعالم ٍ شريرٍ

لم يدنس بغمرة الطين يوماً

لم يعتق صداه بين القصور

كم تمنت؟

لو أنّ تلك اللآلئ

وهي في صدرها شهادة زور

زفرات

تبلوَرت فهي دنيا

سلّها الحبُ مِن دِما غرّير

أو أماني عاشق مستهام

 أو دموع

لشاعر مغرور

أي معنى لتاجها..

أتغذى نهم الجسم من سناه المنير..؟

أي معنى لعرشها المتعالي

وهو يشدو لعمره المنصور

ليس في تاجها

جنون حياة ٍ

ليس في عرشها بريقُ شعورٍ

تتلوى على الفراش عساها

تزرع ُ الحسَّ في الفراش الغدور

هكذا عفّر الخريف

جفوناً

لم تزل بعد مرتمى للنّور

هكذا صاحب الظلام سناها

وهو ينسلُ للفناء المرير)

ثم ينتقل الشاعر الكبير بلند الحيدري من القول الشعري كسارد عليم إلى القول الشعري بضمير المخاطب:

(سميراميس ذيّاك الذّي أدريه عن قلبك

  سميراميس من هذا الذي يغفو إلى جنبك؟)

ثم يعود السارد متقمصا صوت الكورس :

(ضجَر الصمت ليلة ً

  فتمطى

في غضون السّكون همسُ رداءٍ

عبر البهو كالخيال

رقيقا

يتوقّى مطارف الضّوضاء

وعلى ضفّة ِ الظّلام

تراءت

خفقتان من السنّاء الوضّاء

عكس القلبُ فيهما

مِن دِماه

بعض أطيافِ منية هوجاء

فوق نوريهما

التفات سنين وانتفاض لفكرةٍ

حمراءٍ

أي سرّ

في ناظريها يدوّي

أي سّر

في هذه الأصداء...؟

هيه..

مهلا..

لقد تحرك بابٌ

وشعاعٌ في الكوة السوداءِ

وعلى مبسم ِ السكون

تنزت بعض آثار ثورة ٍ خرساءِ

أطلقتها

آثام فتاهت مع الرؤى في الفضاء

أيه آشور

ذاك تاجك ِ جاثٍ

يتفانى على صديد اشتهاءِ

تلك .. راميس

دودة ٌ

تتشهى جيفة الأرض

.. ثورة الأنواء

شرقت بالسموم حتى تلاشت

صورُ الطّهر في الرُؤى الرعناء

طوقت أبنها

فسلّت دِماها

من صدى أمسِها القريب النائي)

ثم تقترب عين الكاميرا مبئرةً

: هنا.. هنا

  ها.. هنا

ربيع ٌ فتيٌ

وخريف ٌ مضمخ ٌ بشتاءٍ

عصف الشر فيهما

فتوارت

خدعة ُ الطهرِ والعفاف المرائي

صاح َ: نيناس.. تلك أمكَ

فأسكر برحيق الخطيئة العمياء

دنّس الماضي المسيئ

وحطّم

تحت رجليك عفة الأبناء

أنت َ.. ما أنت َ

غير كومة ِ طينٍ

فيك

ما في التُراب من أشياء

إيه.. نيناس

تلك أمّك

فأرفق بنداء الأمومة الشوهاء

لب صوت الخنا

فلّبى نداه

واستوى الفصل في ضمير الخفاء

ولوى الليل ُ جيده ُ

واستفاقت

في شفاه الحياة ِ روحُ سناءِ

ثم أغفت في كوة القصرِ كالحُلم

وظلت كهمسة ٍ بيضاء

ورأت قصة ً

فثار سؤالٌ

في عروق ِ السكينة ِ الملساء

...................

ثم تأتي الضربة القفل في القصيدة، بنداء يبثه الشاعر بلند الحيدري، إلى سميراميس قائلا لها:

(سميراميس مَن هذا الذي يغفو إلى جنبك

يريق الأثم في قلبك...؟)

فتُجيبه سميراميس :( هو أبني أيها الليل الذي يولدُ مِن رُعبك َ)

يلاحظ القارئ أن الشاعر بلند الحيدري، شعرن السيرة الذاتية لسميراميس وأجاد في ذلك، والقصيدة هي الفعل الثاني للشاعر بلند الحيدري. أما الفعل الأول فهو قراءات بلند السردية عن شخصية الملكة الآشورية سميراميس. القارئ سيزداد تشوقا في تكرار قراءة القصيدة وهكذا تخّصبت مخيلتي ورحت أفتش الكتب عن سميراميس وأسأل أشقائي عن كتبٍ تزيدني علما بهذه الملكة الحقيقية والمأسطرة بعد ذلك لدى الوعي الجمعي الراكز لدى الناس.. لكن بعد سنوات ستتكشف لي أن سميراميس المصنّعة شعريا على يديّ الشاعر بلند الحيدري لا تخلو من تلك المهيمنة التي رافقت شعر بلند آنذاك فقد وجد الحيدري جانبا يخصه في الملكة سميراميس  أعني بذلك موضوعة المرأة الملعونة وأن (موضوع المرأة الملعونة أو شدة تأثره به، قد حوّل ،، المرأة،، إلى رمز وجودي في شعره دون وعي منه. فقد أصبحت هي مصدر شقاء الإنسان في الحياة. بل هي المسؤولة عن،،مهزلة الوجود،، كلها.../ 169/ سامي مهدي/)

(*)

تمازج الميداني بالخيالي في شخصية سميراميس الملكة الآشورية، وهذا التمازج هو الذي أسطرَ شخصيتها العظيمة.ومثل كل الشخصيات الكبرى تكون ولادتها  في السياق نفسه(يكتنف مولد سميراميس ملكة آشور الغموض .. وأن أمها من الربات وقد هجرتها في الصحراء عند مولدها فأطعمتها الحمائم، ولما صارت ابنة عام واحد وجدها راع اسمه سميراميس عند محل صخري فتبناها، وكانت ذات جمال فتان وأطلق عليها اسم سميراميس../ 7/ ليديا هويت فارمر ).. والسؤال لماذا سماها باسمه؟  قراءتي لا تخلو من إساءة التأويل وأعني بذلك أن يبث الراعي  فيها تفعيل اسمه هو ميدانياً. والسؤال الأهم لماذا تهجر الأم بنتها في صحراء؟ هنا يوجد المسكوت عنه. هل القصد منها تفعيل اتصال ربوبي مع البشري. وما الحمائم إلاّ طوق سلام حول الطفلة، وربما ثمة تجسير بين حاء الحمام وحاء الحلول صوفيا. وهنا يشتغل السرد بالمحذوف( ترعرعت واشتهرت بجمالها الفائق وذكائها المفرط) هذه الشهرة المزدوجة هل كانت مسيّجة بعازل عن الآخرين، ألم يتشهاها رجل ٌ أو يتوله بها أحد الشباب؟ السارد لسيرتها يستأصل البشري العادي، فالبشري هنا عاطل لأن سميراميس أمها ربة من الربات لذا لن يظهر في حياتها إلاّ من هو بمستوى جذورها وهكذا سيعقد لها السارد عقدا ملكيا، فينتهي بل يحذف المربي الراعي والدها بالتبني. ومن يدري ربما هو والد الحقيقي حين تجسدت الربة أنثى وتشهت رجلاً فحلا ً فاختارت الراعي... المهم سيحذف السارد الرجل الأول في حياتها/  والسؤال الأخر حين شبّت سميراميس :ألم يشاهدها أثرياء نينوى؟ أولادهم ؟ يبدو أن هؤلاء كلهم لا يروقون للسارد العليم !! لذا (رآها يوماً مينوس حاكم نينوى وهو يتفقد رعية الملك نينوس في سورية،فأستوقفه جمال هذه الفتاة وشغف بها فتزوج منها.) وهنا سيتراجع دور الحاكم الذكر ويعلو منسوب الزوجة سميراميس، فشاركت الحكم أولا ً بنصائحها ثم صارت سميراميس تحكم من خلاله  وستخدمها تلك الفرصة الذهبية، حين أضرمت الحرب بين الملك نينوس والبكاترة التي لم تخضع له. سوف ينتصر الملك نينوس ويستولي على البلاد ولكن مدينة (بكتريا) ستكون مغلّقة الأبواب أمام صليل سيوفه وصهيل خيوله

إذن ما نالته نينوى هو انتصار ناقص، لأن السلطان المهزوم متحصن في (بكتريا) وهنا أستدعى منيوس وهو مستشار الملك نينوس زوجته سميراميس لتنقذ النصر من الهزيمة.وهنا حدست سميراميس أنها سترتقي سلما ذهبيا وهذا ما حصل حقاً.. هنا يخبرنا لنا السارد  : لا الملك ولا مستشاره يفهمان شيئا من دهاء الحروب. بل المرأة التي لم تحارب – نقول ذلك على ذمة السارد العليم – ستقوم مقام هيئة أركان حرب وتنتخب فرقة من المتسلقين، وتقودهم شخصيا وتستولي على قلعة البكاترة. إذن ما جدوى قتال الجيشين في السهل الرحيب!! وهكذا انتصر الملك نينوس وانهزم مستشاره الغبي منونيس فقد انتقلت الحرب إلى سرير الزوجية وكانت مكافأة سميراميس زواجها من الملك نينوس وسيعوضه الملك بتزويجه أبنته. وهنا يحتدم منونيس فيختار شجاعة الانتحار

ستشارك سميراميس الملك نينوس الحكم وستكون هي الملكة  وسيكون الملك غبيا جدا ربما بسبب غوايتها الجنسية أو سحرها.. إذ تطلب من سميراميس التخلي عن الحكم لمدة خمسة أيام : أمام هذا الطلب أراني أصغي لحكاية خرافية، كلنا يعرف دهاء الملك، والمغزى من هذه الحكاية

كما حذرنا منها الشاعر العراقي فاضل العزاوي في وصاياه العشرة ومنها الوصية التالية ( لا تلعب بالحبل مع الجلاد، قد يقتادك للشنق/ الشجرة الشرقية). وافق الملك الشيخ بل أذعن لغنج فتوة زوجته، فلبست خاتم الملك وتربعت على عرشه، وصدرّت أوامرها إلى الملكة المترامية وألزمت الجميع بتنفيذها.. وكانت مكافأة الملك تزيد على مكافأة الملك لمستشاره مينوس المسكين : كان مكافأتها لزوجها الملك: قبرا مهيبا مزّين بتماثيل من ذهب..وهنا صوت سميح القاسم (خوفو يموت فشيدوا قصراً يعيش به الزوال) سميراميس سارت على نهج الجبابرة الذين يعرفون أن شعوبهم تكرههم فيتوسلون فن العمارة لتخليدهم. فاستعبدت مليونيّ عامل لبناء الجنائن المعلقة. وصار اهتمامها بتطوير مملكتها : لقد روضت نهر الفرات وجعلت يصب في بحيرة تم حفرها بأوامرها وكذلك أقنية هائلة  وذللت الجبان والوديان لمآربها العمرانية وعند الجبال الشاهقة غرست حديقة ً غناء لا مثيل لسعتها، وعلى سفح جبل نقشت صورتها واستمرت في تدجين الصخور والأنهار بإرادتها الفولاذية.. لذا يحق لها أن تباهل بنفسها قائلة – على ذمة الراوي – (خلعت عليّ الطبيعة شكل امرأة إلاّ أن أعمالي فاقت أعمال أشجع الرجال، فحكمتُ امبراطورية نينوس التي تمتد شرقاً حتى نهر هيهانام وجنوباً إلى أرض المطر والمر، وشمالا إلى بلاد السيشان والصوجدبان.. لم ير قبلي آشوري البحر الكبير، فأنا أبصر بعيني أربعة بحور تعترف شواطئها بسلطاني. وأكرهت الأنهار على أن تصب طبق إرادتي. وسيرت ماءها لإخصاب الأراضي التي كانت من قبل قاحلة وبِلا سكان. أقمتُ البروج المنيعة، ومهدت الطرق التي لم يطأها من قبل إلا وحش الغابة. وفي وسط هذه الأعمال العظيمة وجدت مجالا للسرور واللهو)

حصان طراودة بنسخة منقّحة

الكرسي لا يرتوي ولا يشبع، والكراسي سقياها الدم البريء. والظلم يبدأ نزوة ثم يصير هواية ثم يصير مهنة  حتى يتحول من العادات والتقاليد لدى الحكّام. والبقاء فوق الأرض مشروط بمحو الآخر ..أي آخر وكل الكراسي تريد التماهي بذاك الكرسي الشفيف الأزرق المتعالي. الحاكم متورط في النهاية بكرسيه. ولا يريد رؤية أي كرسي سواه.. والهند آنذاك مهلكة الفاتحين منهم الإسكندر المقدوني وسميراميس  الآشورية.. التي قررت استعمار الهند وضمها لمستعمراتها ولم يردعها كلام المرسل بيد رسوله، وحاولت تصنيع أفيالا بجمالها (فأمرت بتغطية مائة ألف جمل بجلود الثيران السوداء المخيطة لتقلد الفيلة وقد أعتلى كل حيوان محارب.وبنت 2000 مركب لتشق الهند وأخذت أجزاءها وحزمتها على ظهور الجمال..) وفي البدء نجحت الخطة، فقد أسر جيش سميراميس آلاف الأسارى وغرّقت ألف مركب هندي في نهر الهندوس – ننقل ذلك على ذمة إعلام المؤرخ آنذاك – ليت سميراميس اكتفت بهذا القدر من النصر..بل طغت / طمحت بالمزيد خصوصا وهي ترى الجيش الهندي يتقهقر أمام فيلة المزيف.. لكن حين انكشف الزيف تقدم الجيش وانكسر جيش سميراميس. وهنا سيلفق لنا المؤرخ رمية ملكية (أصابها  سهم الملك الهندي، ولم يعبر خلفها لتحذير كهانه من العبور..) انكسر حلم الملكة تصالح الطرفان وتبادلا الأسرى لكن الانكسار الأكبر استقبلها على حدود مملكتها. فقد ثأر ولدها لوالده الملك المغدور.. وهنا ستنتقل سميراميس من البشر الفانين إلى سجل الخالدين.. فقد فضلت الانتحار.. لتتحرر أخيرا من رسوخ الكرسي الدامي واستعادت صحبتها مع حارسات طفولتها الحمامات بعد أثنين أربعين عاما من الفتوحات والحدائق والسيف واللهو.

العلاّمة طه باقر وسميراميس

نتوقف عند العلاّمة في ص555 من كتابه ِ الضروري تاريخيا لنا نحن أهل العراق بالأخص(مُقدمة في تاريخ الحضارات القديمة )،وهو يتناول لحظة تاريخية مأزومة  يطلق عليها العنوان الفرعي التالي (ضعف الدولة الآشورية) حيث دام هذا الضعف زهاء الثمانين عاماً. وفيها تم قمع ثورة اشتعلت في سبع وعشرون مدينة، وبالنسبة لي كقارئ عراقي هذه الثورة تذكرني بانتفاضة 1991 التي أضرمتها مدينتي البصرة وانتقلت شرارتها لمحافظات الجنوب والوسط، وكالعادة بالتواطؤ تخمد الثورات، لكن الحرب الأهلية واصلت دوامها الكامل وبلا استراحة محارب وبصيغة حروب أهلية، فاغتنمت الفرصة مدن كثيرة ونبذت تبعيتها للملوك الآشوريين..كما تخلصت في 1991 كوردستان أما سبب الثورة المغدورة والحرب الأهلية فهو أهوال استبداد (كبار الموظفين والنبلاء وحكّام الإقليم واستغلالهم السكان الأحرار ولاسيما الفلاحين والمزارعين../ 557/ طه باقر  ) يومها كان الملك هو(شمسي – أدد) الخامس وقد حكم أثني عشر عاماً وحاول جاهدا لإعادة الهيبة الآشورية في الأقاليم ولكن..لا يصلح العطار ما أفسدته التراتبيات الطبقية المترامية. وهنا سيتمازج الخيالي بالفساد الحكومي. هنا ستكون المصلحة لكل الأوضاع هي زوجة الملك والوصية عليه وهي التي ستكون الملكة الآشورية (سمو – ومات) وهي الملكة الأسطورية التي عرفناها باسم (سميراميس).. ومثلما نسبوا كل الحكايات على لسان شهرزاد، فقد نسبوا كل أفعال الملوك إلى سميراميس وهكذا صارت رمزا وعنوانا لأمجاد حضارة وادي الرافدين. ولعل أشهر أسطورة نسجت حول شخصيتها، الأسطورة التي تجعلها ابنة إلهة نصفها سمكة ونصفها الآخر حمامة. كانت تعبد في مدينة عسقلان، وبعد أن وضعت ابنتها سميراميس، تخلت عنها فأخذها الحمام ورباها ثم عثر عليها كبير رعاة الملك فتولى... ألخ وهنا نتساءل مع العلاّمة طه باقر: إذا صحت المطابقة ما بين الملكة الآشورية التاريخية (سمو – رمات) وبين سميراميس فكيف تجمعت تلك الشهرة الضخمة العجيبة حول تلك الملكة الآشورية التي لم تحكم سوى بضعة سنوات بصفتها وصية على ابنها الصغير.؟ وهنا يرتكز العلاّمة باقر على رأي أحد الباحثين وهو الأستاذ كوسينس وتحديداً على ورقته البحثية في المؤتمر السادس لعلماء الآثار المنعقد في باريس 1956 والورقة البحثية تؤكد أن هيرودتس هو أقدم مَن دوّن أسطورة سميراميس وكان قد استقى معلوماته من كهنة بابل، وبما أن سميراميس زوجة الملك الآشوري (شمسي – أدد) فإن اعتزاز كهنة بابل بأميرتهم البابلية حملهم على المبالغة في شهرتها وأعمالها التي رووها لهيرودس.. وسيقوم هيرودتس بتطعيم الطبخة التاريخية بنكهات ٍ من توابل مخيلته .. وهكذا اتسع التخييل السردي وتم تذويب الميداني الأرضي وها هي أرمينيا القصية جدا عن بابل تدفقت فيها سميراميس من خلال نهر أطلق عليه سميراميس./ 559 بتصرف عن طه باقر

 

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل