بدأ الأمر عندي بسؤال يبدو بسيطا، لكنه قادني إلى تاريخ لم أكن أتوقف عنده كثيرا. إذا كانت الشيوعية مرتبطة في وعينا بكارل ماركس وفريدريك إنجلز، فمن أين جاءت كلمة (الشيوعية) نفسها؟ وهل كان ماركس هو الذي صاغ المصطلح، أم أنه تسلم كلمة وفكرة وحركة كانت موجودة قبله ثم أعاد بناءها ضمن مشروع فكري جديد؟

قادني هذا السؤال إلى كتاب الباحث الفرنسي جاك غراندجونك (Jacques Grandjonc) الذي يحمل عنوان (Communisme / Kommunismus / Communism)، وهو بحث تاريخي ولغوي واسع في أصل وتطور المصطلحات الشيوعية السابقة لماركس بين 1785 و1842. صدر الكتاب في مجلدين سنة 1989 عن دار كارل ماركس في مدينة ترير الألمانية. والكتاب لا يبحث في الشيوعية بوصفها نظام حكم ظهر في القرن العشرين، بل يعود إلى شيء أكثر أولية، إلى تاريخ الكلمة نفسها، وكيف انتقلت من معنى يرتبط بالمشاع والجماعة والملكية المشتركة إلى مفهوم سياسي واجتماعي سيغير تاريخ العالم في ما بعد.

وهنا جاءت المفاجأة الأولى. يبين غراندجونك أن تاريخ كلمتي (الشيوعي) و(الشيوعية) لا يبدأ مع ماركس، ولا حتى مع الحركات الشيوعية التي ظهرت في أربعينيات القرن التاسع عشر. فقد تتبع استعمال كلمة (communiste) عند الكاتب الفرنسي نيكولا إدم ريتيف دو لا بريتون (Nicolas-Edme Rétif de La Bretonne)  منذ سنة 1785، ثم كلمة (communisme) سنة 1797، أي قبل ولادة ماركس نفسه بأكثر من عشرين سنة، وقبل صدور (البيان الشيوعي) بأكثر من نصف قرن.

توقفت هنا أمام مفارقة تستحق السؤال. لماذا يتغنى الشيوعيون بماركس وإنجلز، بينما يكاد اسم نيكولا إدم ريتيف دو لا بريتون يغيب عن الذاكرة الشيوعية العامة؟

لا أعتقد أن الإجابة تكمن في أن التاريخ أخفى الرجل عن قصد، ولا أن ماركس أخذ فكرته منه. المسألة أكثر تعقيد. فالكلمات وحدها لا تصنع الحركات الكبرى، ومن يصوغ مصطلحا أو يمنحه معنى جديدا ليس بالضرورة من يمنحه القوة النظرية التي تجعله قادرا على تغيير التاريخ. كان ريتيف كاتبا وروائيا ومفكرا اجتماعيا صاحب نزعة يوتوبية، ولم يبن نظرية متكاملة للرأسمالية أو الصراع الطبقي أو حركة التاريخ. لكن أهميته في دراسة غراندجونك تجعلنا ننتبه إلى ضرورة الفصل بين تاريخ الكلمة وتاريخ الفكرة وتاريخ الحركة وتاريخ النظرية.

بعد ريتيف نصل إلى غراكوس بابوف (Gracchus Babeuf)، وهنا تصبح الحكاية سياسية أكثر منها لغوية. مع الثورة الفرنسية وظهور حركة المتساوين في تسعينيات القرن الثامن عشر، لم تعد المساواة الاقتصادية مجرد تصور فلسفي عن مجتمع أفضل، بل اقتربت من أن تصبح مشروع ثورة وتنظيم سياسي. قاد بابوف ما عرف بـ(مؤامرة المتساوين) سنة 1796، ودفع حياته ثمنا لمشروعه بعد إعدامه في العام التالي. لم يكن بابوف هو الذي اخترع كلمة الشيوعية، لكنه أصبح واحدا من أهم الجذور الفكرية والسياسية للحركات الشيوعية التي ظهرت بعده.

ثم نصل إلى سنة 1840، وهي لحظة حاسمة في الرواية التي يقدمها غراندجونك. هنا بدأ الاستخدام الحديث لكلمتي (communiste) و(communisme) ينتشر بصورة واسعة. لم نعد أمام مفردة تظهر هنا أو هناك في كتابات أفراد، بل أمام جماعات وصحافة ونشاط سياسي واجتماعي واتجاهات فكرية تتبنى أشكال مختلفة من الشيوعية.

وفي هذه البيئة برز إتيان كابيه (Étienne Cabet)، الذي أصبح واحدا من أشهر دعاة الشيوعية في فرنسا قبل ماركس. لم يكتف كابيه بالتنظير لمجتمع يقوم على الملكية المشتركة والمساواة، بل حاول تحويل رؤيته إلى تجربة اجتماعية فعلية. وهكذا كانت الشيوعية، قبل صدور بيان ماركس وإنجلز، قد تجاوزت حدود التأمل الفلسفي ودخلت عالم التنظيم والحركة والتجربة السياسية والاجتماعية.

وهنا تغيرت أمامي الصورة التقليدية لتاريخ الشيوعية.

عندما نشر ماركس وإنجلز (البيان الشيوعي) سنة 1848، لم يكونا يقفان أمام صفحة بيضاء. كانت الكلمة موجودة، وكانت أفكار الملكية المشتركة والمساواة موجودة، وكانت هناك جماعات واتجاهات شيوعية، وكانت هناك صراعات فكرية حول الملكية والعمل وتنظيم المجتمع. بل إن الشيوعيين أنفسهم لم يكونوا تيارا واحدا متجانسا.

لكن هذا لا ينتقص من مكانة ماركس وإنجلز. على العكس، إنه يساعد على فهم سبب تحولهما إلى الاسمين الأكثر ارتباطا بالشيوعية. لم تكن أهميتهما في اختراع كلمة (الشيوعية)، بل في إعادة بناء المشروع كله ضمن نظرية للتاريخ والمجتمع والاقتصاد. نقلا النقاش من تصور مجتمع مثالي ينبغي إنشاؤه إلى محاولة تفسير حركة التاريخ من خلال أنماط الإنتاج وعلاقات الملكية ونشوء الطبقات والصراع بينها. أصبحت الشيوعية في مشروعهما نتيجة مفترضة لمسار تاريخي وتناقضات داخل النظام الرأسمالي، لا مجرد حلم بمجتمع يقوم على المساواة.

ثم حدث ما يحدث كثيرا في تاريخ الأفكار. التيار الذي يصبح مؤثرا  اكثر يعيد ترتيب الماضي من حوله.

انتشرت الماركسية، ثم ظهرت الأحزاب الاشتراكية والشيوعية، وجاءت الثورة الروسية، ثم الاتحاد السوفيتي، وبعده دول وحركات وأحزاب شيوعية امتدت إلى أجزاء واسعة من العالم. وبمرور الزمن أصبحت أسماء ماركس وإنجلز ثم لينين تختصر في الوعي العام تاريخ الشيوعية كله. وتراجعت خلفها أسماء ريتيف وبابوف وكابيه وغيرهم، حتى أصبح من السهل الاعتقاد بأن الشيوعية ولدت سنة 1848 مع صدور (البيان الشيوعي).

وهذا ربما أهم ما خرجت به شخصيا من قراءة عمل غراندجونك. فهو لا يسحب ماركس من التاريخ، ولا يحاول استبدال اسم ريتيف باسم ماركس، بل يعيد التاريخ إلى ما قبل ماركس. ويكشف أن واحدة من أكثر الكلمات المؤثرة في التاريخ السياسي الحديث كانت لها حياة سابقة طويلة قبل أن تدخل إلى المشروع الماركسي.

وهنا يصبح السؤال (من اخترع كلمة الشيوعية؟) معقدا اكثر مما يبدو. فالمفردات لا تولد عادة في لحظة واحدة، ولا يملكها شخص واحد. إنها تتكون وتتغير داخل المجتمعات والصراعات والتحولات الفكرية. لكن ما تكشفه دراسة غراندجونك هو أن نيكولا إدم ريتيف دو لا بريتون يستحق مكانا في قصة المصطلح أكبر بكثير من ذلك الذي منحته له الذاكرة السياسية الشائعة.

أما ماركس وإنجلز، فلم تكن قوتهما في أنهما كانا أول من نطق بكلمة الشيوعية، بل في أنهما كانا من أكثر من أعاد صياغتها ضمن بناء فكري استطاع أن ينتقل من الكتب إلى الأحزاب والثورات والدول، وأن يترك أثره في تاريخ القرن العشرين كله.

ولهذا بقي معي بعد القراءة سؤال يتجاوز الشيوعية نفسها. كم من الأفكار التي ننسبها اليوم إلى أسماء كبيرة بدأت في الحقيقة عند أشخاص نسيهم التاريخ، لأن الذين جاؤوا بعدهم لم يخترعوا الفكرة الأولى، بل امتلكوا القدرة على تحويلها إلى نظرية كبرى غيرت العالم؟