/
/
/
/

السؤال الآن: كيف نحاول إعادة تشكيل شخصية العراقيين من جديد كي نصنع إرادة عراقية قوية وسط هذا البحر من الفوضى والغلو والتجني والتعصب ؟ كيف نحاول بالأحرى إعادة تشكيل للإنسان في العراق بعد انسحاقاته المريرة ؟ كيف نحاول أن نعيد الثقة بين فسيفساء المجتمع العراقي، وقد انقسمت وتشظت على نفسها منذ أزمنة؟ كيف نحاول أن نعيد اللحمة الوطنية ليس لمن يهوى الانفصال، بل لمن لا يريد أية قواسم مشتركة؟ كيف يمكننا محاصرة المشاكل الهائلة في العراق إلى مجرد تصنيفها أولا، لكي نتقدم بالأهم منها على المهم فيها من خلال الانسان نفسه؟ ومرة اخرى، اعتقد ان الجيل الجديد يمتلك وعيا جديدا بتأثره بما يجري في العالم اليوم.
إن أي عراقي على الرغم من طيبته وحسن معشره وذلاقة لسانه وحدة ذكائه وطبعه التلقائي.. لكن لا يمكنه اليوم أن يقتنع مباشرة بما يواجهه ابدا ، فهو معدوم الثقة بكل الأشياء وبكل الأفكار وبكل الآخرين.. وربما يقول شيئا ويفعل نقيضه.. انه لا يقتنع بالشيء حتى وان شعر بقبول الشيء، لأنه لا يتبع ذاته بقدر ما يبحث عما تريده مجموعته أو عشيرته أو طائفته أو عائلته.. انه لا يتواضع أبدا، فهو يحب نفسه بشكل لا يمكن وصفه، فالأنانية طاغية لديه، تجده يريد دوما أن يتقدم الصفوف حتى وان اعتدى على الآخرين.. انه يبحث عن زعامة دوما حتى وان لم يجد نفسه زعيما، انه يعشق السلطة والقوة والغطرسة ويعشق الناس تمجّده وتطري عليه وتفاخر به.. بل ويجنّ جنونه إن وجد أحدا يتقدم الصفوف.. وقد تصل درجة الانوية وحب الظهور والزعامة إلى الدرجة التي يدفع لها أثمانا مادية أو معنوية كأن يتوسل أو يذل نفسه على الأعتاب..

الثورة هي الحل:

نعم الثورة هي الحل، الثورة ضد هؤلاء الذين يخرجون علينا ليل نهار من ساسة واعلاميين جدد وهم لا يعرفون تركيب جملة مفيدة، فهم يجترون العبارات والالفاظ وهي خاوية من الافكار والتحليلات المثيرة لتفكير الناس .. نماذج حقيقية لكل هؤلاء الذين يعج بهم العراق في الداخل والخارج.. إنهم جميعا لا يستطيع المرء أن يقف أمام طموحاتهم، فالحق مشروع لكل مواطن أن يسعى الى تحقيق طموحاته، ولكن ما نشهده على امتداد تاريخ العراق المعاصر، إن القوي يأكل الضعيف من اجل المناصب والجاه والشهوات وجمع الثروات وقد ازدادت الوصولية بشاعة..
ما نشهده في أية طغمة حكمت العراق بروز نماذج لا تعد ولا تحصى من أناس وصلوا السلطة، وانكشفت حقائقهم على الملأ.. وقد شهدنا كم كان ذاك مجنونا بأحاديته، والآخر مهووسا بشوارعيته، والآخر يهزج بغنائمه، والآخر يرقص على فرديته، والآخر يتشفى بتعذيب زملائه، والآخر يعشق تأليه ذاته.. وصولا إلى من يهوى حصد المليارات وآخر لا يكف عن الاستعانة بالأعداء.. وآخر يصلي ليل نهار في محراب طائفته.. وآخر لا يؤمن إلا بعراق منقسم على نفسه.. وآخر سيبقى لا يعرف إلا البكاء والولولة.. وآخر لا يعرف إلا البطش والاختلاسات.. وبين هذا وذاك يمرق كل المنافقين والمهرجين والراقصين على جراح هذا أو مأساة ذاك..

كيف نعيد الى العراقي عراقيته ؟

عندما نعيد إليه كرامته وحقوقه المهضومة.. عندما نشعره بأنه عضو نافع في المجتمع، وان المجتمع صديق له لا عدو له.. عندما نعلمه بأن الدولة هي له وليست ضده.. عندما يشعر بأنه عراقي حقيقي لا مزيّف ونحن نعلم كم ابتلي العراق بالمزيفين في القرن العشرين.. عندما يشعر انه لم يخلق لسلطة رجل دين أو سلطة زعيم دولة أو سلطة شيخ قبيلة أو سلطة عنصر مخابرات.. أو سلطة مدير مؤسسة. الخ نعيد الى العراقي قيمه واعتباراته عندما نقدّم الخيرين من العراقيين على غيرهم من الأشرار.. وعندما لا نثير حساسية أحد بتصنيف الناس على أساس مادي أو سلطوي بل على أساس كفاءة وخبرات.. عندما لا نزرع الفتنة في المجتمع كي نسعى إلى تكريس الفرقة بين العراقيين تحت أية واجهة من الواجهات.. عندما يكون المسؤولون الكبار قدوة في عمل الخير والقناعة والتواضع حتى يعرف الناس طبيعة الأشياء ويتمثلون بها.. عندما تنتصر إرادة المجتمع على الاعتماد على الدولة.. فلن تبقى الدولة غنية إلى الأبد، ولن تبقى قوية إلى الأبد.. إن المجتمع ينبغي أن يتحرك ليس سياسيا كي نستعرض العضلات السياسية، بل يتحرك اجتماعيا واقتصاديا من اجل نمو حضاري يفرضه على الدولة فرضا.. لا يمكن أن تبقى الحقوق مضاعة في العراق بين جوقات من النهابين والمختلسين والمرتشين وأصحاب الكومشنات الحرامية.. فالعراق ليس مشروعا للنهب.. على الحكومة العراقية أن ترعى مصالح العراق الداخلية قبل أن تستعرض عضلاتها على الاخرين في الخارج !

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل