
تتناول هذه المقالة الانتقال إلى ما بعد الرأسمالية باعتباره عملية إعادة تنظيم جيو-اقتصادية واجتماعية جارية. وتُناقش ثلاثة مؤشرات: أولاً، استنفاد النموذج الاستخراجي الغربي وما نتج عنه من خيبة أمل ذاتية؛ ثانياً، التوسع المفرط للرأسمالية الحكومية ذات التخطيط المركزي في الصين؛ ثالثاً، ظهور بدائل مجتمعية قائمة على مبادئ الاقتصاد الدائري (يهدف الى القضاء على الهدر بواسطة إعادة الاستخدام والإصلاح والتدوير، وهو نقيض للاقتصاد الخطي: استخراج، تصنيع، نفايات – المترجم)، والسيادة الغذائية، وبنية تحتية مفتوحة المصدر للذكاء الاصطناعي.
الانهيار الغربي
تجاوز النقاش الدائر حول ما بعد الرأسمالية نطاق التكهنات، ليصبح إطاراً لا غنى عنه لتحليل ظروف التنمية العالمية. ففي الاقتصادات الكبرى، يواجه نموذج التراكم التقليدي أزمة وجودية مزدوجة: أزمة بيولوجية- مادية، وأخرى اجتماعية- ذاتية.
كما يحذر بول ماسون (1960 في لي، لانكشاير، إنكلترا، أكاديمي بريطاني، كاتب، صحفي اقتصادي، ومقدم برامج تلفزيونية – المترجم). في كتابه "ما بعد الرأسمالية: دليل لمستقبلنا"، من إن تقدم اقتصاد المعرفة والأتمتة يصطدم مباشرةً بديناميكيات خلق القيمة في الرأسمالية الصناعية، في حين أن منطقها الاستخراجي غير المحدود يتعارض مع حدود كوكب الأرض البيوفيزيائية. وقد أدى عجز النظام عن التوفيق بين النمو الاقتصادي المتواصل والحفاظ على البيئة إلى أزمة مناخية وصناعية غير مسبوقة.
في الوقت نفسه، يتجلى الأثر بوضوح على المستوى الذاتي فيما يصفه بيونغ تشول هان (1959، فيلسوف ومنظر ثقافي وكاتب كوري جنوبي - ألماني، مهتم بتحليل الواقع المعاصر المغترب والليبرالي الجديد والتحول الرقمي - المترجم) بـ"مجتمع الإرهاق": الانتقال من مجتمع الانضباط، أي المسيطر عليه إلى نظام قائم على الأداء، حيث يتحول الفرد إلى كائن يستغل ذاته. وقد أدى التدهور المنهجي للعمل، وتفكيك شبكات الضمان الاجتماعي، وفشل وعد التقدم بين الأجيال، إلى تأجيج خيبة أمل تقوض التماسك الاجتماعي وتزعزع الشرعية الديمقراطية في الغرب.
لأكثر من عقدين، دأب الخبير الاقتصادي والإنساني الأرجنتيني غييرمو سولينغز على الإشارة إلى أن هذا الاستنزاف ليس دوريًا، بل بنيويًا بطبيعته. ويجادل بأن تركز الثروة قد بلغ حدًا لم يعد فيه بحاجة حتى إلى التستر وراء قناع ديمقراطية السوق. فالقوى الاقتصادية الكبرى تعمل بشكل متزايد بشفافية، دون وساطة المؤسسات التي كانت تمنح النظام شرعيته. لا يتوقع سولينغز انهيارًا مفاجئًا، بل يرى أن بنية النظام أصبحت غير مستدامة بسبب تصميمها نفسه. ولا يوجد إصلاح شكلي قادر على حل هذه المشكلة، لأنها في جوهرها مشكلة التركُز والاهداف المحددة.
البديل الشرقي
في ظل التراجع المالي والشلل البنيوي الذي تعاني منه القوى الغربية، يُحدث الصعود السريع لجمهورية الصين الشعبية تغييرًا جذريًا في الجغرافيا الاقتصادية للقرن الحادي والعشرين. وبعيدًا كل البعد عن عقيدة السوق الحرة الليبرالية الجديدة، أرست بكين نموذجًا لـ „رأسمالية الدولة المخططة بدقة" يجمع بين السيطرة الاستراتيجية على القطاع المصرفي وسياسة صناعية حكومية طموحة (أريغي، ج. (1937 – 2009، عالم اجتماع إيطالي - المترجم): "آدم سميث في بكين: أصول القرن الحادي والعشرين".
لم تكتفِ الصين بترسيخ مكانتها كمركز إنتاج عالمي، بل احتكرت أيضاً روابط حيوية في تحول الطاقة العالمي. ومن خلال مبادرات البنية التحتية العابرة للقارات، كمبادرة الحزام والطريق (المعروفة أيضاً بطريق الحرير)، يُحوّل المحور الشرقي تدريجياً مركز الثقل الجيوسياسي نحو أوراسيا. وبذلك، تتحدى الصين الهيمنة النقدية والمؤسسية الغربية، وتُبرهن على جدوى التنمية التكنولوجية الصناعية خارج نطاق الإجماع الأنكلوسكسوني.
يصف المحلل الارجنتيني خافيير تولكاشير هذه العملية بأنها انتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، أي التشكيك الجذري بادعاءات أحادية القطبية والتفوق الثقافي التي استند إليها الاستعمار والاستعمار الجديد لقرون. ويرى تولكاشير أن ظهور هذه الأقطاب الجديدة لا يعني فقط إعادة تنظيم للقوة الاقتصادية، بل يُمثل أيضاً فرصة لبناء هيكل دولي أكثر شمولاً، يمنح مزيداً من الاستقلالية للدول التي كانت تاريخياً في الجانب الخاسر من العولمة.
ممارسات تحررية
لا يقتصر التحول ما بعد الرأسمالي على التنافس الثنائي بين هيمنة الدولة والشركات. ففي ثنايا النظام العالمي، يزدهر نظام بيئي متنوع من الممارسات الاجتماعية، يستبق أشكالاً أخرى من الإنتاج وإعادة إنتاج الحياة اليومية.
تُشكّل مناهج مثل الاقتصاد الدائري وعلم البيئة الاجتماعية تحديًا لثقافة الاستهلاك المفرط. فالإنتاج الصناعي الذي يركز على المتانة، دون التخطيط للتقادم، يُعيد القيمة الاستخدامية للأشياء إلى صلب اهتمامات المستهلكين. كما تُعيد شبكات السيادة الغذائية، إلى جانب النموذج التعاوني، السيطرة الديمقراطية للمناطق على احتياجاتها الأساسية. وبعيدًا عن كونها تجارب هامشية، تنتشر هذه التجارب وتُشكّل شبكات عابرة للحدود للمقاومة والاستدامة.
السيادة التكنولوجية
في هذا المشهد المتحول، تُعدّ التكنولوجيا ساحة معركة حاسمة. ونظرًا لاستغلال البيانات وخطر احتكار التكنولوجيا الذي تقوده شركات وادي السيليكون الكبرى، تُثبت تقنيات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر والتقنيات المجتمعية أنها قوى دافعة للسيادة الرقمية.
وتُسهم المبادرات القائمة على النماذج المفتوحة في إتاحة الوصول إلى المعرفة للجميع، وتُمكّن من التحقق من الخوارزميات بشفافية وتكييفها مع الاحتياجات المحلية. مع ذلك، يكمن التحدي الذي يواجه الذكاء الاصطناعي في التكلفة الباهظة لبنيته التحتية المادية (الخوادم ووحدات معالجة الرسومات). وللتغلب على هذه العقبة دون اللجوء إلى استئجار خدمات احتكارية، يعمل النظام البيئي التعاوني على تطوير أشكال جديدة من التبادل التكنولوجي (بنكلر، ي.: ثروة الشبكات (يوشاي بنكلر أستاذ قانون في كلية الحقوق بجامعة هارفارد. تتناول أعماله، بما في ذلك كتابه *ثروة الشبكات قضايا إنتاج الشبكات وحقوق التأليف والنشر - المترجم): كيف يُحوّل الإنتاج الاجتماعي الأسواق والحرية.
الحوسبة المتحدة والسحابات التعاونية: تجميع القدرات الحاسوبية لعدة مؤسسات من أجل التمويل المشترك للامتلاك والصيانة.
التطوير المحلي (Local-First): استخدام نماذج كمية موفرة للطاقة تعمل على خوادم مشتركة أو أجهزة محلية.
صناديق البيانات: الإدارة الجماعية للمعلومات الحساسة لمنع الاستخراج الخوارزمي وضمان التأثير المجتمعي للمعرفة المكتسبة منها.
خلاصة
لا ينبغي فهم ما بعد الرأسمالية كظاهرة متجانسة، بل هي مجالٌ متنازع عليه، حيث يتقاطع تراجع النزعة الاستخراجية الغربية وتركز سلطة الدولة التكنولوجية في البديل الشرقي مع القوة التحويلية للموارد المشتركة. وسيتوقف مستقبل القرن الحادي والعشرين على قدرة الدول على الجمع بين السيادة البيئية، والديمقراطية التكنولوجية، والتضامن الاجتماعي في خدمة الحياة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب واعلامي أرجنتيني
موقع وكالة Pressenza العالمية للصحافة - 19 آب 2026.







