/
/
/
/

قد يبدو الحديث مكررًا، عن إهمالنا الثقافة العراقية حاليًا، بينما نطلب من المثقفين أن يكونوا في الصدارة لمهمات سياسية واجتماعية. هذه مفارقة، فعدم الاهتمام بالثقافة العراقية، يعني إهمالًا لدور منتجيها، فكيف نطلب منهم أن يكونوا في صدارة المواجهة مع قوى التجهيل والظلام والخرافة؟ أقول هذا الكلام الواضح اليوم، وقد قلته يوم كنا منتظمين في صفوف حزب وطني، حيث كنا مشبعين بقراءة رواية الأم والفولاذ سقيناه وغيرهما، وعلى اطلاع بتجارب المؤسسات السوفيتية النقدية والفكرية، وما يكتب عنها، في حين كنا مبعدين عن الحداثة الأوربية وتياراتها البنائية والتجريبية، بينما كانت هذه المدارس الفنية تدرس في الجامعات السوفيتية، أقول إننا كنا مغيبين عن ما يكتبه أدباؤنا العراقيون في اية دورة تثقيفية كنا مسؤولين عن إنجازها. إن رؤية إنتاجنا الثقافي محليًا، يعني وضع المؤلف العراقي في صلب توجهنا الوطني، إذا لا يوجد، وطوال أكثر من ربع قرن بين الكتب التي تثقفنا بها أي كتاب عراقي واحد. وماذا كانت النتائج؟ خرج جميعنا من مدرسة نضالية تعاين مشكلات المجتمع بعين الحداثة التي تطلبت تضحيات مريرة من قبل مناضلين شرفاء أقوياء في مبادئهم ومواقفهم، وهم لا غيرهم من شد حبال مضيف الحزب الشيوعي العراقي في المدن والقرى، المعامل والمدارس، الجنوب والشمال، مدن الحدود ومدن يوتيبيا المدينة المقبلة، ولم نكن على متابعة مع المنتج الثقافي العراقي إلا ما ندر. هؤلاء المنتجون لهم ما يفرضونه علينا بالمتابعة والقراءة والحوار، أنهم جزء نابض من حياة العراق اليومية، وصوت عالٍ لم يخفت أوراه منذ أن بدأ هذا الشعب يفكر بالتغيير، انتاجاتهم الفكرية والثقافية لها حضور في غير العراق، بينما تكاد لا تذكر في حاضراتهم الوطنية، فكيف بحزب يقوم على انتاج مثقفيه وغيرهم واعضاؤه لم يقرأوا إنتاجهم؟

 منذ أن تعلمنا أبجدية الثقافة الوطنية، وحتى يوم غادرناها ونحن خجلين لأننا تركنا المسار مجبرين، كان المثقفون يستمدون أدبياتهم من ثقافة وتراث شعبهم، وكانت هوية صوتهم الوطني أنهم شخصوا العلل الاجتماعية، ترى لماذا لا يعاد النظر تثقيفيًا بمنتجهم، ولو بعد حين؟ فلنقرأ غائب طعمة فرمان، مهدي عيسى الصقر، محمود عبد الوهاب، نزار عباس، رشدي العامل، محمود سعيد، أحمد محمود السيد، فائق بطي، محمد سعيد الصكار، يوسف العاني، ابراهيم جلال، يحيى ق، ومئات من المثقفين الأصلاء الذين ربطوا مصيرهم بما يقولون، وحوربوا على ما كتبوا، ومئات من المثقفين المناضلين الذين اتخذوا الثقافة مسارًا نيرًا لطرائقهم في الحياة. أقول أين نتاج الثقافة العراقية من حياة أحزابنا الوطنية الحالية، ونحن نواجه بثقافة وسلطة المقدس والخرافة والنماذج الضيقة الأفق؟ اين نحن من تحديث ثقافة الشباب بقراءة الإنتاج العراقي، الذي كان يرافق مسيرة نضالية متشعبة؟ ولنأخذ من الثقافة المصرية بعض توجهاتها العامة، فلم يغب عنها مؤسسوها المعرفيون حتى وأن اختلفوا معهم.

لمن لا يعرف الإنتاج الثقافي العراقي من البعض، يمكنني أن أرسم لهم خارطة طريق بالإنتاج الثقافي العراقي: قصةً، رواية، شعرًا، مسرحًا، تشكيلًا، انتاجًا فلسفيًا ومعرفيًا، دروسًا في الحضارة والآثار، والمجتمع، في الفنون وفي الحياة. فالحياة الحزبية لحزب عريق مثل الحزب الشيوعي العراقي، لا تقوم على ما نعرفه من إنتاج أعضائه فقط-هذا إن تمكنا من ذلك-، بل علينا معرفة ما تنتجه الثقافة العراقية كلها، كي يكون الموقف منها موقفًا يستند إلى رؤية يمكن في ضوئها أن نعول على موقف المثقفين في مراحل الصراع المختلفة. وبدون فهم للأرضية التي نتحرك عليها، لا يمكن زراعة أية بذور للمستقبل، هذه ليست دعوة لرغبة أن نكون مقروئين من قبل شبابنا، إنمَّا هي حقيقة موجعة عندما تسأل البعض عن معرفته بالإنتاج الثقافي العراقي التقدمي، لا يجيبك إن لم يكن يتنكر لوجوده. من المسؤول عن هذا التردي؟ من المستحيل أن نلقي اللوم على الدولة ومؤسساتها، فالدولة ومؤسساتها تابعة للسلطة، وتنطق مؤسساتها باسم حكوماتها، وتحرص على تنفيذ برامج السلطة السياسية، وتغيَّب عمدًا ثقافة الآخر، لذلك يوجه النداء لصحافتنا، ومثقفينا بأن يعيدوا التذكير بإنتاج أدباء العراق، الذين كان صوتهم مندمجًا بصوت الشارع، وكان خطابهم جزءًا من خطاب الحداثة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل