/
/
/
/

تعـــود معرفتي بالشـاعر عـريان السيد خلف الى بـدايات عـام 1970 م. عندما نشر قصيدتـه المعـروفـة (ردّي ردّي) حيث كانت هـذه القصيدة بمثـابـة – جـواز سفـر- بالنسبة لعريـان للدخـول الى الوسط الشعري الشعبي العراقي بقـوة،فقـد كان الوسط الشعبي متـذوّقـاً وذا بصيرة عـالية بكل مناحي الشعر الشعبي، إضافـة إلى أن كـثـرة الشعراء في هـذا الميدان، لايمكن أن تحصى أو تعـد، بمعنى أن هـذه الكثرة من الشعراء عصية على الاخـتراق وليس من السـهـولة أن (يبـرز) اسم شـاعر حـديث، جاء من مدينة النـاصرية الى معقل الشعر بغـداد، ويتجاوز الآخرين بسـهـولة، نـاهيك عن الحـاسـة الذوقية العالية عـند متلقي الشعر الشعبي في مدينة الثـورة التي اتــّخذهـا عريـان مقراً لسـكناه، وهذه المدينـة، إن قبلت شـاعراً فقـد قبله كل أهـل العراق،نظراً لكثرة الشعراء فيهـا، ولكون الشعر الشعبي يمثـّل الرئـة التي يتنفـّـسون منهـا الحـياة، إضافـة الى أن إسلوب الشاعر مظفـر النـواب، في نظم القصيدة الحــديثـة، بـدأ يفرض نفسـه على كل شعــراء جيل السبعينـات، يضاف إليه شعر الرواد من بقية شعراء العراق مثل شاكر السماوي وكاظم الرويعي ومجيد جاسم الخيون، وغيرهم الكثير من الذين كان شعرهـم مهـوى الأفـئدة، ومتـداول بين أوسـاط الشعر الشعبي، من مثل كـاظم إسماعيل الكَـاطع، وأبو سرحان (ذياب كـزار)، وممـّا سـاعـد على قـبول عـريان في هـذا الوسط بسهـولة وقـوة هــو (يسـاريـّته) بمفهـومهـا السياسي، وتبني الشيوعيـّين لـه، ولكن هـذا لاينكر عليه شـاعريتـه القـوية واسلوبه المتمـيـّز في النظم وطريقة الإلقـاء العـذبـة وجمالية الصـورة التي يوظّـفها في القصيدة، مــع فرادة في الاختيار للمفردة الموغـلة في المحلـيـّة العراقية، لاسيما لهجة جـنوب العراق، التي ينتمي إليـها حسـّاً ونشـاة وقـاموساً لهجوياً، يجسـّد مفرداتهـا العميقـة، بتـلقـائية فريـدة، تستجيب لوعي الناس البسطاء العام، أو مايطلـق عليه إسـم (الحسـجـة) الجنوبيـة، والتي تحمل بين ثناياهـا مضمـّرات شعبية، يصعب فهـمهـا على أبناء بعض المناطق في العراق، يقول في قصيدتـه (ردّي ردّي):

ردّي.. ردّي

ياضعن شت عن هله، وحدّاي

غربه.. البيه يحدي

ردّي.. ينباع العشگ.. وال ياگلب

تهوين صدّي

آنه خلاني الوكت ناعور

بس.. اترس وابدي.

لعبت الصحافـة والإعـلام دوراً مهـماً في تقـديم عريـان الى الوسط الأدبي والفني، فقـد أذيعت لـه أكثر من قصيدة في الإذاعة العراقية، ضمن برنـامج (مع الشعر الشعبي) الذي كان يقـدمـه الشاعر أبو ضـاري، والصحافة المحلية، واليسارية خصوصـاً، أخذت تنشر قصائـده، ثم مـال المغـنون والملحـنون صوب قصائـده، وصاغوهـا بأجمل الألحـان، فقد غـنـّى لـه المطرب سـعدون جـابر قصيدة (تـلولحي بروحي) وغنى لـه فـؤاد سالم وريـاض احمد، كثير من القصـائـد،كما غنى لـه المطرب كريم منصوروعبد فلك ومحمد عبد الجبار وغيرهم الكثير، وشـارك في أكثر من مهـرجان شعري، رغم أن الإعـلام الرسمي للدولـة كان يضّيق عليه بشكل حـاد، كـونـه يتقاطع مع تـوجهـات البعث السياسية، حتى وصل الأمر بهـم إلى إنــــذار وإغـــلاق جريدة (طريق الشعب) الشيوعية في منتصف عـام 1978م، عندما نشرت لـه قصيدتـه الرائعـة (الشجر يثبت شجر والخـاوية آتطيـح) وتم آعتقـاله أكثر من مـرّة، وتوقيعـه على تعهـد بعدم الإنتماء الى أي حزب سياسي، لكنّ قصائـده بـدأت تظهـر على ألسـنة العـامة من الناس عند أهـل الثـورة، بشكــل يتحـدّى سلطة البعـث السياسية والإعـلامية، وراحت قصائـده وأخباره تـدخل كل بيت معارض لسـلطة البعث الفاشية، ممـّا خلق لـه صـدى واسع النطـاق على الساحة الشعرية في العراق،وبـدوره هـو أخذ يشتغـل على قصيدتـه بـإبـداع متفرّد خاص بـه، إذ مـال في نظم قصائـده الى آستخدام القـافيتين والوزن الواحـد، وسـمـّاه بــ (الأنـدلسي) وهو المعروف عندنا في العراق بإسم (النصّاري) وكان أغلب شعره السياسي قد صاغـه بهـذه الطريقـة المتقـنة حتى غـدت عـلامـة خـاصة بـه، سـار عليهـا الشعراء فيما بعـد، ومن أمثلة ذلك قصيدتـه المعروفـة التي يقول فيهـا:

گـصرن يا حسافـه وماخـذن ثـار.. ووصـل بيهـن گـصرهـن حـد المتــون

مـانشـفـن دمـع والدمـع مــدرار … وما وصـلن لـخـدّي مسـحـن آشـلـون

حـتى طـبــع هـذا الإسـلوب أغـلب قصـائـده، ثـم بـدأ إسـلوبـه يتفرّد على مسـاحة واسـعة من العـراق، وراح الآخـرون يقـلدونه في نظمـه وشكل تعاطيه القصيدة، إلاّ أنهـم لم يصلـوا الى ماوصل إليـه من شـأوٍ عـال في البناء والسبك والمعنى والمفردة، وبـدأت هـذه الطريقـة في نظم قصائـدة تلقى قبولا منقطع النظير، لآنـّه جعل هـذا الإسلوب مبنيـّاً على وزن إيقـاعي يقبل التلحـين والغـناء ببسـاطة وسهولة، إسمه (النصّاري)،هـذا من ناحية ومن ناحية أخرى مال الى الغـور في استخدام مفردات محليـّة شعبية موغـلة في القـدم وأعطـاهـا بعـداً ثقـافيـاً، من خـلال الاستخدام في النظم، فـأحيا بذلك الكثير من المفردات التي كادت أن تـنـدثر من التـداول، الأمر الذي جعل شعره مقبولاً عند كل طبقات المجتمع العراقي. لقـد بـدأت تجـربـة عـريان السيد خلف في نظم القصيدة الشعبية تـأخذ مـداهـا الزمني في التطـور، مع قـلق مواظب نحو الأحسن والأكمل من قبل الشاعر نفسـه، بوصفه شـاعر حـداثـة شعريـة بـدأت تقترب من شاعر الحداثة الشعرية الأول في الشعر الشعبي في العراق، قصدت الشاعر مظفـر النــواب، وهـذه المسـألة أملت ضرورتهـا عليه لأن يكون في مستوى التحدي لقامـة مظفر النواب الشعرية، ممـّا شكل لـه عامل قلقٍ متواصل بغية إثبات التحدي هـذا, لذلك بـدأ أكثر حرصـاً على تشـذيب قصيدتـه الشعبية من كل الـزوائـد والإضافـات والحشـو. بمعنى آخر، أن عـريـان بـدأ يـدرك بوعي كامل مسؤوليـته في تطور القصيدة الشعبية لديه، من وازع المنافسـة أولاً، ومن وازع الوجود الإبـداعي ثانيـاً،إضافة الى الحفاظ على رواج القصيدة العريانية في الوسط الثقافي، لذلك شكـّلت قصيدتـه (گـبل ليلـة) منعطفـاً مهماً في تجربتـه الشعريـة أفضت بـه الى تطـور منظور القصيدة من حيث الشكل والبنـاء والموضوع، لأنهـا كانت حـدّاً مفصليـاً في تطور قصيدتـه الشعبية.

وعـريان كتب قصيدة أخـرى عن مناضل آخر، كان يشتغـل (بــلاّم) أي صاحب قـارب وكان ينقل أنصار الأهـوار، من مكان الى آخر، بمافيهـا نقلهـم الى الأهـوار الحـدودية بين العراق وإيران في هـور الحـويزة، كان هـذا (البـلّام) أو مايعرف بتلك النـواحي بــإسم (المعـيبر) وكان اسـمـه (عـبد) وكانت قصيدة عـريان التي تمجـّد بطولة هـذا البـــلاّم تحمل عـــنوان: (المعـيبرعـبد) وهي قصيدة تحكي عن نفس أجواء وحياة الثـوار في تلك المسطـّحات المائية في العراق، والمعروفـة بـاسم الأهـوار يقـول عـريان في بعضٍ منهـا:

عبد ستـّر قميصه، اعله اليعبرون

روحه ابدربهم شعل

يكشف الليل

وفرش جفنه السمح

عن لا يعــــثرون

وتنز يغلب السابح على الريح

ويحومر منتشي

ابطـور اليغنون

تمايـز نخـوتــه

وصوته وهـــوى الناس

وشبابه اليحلم ابليلة كلبدون.

وبعـيداً عن الموقف السياسي لعريـان السيد خلف، نـرى أن نظـمه الشعري، بقصيدة (گـبل ليـلة) دخلت مضمار الحـداثـة الشعرية التي أسـّسهـا مظفـر النـواب، لكن عـريـان، من خلال النماذج أعـلاه، ظل يراوح بين الشعر الحديث والكلاسيكي المقفـّى، وروحـه أهـوى وأميل إلى الثـاني، حيث أن هـذا الطـابع متـأصـّل في روحـه وهـو عليه متطـبـّع، وهـذه الإشكالية في أغلب منظوماتـه الشعريـة، يميـّزهـا النقـّاد على أنـه مطبوع على (الكلاسيكي) لكن هـذا الكلاسيكي، يـــبز الحداثـوي، بين أوساط الشعراء الشعبيـّين في العـراق، ومتلقيو شعره بهـذا النمط أكثر بكثير من متابعي نمط الحـداثـة،لذلك مـال عـريـان الى لقـديم- الكلاسيكي، أكثر منه الى الشعر الحديث، وحسـم ذلك بشكل إبـداعي عـندما أوجـد (لـونـه الخاص) في النظم الشعري، والذي يعتمـد القـافيتين والوزن الواحـد في النظم،والذي يعرف في العراق باسم (النصّـاري) كما أشرنا في مقدمـة هـذه المقـالة، هذا النمـط الذي أصبح مـدرسـة سـائدة عـند أغلب شعراء منتصف السبعينات والثمانينات والتسعينات من القـرن المنصرم، ومازال ثـابتـاً حتى هـذه اللـّحظة، ومن نماذجـه الجميلة التي كتبهـا عـريان في منتصف عام 1975م هـذه القصيدة التي تعرف بــإسم(جــّيـة العيـد) يقـول فيهــا:

يناهي الشوگ ذمّه وذات من ذات

وفرق مابين حالي وحالك إبعيــــد

سنه وصدك يِضَـوگ الروح لوعات

ويجملّي الجروح جروح ويزيــــــد

أبات إبحضن صبري إلليالي وبـاتْ

جرح يصحه وجرح متغصّب إيزيــــد

وأگول إشوالف السرحان للشــــــــاة

إعله سـجــه وگاوداه الإيــد بالإيــــد

إلك جـانت يحــلــو الطـــــول جيــّـات

عجــب تبخل عليــنه إبجـيٌـــة العيـــــد

إن ماتقـدم من عرض وتشـريح للإبـداع الشعري لعريان السيد خلف، يظهـر بأن الشـاعر أثبت فعلاً، قـدرة متميـّزة، وحضوراً لافتـاً، ومواقف سياسية تنتمي الى بسـطاء الناس وقصائد تعبــّر عن مأسـاتهم، وتعكس همومهـم، بــإبـداع قلّ نظيره في نظم الشعر الشعبي العراقي، ممـّا حـدا بجمهـور واسع جـداً من الناس، داخل العراق وخـارجـه، لأن يحفظـوا قصائد عـريـان،ويتعاملوا معـها بحسٍ نقـدي، وتعـاطٍ جمـالي،مما يشير الى المكانـة التي تحضى بهـا قصائد عـريان في الوسط الثقافي العربي بعامة، والعراقي بخاصة، مع تميـّز وآقـتدار في الإبـداع في صنعـة الشعر الشعبي، وفي أكثر من لـون وبحر شعري، لذلك إستحقّ فعـلاً لقب شـاعر العـراق بـامتياز، نظراً لاكتمال هـذه الشاعريـة لـديه، والتي عرضنا، في هـذا المقـال، بعض نماذجهـا، على أمـل إعــادة دراسـته بشكلٍ مفصلٍ، حـال عـودتنا الى العراق. نـأمل أن نكون قـد قـدمنا فكرة موجزة عن هـذه الشاعريـّة الخلاقــة عند شاعرنا عـــريـــان السـيد خلـف.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل