تمهيد

تعرفنا في القسم الأول من هذا المقال على آراء الباحث الفرنسي المتخصص في الاقتصاد السياسي الدولي والعولمة، بنيامين بورباومر، حول التعريفات الكلاسيكية للإمبريالية، والمفاهيم الجديدة، وأهم الخصائص التي تتميز بها اليوم، وهي الآراء التي وردت في مقابلات أجراها معه الكاتب السياسي اليساري خوان تورتوسا لصالح ثلاث صحف يسارية هي Inprecor وSolidarité وViento Sur.  وسنحاول في هذا الجزء التعرف على المتغيرات في مفهوم الإمبريالية الأمريكية في عهد ترامب، ومدى قدرتها على إيقاف التراجع الذي تعاني منه، وعلى مهام اليسار في مناهضة الحرب والإمبريالية.

مفهوم الإمبريالية الأمريكية وطبيعتها اليوم

يرى بورباومر أن ترامب يواجه التناقضات نفسها التي واجهها أسلافه، ويتبع إلى حد كبير السياسات نفسها، مع ملاحظة استمرارية التوجه نحو مزيد من التطرف. إلا أن ذلك لا يلغي الاعتراف بأن لترامب بعض الخصوصية؛ فهو أكثر عدوانية من أسلافه، لا بسبب صفاته الشخصية وما إذا كان مصابًا باضطراب عقلي أم لا، بل بسبب تفاقم تناقضات تراكم رأس المال في الولايات المتحدة.

ففي التناقض الأول، أدت السياسات الاقتصادية التي ينتهجها دونالد ترامب إلى زيادة التفاوتات بدرجة كبيرة، ووضعت أزمة القدرة على الإنفاق والشراء في صدارة النقاش السياسي، وأصبحت المشكلة الآن أكثر حدة بالنسبة إلى العمال الأمريكيين، لأن أجورهم الحقيقية لا تزال أدنى من مستواها في كانون الثاني 2021.

أما التناقض الثاني الذي تواجهه إدارة ترامب، فيتعلق بالعولمة، التي أصبحت أقل ربحية بالنسبة إلى رأس المال الأمريكي، ولا سيما بسبب التطور التكنولوجي المتزايد لرأس المال الصيني، مما جعلها تبدو، من وجهة نظر الولايات المتحدة، أقل فاعلية ووظيفية بالنسبة إلى مصالحها.

وللتغلب على هذا التناقض المزدوج، يعتمد ترامب على العدوان الإمبريالي، وهذا ما ظهر في قصف كاراكاس واختطاف نيكولاس مادورو، والوصول إلى موارد البلاد النفطية الغنية، وتحقيق زيادة كبيرة في إمدادات النفط على المدى القصير، وهو ما يمكن أن يترجم، لدى المستهلكين الأمريكيين، بانخفاض في أسعار الوقود في محطات التعبئة، وبالتالي خفض إحدى النفقات الإلزامية لعشرات الملايين من الأمريكيين، بما يقلل من التأثير السلبي لغياب زيادات في الأجور ومشكلة ارتفاع تكاليف المعيشة، على الأقل حتى انتخابات التجديد النصفي في الخريف. وأخيرًا وصول رأس المال الأمريكي إلى أكبر احتياطيات النفط في العالم والسعي من خلال ذلك لإضعاف الصين. كما يتواصل العدوان الترامبي فيما ينتهجه تجاه إيران حالياً. 

هل الإمبريالية الأمريكية في حالة تراجع؟

يعتقد بورباومر أن عسكرة الممارسات الدولية عادةً ما تطمئن القوة المهيمنة، لا سيما عند شعورها بالضعف، وذلك لإثارة إعجاب الآخرين، وبعث الرهبة فيهم، وتدجينهم لصالحها. ولهذا اتجه ترامب إلى نهجه الافتراسي الصريح، القائم على التهديدات والمعاهدات التجارية غير المتكافئة والاستثمارات المفروضة، بالتزامن مع تراجع شعبية الولايات المتحدة في أنحاء العالم، التي يصعب الادعاء بأنها باتت تجسد نظامًا عالميًا مرغوبًا فيه، ومساعدًا في توفير آفاق للاستقرار والتنمية في البلدان الخاضعة له.

وباستخدام المفهوم الغرامشي، فإن الهيمنة الأمريكية تحولت إلى سيطرة أمريكية. ورغم أن الهيمنة محصنة ضد خطر الانهيار المفاجئ، لأنها راسخة بقوة في الحكومات والمجتمعات المدنية، ورغم أن السيطرة علامة على الضعف، فإن الواقع لا يشير إلى قرب انهيار الولايات المتحدة، بل إلى أنها، بوصفها قوة عظمى، أصبحت أكثر هشاشة، وأنها ستستمر حتى تواجه تحديًا يسبب انهيارها بسرعة.

واعتبر بورباومر أن من العوامل المساعدة على هذا الاستمرار، استحواذ الولايات المتحدة وحدها على 37 في المائة من الإنفاق العسكري العالمي، والإعلان عن زيادة هائلة بنسبة 50 في المائة، يتيحان لها نشر هذه القدرات بسرعة في شبكة كثيفة من القواعد العسكرية، وانتزاع زيادة هائلة في الإنفاق العسكري من حلفائها في أوروبا، ودفع هؤلاء الحلفاء إلى تبني الطرح الترامبي القائل إن الأوروبيين يستفيدون من الحماية العسكرية الأمريكية من دون تحمّل نصيبهم من تكاليفها. ويرى أن هذه العوامل يمكن أن تضفي الشرعية على مغامرات إمبريالية مستقبلية، وقد تجعلها أكثر جاذبية من أي وقت مضى.

الإمبريالية واليسار

ورفض بورباومر اعتبار أي بلد رأسمالي مناهضًا للإمبريالية، لأنها تنبثق أصلًا من الرأسمالية، التي تسعى إلى إضفاء طابع خارجي على تناقضاتها الداخلية من خلال الانخراط في أعمال قسرية على الصعيد الدولي. ومن ثم يمكن رصد إمبريالية ما وإدانتها. ويتبنى هنا فكرة روزا لوكسمبورغ القائلة إن المهمة الأولى لمناهضة الإمبريالية هي عرقلة القوة المادية لتطور الرأسمالية العالمية.

ورأى بورباومر أن سيطرة الولايات المتحدة على العولمة، وما أدت إليه حربها ضد إيران من أزمة غذائية وارتفاع في التضخم وتكاليف المعيشة، يمكن أن يشكل رافعة لتعبئة جماهيرية فريدة وملموسة ضد الإمبريالية والحرب، تتحدث مباشرة إلى الشعوب عما للإمبريالية من عواقب سلبية وفورية على جيوب الناس في أنحاء العالم.

ويعود بورباومر إلى لوكسمبورغ والنظرية الماركسية عن الإمبريالية، فينتقد التمييز بين الحرب الهجومية والحرب الدفاعية، داعيًا إلى تحليل الدينامية الشاملة للصراع، واتخاذ التوترات الكامنة وراء تراكم رأس المال نقطةً للانطلاق؛ فهذه الدينامية لا تتبع دائمًا، حسب تصوره، نمطًا مانويًا يقسم العالم إلى خير وشر.

ولهذا يتخذ من التمييز بين السبب والدافع أساسًا، معتمداً على المفهوم الذي صاغه هنري لوفيفر لاحقًا، مستندًا إلى النظرية السياسية للينين؛ فالأسباب موضوعية وعمياء، بينما تنتمي الدوافع إلى الفعل الواعي. ولهذا لا بد من تجاوز التركيز على دوافع الصراع الدولي، وهو ما يقع في صميم التصور الليبرالي للحروب، وأخذ الديناميات السياسية ـ الاقتصادية التي تقع خارج الأفعال الذاتية لصانعي القرار السياسي أو وعيهم الواضح، في الحسبان أيضًا.

ومن النتائج العملية لهذه الاعتبارات أن ندرك أن إعادة التسليح الهائلة للبلدان الأوروبية ليست دفاعية بأي حال من الأحوال، إذ تبلغ، وفقًا لأحدث البيانات (2024)، ثلاثة أضعاف الإنفاق العسكري لروسيا، التي تقوم بتسليح نفسها بكثافة منذ غزو أوكرانيا. وطبعًا، من دون أن تتجاوز الإنفاقات العسكرية للبلدان الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو الإنفاق العسكري للولايات المتحدة؛ أي أن الولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي ينفق عسكريًا أكثر منها.

وعلى العكس، قبل ذلك الغزو، كان الإنفاق العسكري الروسي يعادل عشرة أضعاف الإنفاق العسكري الأوكراني، ومع ذلك تكافح روسيا من أجل إحراز تقدم. لكن نظرية الإمبريالية تقدم تحليلًا أعمق: فبعد أن غرقت البلدان الأوروبية في تباطؤ اقتصادي عميق، تجسد في آن واحد في التقشف الدائم الذي تكرسه المعاهدات وفي الاستنزاف العام لدينامية الرأسمالية، تريد هذه البلدان أن تمنح نفسها الوسائل اللازمة لانتزاع ما تبقى من الأرباح الهزيلة الممكن تحقيقها على الصعيد العالمي بالقوة.

وحول الحرب الروسية ـ الأوكرانية، يشير بورباومر إلى ضرورة العودة إلى أحداث ما قبل الحرب، أيام كانت روسيا والاتحاد الأوروبي يحاولان، كلٌّ منهما، الخروج من الأزمة من خلال التوجه إلى الخارج، وإطلاق مشاريع متعارضة لمعاهدات التجارة الحرة، بهدف، من بين أمور أخرى، استغلال العمال والموارد في أوكرانيا. وهذا لا يلغي بأي حال من الأحوال إدانة العدوان الروسي، ولكنه مهم لكي يفهم المرء ما يتحمله الاتحاد الأوروبي أيضاً من مسؤولية عن الصراع.

وأخيرًا، يؤكد بورباومر أن العسكرة لا تمهّد للسلام، بل تمهّد للحرب، فيما يمكن لنزع السلاح وحده أن يحول دونها، ويفتح في الوقت نفسه آفاقًا أوسع للتحول الاجتماعي.