/
/
/
/

التنوّع يعني الغنى في التجربة، والعمق في التأمل، وغزارة في الرؤى. وهو ضرب من المعرفة الصاعدة والمحققة للإبداع، الذي يُسطّر نتاجاً نوعياً، ليس على صعيد الكتابة فحسب، وإنما وفق درجات الوعي المتمثل في النصوص، النصوص العابرة بالتجربة الحياتية نحو تخوم الثقافة والمعرفة، سواء كانت الاجتماعية منها أو السياسية. الشاعر الناثر قاسم محمد علي، أحد الذين تميّزوا بعمق تجربتهم المطروحة في نصوصهم الشعرية والنثرية. وهو متعلق بالكتابة المواكبة للتاريخ الخاص والعام. ولأني واجهت دفعة واحدة بعض مؤلفاته، فقد حصل لي نوع من استكمال صيرورة الاطلاع العرضي لنتاج مبدع كبير، حاول بكل جهد أن يدوّن بعض اختيارات تجربته، التي هي تجربة الآخر، وأعني بها تغيير المكان لأسباب قسرية، والتأقلم مع مفرداته جرّاء تأثير الحس الوطني الذي تحلّت به شخصية الشاعر. فهو يعي جيداً أسباب الحرب، لذا نجده يقدم تداعياته الرصينة عن المكان وتحوّلاته في حياته.. ومنها تجربة الحرب. فقد حصل أن عاش في بيئة كردستان التي تميّزت بخصائص جغرافية مختلفة عن بيئة الجنوب، والتي عانت من ظروف الحرب طيلة زمن ليس بالقصير. لكنه استطاع أن يضع ذاته الشعرية وفق فضاء البيئة ودراستها بعمق متأثراً بأهم خصائصها والصعود بمفرداتها إبداعاً؛ شعراً ونثراً. لذا نجده يقدّم توصيفات بليغة وذكية للمكان. كما وأنها تميّزت بعاطفة جيّاشة تنم عن التأثر المباشر بحيوات المكان الجديد. فهو لا يصف الحرب ووقائعها وتأثيراتها السلبية، بقدر ما يهمه توصيف الحياة الجديدة. وأهم المؤلفات المتميّزة بإخراجها وطباعتها "ليلة الشاعر، أطلق طيوراً، حكايات تاريار، حدائق كَيلان، سونيتات". ضم بعضها مقدمات كتبها أساتذة أجلاء " د. علاء العبادي، والقاص والمترجم محمد سهيل أحمد والمترجم والقاص نجاح الجبيلي " وكانت بحق دقيقة في قراءة النصوص واستخراج عيّنات استنتاجية ذكية وراقية حوّلها.

التأثر بالمكان

لعل أهم الدواوين تأثراً بالمكان هو "حكايات تارايار" الذي شمل نوع الدهشة الأولى والألفة بالرغم من الظروف الصعبة التي تمر بالمقاتل. لكنه وكما ذكرنا عكس مبادئه الوطنية التي تدرك صيرورة الحرب ودوافعها. فقد تضمن سيرة "شخصية ــ مكانية" نثراً تارة وشعراً في أُخرى. فقد مزج في شعره ونثره بين نظرته الى المكان، وبعده الرومانسي في إعلان بين "كيورش ودلال" فوداعاً دلال ومرحباً كيورش دليل ليس على قطيعة في الأولى ومعايشة للثانية، بقدر ما أكد قناعاته وهو مرغم على الوجود في المكان. لكنه بقوة إرادته وحسه الشعري تعامل مع المكان بروح أليفة عبر "كيورش ــ الجبل الذي يملك ارتفاعاً لا أملكه في صفتي الفسلجية هذه أو حتى صفتي الفيزيائية ضمن عالمي المرئي الجامد" هذا التوصيف للعلاقة يرتبط بانسيابية في أُسلوبه الذي سجّل الانطباع الذي هو مزيج بين الدهشة والألم الخفي والاحتفاء به كمكان متميّز مقابل مغادرة أرض منبسطة في الجنوب. يعود بعد ذلك إلى دلال ليفصّل طبيعة العلاقة بها. ثم يوّسع دائرة الانطباع عبر استعادة ما مضى، فيترك لنا توصيف البحر والأمكنة التي كان فيها برفقة دلال، حتى يصل في توصيفه "أُرحب بكيورش وأُودع دلال.. وهذا عندي أسهل من أن أقف في أطلال ليلى.. هنا في "قلعة دزة" حيث السماء ما بعدها نقاء يُذكر والصنوبر باق بحدته الذكية وثمراته العقيمة للاعتياديين".
كل هذه المفردات تُشير إلى نوع الأُلفة التي تطبع تداعيات الشاعر وهو بصدد تقديم توصيف للمكان، حيث يبدو التأثر به واضحاً.

السيرة شعراً

كما انطوت عليه الدواوين من شعر مكرس للسيرة، سواء في الأمكنة، أو احتواء لحظات تميّزت بطاقة عاطفية، وموقف ينبثق من حس تميّز بالإشراق. فقلما نجده ينطوي في شعره على كثافة أو نزر من الحزن. فقط يعكس شفافية شعرية، ورؤى منفتحة على الحياة. ففي قصيدة "قول" يستعرض مشاعره ورؤاه الصافية للطبيعة وحيواتها يعرج باستدراك "لكني هنا،، في هذا المكان البعيد، ليس لي سوى عينيك وردتين، مع الأسى والفراق تكبران". إن مجمل قصائد ديوان "ليلة الشاعر" مثلاً تراوح بين رومانسية الذات ورؤى الشاعر واستعادة محمولات الماضي؛ فهي مزيج عاطفي رحب وانساني أوسع.
ولعل "حدائق كَيلان" ينم عن دهشة ايجابية للمكان متمثلاً دون التأثير السلبي الذي تتركه الحرب. فالشاعر مشغول بانطباعاته المنضبطة برؤاه المبدئية. فهو لا يحوّل اُلفته إلى انعكاسات سلبية للأمكنة، بسبب ايمانه بسرية وسر الأمكنة وما تنطوي عليه من جمال. لذا يُطلق موهبته الشعرية باتجاه مزج العاطفة واشراق الأمكنة، تماماً كما كان يعكسه شعراء المقاومة مثل" آراكَون وايلوار، ومحمود درويش ونيرودا وسميح القاسم"، في عكس جمالية الأمكنة وحراك العاطفة. فالشاعر الاسماعيل ينحو كأراكَون في "عيون ألزا". هذا النمط من الشعر يبعث الحياة في الرماد، فهو نفخ في كثافته من أجل إظهار جمرات الأشياء وحدة توّقدها. ففي قصيدة "الماضي" مهداة إلى رؤيا دلال..
في ليلة وحيدة من ليالي كَيلان غرب.. حيث أوار الحرب. إذ يقول:" الليلة البارحة ، حدثتني عيناك، وما حدثتيني ، قابلتني شفتاك ، بالصمت ، والأشواك، طوقتني ، ارجوحة حزن ، لأغنية رافقتني ، لست أدري ، أية نجمة في المساء ، حملت ذراعي ، وأشواقي ، وتركتني بلا سرير ".والقصائد التي احتواها الديوان راوحت بين هذه المشاعر والحس الآني في المكان، لكن في مجملها حافظت على اتزانها العاطفي الذي تطبعه رؤى الشاعر ومديات احساسه بالأمكنة وتأثيرها عليه، وتأثرها بجمالية طبيعتها ؛ كأمكنة تحتفظ بأسرار جمالها.
في "السونيتات" كان المرفق من الدراسات قد أفاد المتلقي لما كشفته من توضيح لمظان هذا الفن الشعري وتاريخه. ويبدو على القصائد القصار وفق فنية كتاباته واشتراطاته كفن؛ إن الشاعر التزم بأصول كتابته، موّزعاً رؤاه المزيجة من الرؤى العاطفية، والتداعيات والرؤى الفلسفية الخالصة. هذا التوّزع عمق دلالات هذا الفن الشعري. في سونيته"3" يمزج بين رؤاه وتشوفاته واحتمالاته كالآتي،
"اتركي لي اللحن الصقيل
دأبي يوم عرفتك هو الانشاد
محصياً اساور الماء وأزهار الجمر
مردداً نشيد مجدك الذاهب
...
ومثلما الانشاد فيك يتطلب الصبر
تغادرني حزمة الطيور الخبيئة
حاملة فضاء مدوّراً من تراب واشفاق
أنهار الشوك فيها تلامس عشب عينيك
...
في فراغ عزلة خطواتك اللا مرئية
أي لحن يغني ابتداءها القادم
وفي فراق جردتني من ارجوحة وجد
كانت أقدر على الغناء فيك من نوارس وحيدة
...
الآن أمسيت مقتطعاً مثل صوّت غائب
مطعِماً الليل صباحات ومواويل فريدة.
وبهذه المقاطع تأتي اشتراطات قصيدة "السونيتات" حسب ما جاء في تقديم النقاد، في كوّنها تلتزم شروط كتابتها. وحسب ما ذكر " محمد سهيل احمد "في أن السونيتات" يُطلق عليها الأغنية القصيرة ومشتقة من الكلمة الايطالية "
sonetto" وهي من أشكال الشعر الغنائي الذي عرفته أوربا في العصور الوسطى تتألف من "14" بيتاً بأوزان وقوافي معروفة وتركيب منطقي ".غير أن الشاعر" قاسم محمد علي " لم يلتزم بالقافية، بل قدّم "سونيتات" بنسق نثري جميل وهادف، يحسب له كشاعر ومبدع كبير بدأبه وتاريخه المشرّف.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل