
اشار وزير الصحة المصري الأسبق حاتم الجبلي في حوار حديث أنه سئل عن أسباب نهضة الصين بعد زيارته لها، فكانت إجابته ونصيحته لمستمعيه ”بسيطة“ فكما وصفها (حزب قوي واقتصاد سوق). والحقيقة أن تلك الإجابة هي إجابة متداولة حول العالم ولكنها تتجاهل ما هو هذا الحزب؟ وما هي توجهاته؟ وما هي الطبيعة الحقيقية للاقتصاد الصيني؟ وما هو حجم قطاع الدولة فيه؟ وعن كيف حقق البليونيرات الصينيون (الذين يتجاوز عددهم كل بليونيرات العالم) هذه الثروات في بلد يحظر ملكية الأراضي الزراعية والعقارية.
الحزب الحاكم في الصين هو "الحزب الشيوعي الصيني" وهو حزب لم يغير اسمه أو شعاراته ابدأ، وهو ذات الحزب الذي أعلن قيام جمهورية الصين الشعبية عام ١٩٤٩. ومما لا شك فيه أن المهام التي واجهت الشعب الصيني حينها كانت مهاما جسام: فالشواطئ الصينية كانت مناطق نفوذ لعشرات السنين بين دول مستعمرة: كانجلترا وفرنسا والبرتغال واليابان وكان لكل هذه الدول امتيازات مهولة. بل إن بريطانيا كانت قد حصلت على جزيرة هونج كونج تعويضاً عن خَرق امبراطور صيني قواعد (اقتصاد السوق)… في تجارة الأفيون!
ينساق الجميع لتلك الإجابة النمطية، فمن غير الممكن تناول تاريخ الصين دون الإشارة إلى أن جمهورية الصين الشعبية قد ولدت في حالة صراع مع الغرب. بل إنه فور إعلانها، رفض الغرب والعواصم الرأسمالية كلها الاعتراف بها، واعترف بجزيرة تايوان الصغيرة التي كان يسكنها حينها ٧ مليون فرد كممثل شرعي للصين، وأعطيت مقعدا في مجلس الأمن مع حق النقض (الفيتو) وتم تجاهل الصين الشعبية ذات ال ٥٠٠ مليون إنسان حينها.
لم يكن الأمر سياسياً فقط، ولكنه كان اقتصاديا لإسقاط الدولة الوليدة، فلقد فرضت العقوبات التجارية على الصين الشعبية. ومنع التبادل التجاري معها من التصدير والاستيراد وما إلى ذلك حتى عام ١٩٧٢ بعد زيارة ريتشارد نيكسون ودبلوماسية تنس الطاولة. وعليه، فلم يكن للصين حليف إلا الاتحاد السوفيتي وزعيمه ستالين لأكثر من ٢٠ عاماً. لم يكن هذا غريباً فلقد كان الحزب الشيوعي الصيني هو من قاد النضال السياسي لتحرير الصين من النفوذ الأجنبي.
النضال من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية عملية معقدة وطويلة، ولكن تحديق الثوار وجها لوجه مع التخلف والفساد أمر آخر. فلقد كان اغلب الشعب أٌمّي وكان الشحاذون يملأون الريف وكانت المدن مرتعاً للفساد والدعارة والتجارة السرية في الأفيون وغيره، وكانت القمامة والكلاب الضالة في كل مكان.
وهكذا فلقد أجبر القادة الصينيون على اختيار الطريق الصعب والوحيد للتقدم. وكان النموذج الذي اقتدوا به هو نموذج الدولة السوفيتية. وكانت تلك مثلهم قد ولدت وسط فقر مدقع وتخلف وانحلال اجتماعي وحصار دولي. وعليه فكل قراءة لتاريخ الصين تتجاهل تاريخها هذا ستكون قراءة قاصرة. فلقد فرضت الظروف (إقتصاد الحرب وشيوعية الحرب) على قادة الصين كما فرضت على الاتحاد السوڤيتي قبلهم.
تحظي سياسة (القفزة الكبرى للأمام) باهتمام غربي إعلامي واسع (وكانت تلك هي الخطه الخمسيه الصينيه الثانيه عام ١٩٥٨). كانت تلك السياسة كذلك صدى لسياسة سوفيتية تستهدف التصنيع عموماً، والتصنيع الثقيل خصوصاً، ومضاعفة الإنتاج القومي الصيني ليتجاوز البريطاني في ١٥ عاماً. لم يكن لدى الشعب الصيني الآلات ولا المعرفة وكان لهم حليف دولي واحد هو الاتحاد السوفيتي الذي كان محاصرا هو الآخر، ولهذا فإن سياسة القفزة الكبرى إلى الأمام استندت إلى مفاهيم (التعاونيات) فلقد عمت التعاونيات أنحاء الصين، وتم تشجيع الجميع على الانخراط في المزارع التعاونية ومزارع الدولة والتعاونيات الإنتاجية.
وفي بلد كان يجوع فيه الملايين تم التخلص من كل الكلاب الضالة وتمت مطاردة الطيور التي تقتات على الحبوب الشحيحة، وظهرت سياسة الأسرة ذات الطفلين، ثم ذات الطفل الواحد!
كانت الثورة الثقافية الصينية هي الأخرى اختياراً صعباً ومراً ومثيراً للجدل، فالصين ذات البليون إنسان ورثت قيم وعادات القرون الوسطي المتخلفة من الفساد والشعوذة الدينية. وربما يكون ذلك هو السبب الحقيقي لإطلاق "الثورة الثقافية الصينية" عام ١٩٦٦، اي بعد ١٥ عاماً من إعلان جمهوريه الصين الشعبية. واستمرت أحداث هذه الثورة الثقافية العنيفة عامين تقريباً، وإن كانت تداعياتها استمرت عشر سنوات.
كانت الثورة الثقافية تلك هي التي قلبت الصين المستقلة رأساً على عقب لتغيير عادات ومفاهيم الناس في كل مكان في الصين. وكانت تلك الثورة امتداداً للثورة الثقافية الروسية، وقبلها -إن صح التعبير- الثورة الثقافية الفرنسية. فالتعريف العلمي للثورة هو إحداث تغيير في (ملكية وسائل الإنتاج وعلاقات الانتاج في المجتمع) ثم تعزيز هذا بثورة ثقافية.
تبنت قيادة الحزب الشيوعي الصيني شعارات أربع جسدت الثورة الثقافية الصينية وهي (لا للفكر القديم.. لا للعادات القديمة.. لا للثقافة القديمة.. ولا للوسائل القديمة). هذه الشعارات البسيطة الواضحة إلى جانب (الكتاب الأحمر الصغير) كانت الأدوات والعقيدة الفكرية للحرس الأحمر من الشباب والشابات الذين اقتحموا كل أركان المجتمع الصيني، يقلبون طبقاته وفئاته ومعتقداته.
وهكذا، فبعد إتمام المهام العظمى من محو أمية الشعب الصيني، وتبني ”الكتابة الصينية المبسطة“، وإطلاق حرية المرأة، وهدم المؤسسات الدينية المتخلفة. واجهت الصين المهام الجديدة بشعب جديد، يختلف تماماً عن ذاك الذي انطلق في مسار تاكيد سيادة الصين واستقلالها. كان الشعب الجديد قد تخلص من إرث العادات الإقطاعية والذل والكذب والخزعبلات الدينية المصاحبة لها.
كان الثمن كبيراً، ولازالت تلك الشعارات محل خلافات صينية داخلية. ولكن يكفي أن نعلم أن الرئيس الصيني الحالي هو (أحد عناوين الثورة الثقافية الصينية). ففي أثناء تلك الثورة استبعد والده، وكان أحد قيادات الحزب الشيوعي. كما استبعد العديد غيره من قيادات الثورة الصينية كالرئيس (دنج هيسياو بنج) الذي أرسل للعمل في مصنع جرارات. لم تكن القيادات فقط هي من "يعاد تدريبها ويرفع وعيها" ولكن أرسل أبناؤهم كذلك للتعلم من الشعب, وكان هذا يعني إدراك مشاكل الشعب ومبررات القرارات. وهكذا ارسل الرئيس الصيني (شي) للتعلم من فقراء الصين, ولكنه عاد أكثر تصميماً على إستكمال مهام تلك الثورة العظيمة.
يبقي اسم (دنج هسياو بنج) وهو الشخص الذي هندس مرحلة التحول الصيني بعد هذا الانقلاب الثقافي العظيم. فماذا كانت قناعات دنج؟ وهل كان شيوعيا مثل (ماو) و(شوين لاي)؟ الإجابة هي نعم: فلقد انضم للحزب الشيوعي الصيني في فرنسا حين كان مبعوثاً في فرنسا فتعرف هناك علي التكنولوجيا الصناعيه كعامل يدوي ثم استوعب دور الالات الضخمه في مصنع (رينو) للسيارات. صارت قضية الثوره الصينيه حياته مثله مثل شوين لاي فصار محترفا شيوعيا يطبع منشورات وكتب الاشتراكيه علي المطابع اليدويه (الرونيو) ثم عند مطاردته من الشرطه الفرنسيه كشيوعي خطير ذهب الي موسكو حيث درس في (جامعة كادحي الشرق: صن يات صن). درس (دنج) الإشتراكية العلمية ومبادئها الاقتصادية وفلسفتها كآلة علمية لفهم التناقضات في العالم والمجتمع وحلها لصالح الشعب. وكانت افكاره بعد وقبل ماو تعود لسياسة لينين، مؤسس الاتحاد السوفيتي الذي أطلق ما سمي باسم (السياسة الاقتصادية الجديده) سنة ١٩٢١ التي تجاوزت (إقتصاد وشيوعية الحرب) وكانت تلك قد فرضت علي الاتحاد السوفيتي. وكان هذا ما حدث في الصين.
الإنقلاب الذي حدث في استراتيجيه الغرب في التعامل مع الصين في اوائل السبعينات كان فرصة للقياده الصينية. فلقد استغلت القيادة الصينية سعي الغرب لتوسيع شقة الخلاف الصيني السوفيتي لتحديث وسائل الإنتاج في الصين، ولكنها كانت تتفاوض من قناعات ثابتة ومركز قوة ولهذا فلقد أصرت ونجحت على نقل وسائل تصنيع هذه التكنولوجيا للشعب الصيني بوسائل تبدو رأسمالية يفهمها الغرب. كانت الصين قد ابتعدت عن إرث القرون الوسطي فكراً وسلوكاً وكانت جاهزه لقفزة أخرى. وهكذا اقتحموا عصر التكنولوجيا من خلال ثغرة وخطأ تاريخي هائل في عصر نيكسون… هذا الخطأ يدفع الغرب ثمنه الآن.
ـــــــــــــــــــــــــ
"الاتحاد" الحيفاوية – 21 آب 2026







