
مساء أمس (16 نيسان 2026) حضرت محاضرة للدكتور محمد حسين الرفاعي على منصة (حوار التنوير) بعنوان (الاسلام السياسي - الفكرة والممارسة)، وكانت من تلك المحاضرات التي لا تكتفي بعرض موضوعها، بل تدفع المستمع الى اعادة ترتيب أسئلته نفسها. لم تكن أهميتها تتمثل في أنها تحدثت عن مسألة قديمة فحسب، بل في إنها اعادت فتحها من داخل راهن عربي مضطرب، تتداخل فيه الأزمات الفكرية والسياسية والاجتماعية على نحو يجعل السؤال عن تسييس الدين سؤالا ملحا من جديد.
الدكتور الرفاعي أستاذ جامعي في كلية الآداب، الجامعة اللبنانية، قسم الفلسفة وقسم علم الاجتماع، وهو أستاذ لمواد علم الاجتماع والفلسفة في الجامعة اللبنانية وجامعة القديس يوسف في بيروت.
لامست المحاضرة، في رأيي، جوهر المسألة حين بينت أن تسييس الأديان، وخصوصا الاديان التوحيدية، ليس حادثا طارئا، بل ظاهرة صاحبتها منذ بداياتها، وان هذا التسييس لم يكن مجرد حضور للدين في المجال العام، بل كان في كثير من الأحيان توظيفا للسلطة الدينية، وللتعاليم والرموز، في خدمة التدليس والخداع والقمع الفكري، وصولا الى اضفاء الشرعية على العنف، بل على قتل المختلف فكريا وعقائديا.
ما بدا مهما في المحاضرة هو هذا الفصل الضمني بين الدين بوصفه أفقا روحيا وأخلاقيا، وبين الدين حين يتحول الى أداة صراع وهيمنة. فالمشكلة ليست في الإيمان من حيث هو إيمان، ولا في حاجة البشر الى المعنى، بل في اللحظة التي يعاد فيها بناء الدين داخل جهاز سياسي مغلق، يحول المقدس الى شرعية جاهزة، ويحول الاختلاف الى تهديد، ويحول الجماعة الى كتلة تعبئة. هنا لا يعود الدين مجرد خبرة وجودية أو نداء اخلاقي، بل يصبح برنامجا للفرز، والاقصاء، واعادة ترتيب المجتمع والدولة على أساس الطاعة. وهذا، في تقديري، هو المعنى الأدق للإسلام السياسي حين يفهم بوصفه أدلجة للدين، لا بوصفه الدين نفسه.
من هذه الزاوية، بدت المحاضرة منسجمة تماما مع مشروع فكري كنت أنشغل به في الآونة الأخيرة حول آيديولوجيا الذكاء الاصطناعي. قد يبدو الربط بين الاسلام السياسي والذكاء الاصطناعي بعيدا في الظاهر، لكن المسافة بينهما تضيق كثيرا حين ننتقل من مقارنة المضامين الى مقارنة الوظائف. ففي الحالتين نحن أمام وعد بالخلاص من القلق. في الحالة الأولى يقدم المشروع العقائدي نفسه بوصفه طريقا الى اليقين النهائي، والهوية المتماسكة، والنظام الشامل الذي يفسر العالم ويحدد الخير والشر، والصواب والخطأ، والحق والباطل. وفي الحالة الثانية لا يعد الذكاء الاصطناعي بالخلاص عبر المقدس، بل عبر الجواب الجاهز. لا يقدم نفسه كدين، ولا كعقيدة معلنة، لكنه قد يعمل بوظيفة شبيهة من حيث تخفيف عبء السؤال، واختصار مشقة التفكير، ومنح شعور مريح بأن هناك دائما اجابة أقرب الى الصواب، وأسرع من التردد، وأكثر اتساقا من الفوضى البشرية.
لهذا كنت قد طرحت خلال مداخلتي سؤالا ظل يرافقني بعد المحاضرة: هل ينتج الذكاء الاصطناعي شكلا جديدا من الطاعة الطوعية، لا يقوم على الايمان بالمقدس، بل على الثقة بالجواب الجاهز؟ هذا السؤال لا يراد به القول إن الذكاء الاصطناعي صار دينا، ولا إننا أمام لاهوت رقمي بالمعنى الكلاسيكي، بل إننا ربما أمام ما يمكن تسميته عقيدة ناعمة، عقيدة لا تطلب منك أن تعتنقها بصوت عال، ولا أن تنخرط في تنظيمها، ولا أن ترفع شعاراتها، بل يكفي أن تعتاد عليها، أن تلجأ اليها كلما تعقد السؤال، وأن تثق بإجابتها كلما اربكك الواقع، وأن تسلم لها تدريجيا بالقدرة على التفسير والاقتراح والترجيح.
هنا تكتسب عبارة كانط القديمة قيمة جديدة. حين كتب "إن من المريح جدا أن يكون المرء قاصرا، وأن وجود كتاب يفهم عنه، أو راع يملك ضميره بدلا منه، أو طبيب يقرر نظامه الغذائي، يغنيه عن أتعاب التفكير"، لم يكن يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، لكنه كان يضع يده على ميل بشري عميق، الميل الى التنازل عن مشقة استعمال العقل حين توجد سلطة جاهزة يمكنها ان تتولى المهمة. الجديد اليوم ان هذه السلطة لم تعد بالضرورة مؤسسة دينية أو سياسية أو تربوية، بل قد تظهر في صورة واجهة محادثة مهذبة، سريعة، واسعة الاطلاع، قادرة على التلخيص، والمقارنة، والترجيح، وصياغة ما يبدو حلا عقلانيا ومتوازنا.
واذا كانت محاضرة الدكتور الرفاعي قد كشفت بوضوح كيف يتحول الدين حين يُسيَّس الى جهاز للهيمنة والاقصاء وتبرير العنف، فان سؤالنا اليوم يجب ألا يكتفي بنقد العقائد الصلبة، بل أن ينتبه أيضا الى أنماط الهيمنة الناعمة التي لا تحتاج الى تكفير المختلف أو تعبئة الجماهير أو رفع رايات الخلاص. يكفيها أن تعيد تشكيل عاداتنا الذهنية، أن تجعلنا نفضل الجواب على السؤال، والاختصار على التأمل، والكفاءة على المعنى، والتوصية على الاختيار.
من هنا، تبدو العقيدة الناعمة أخطر من حيث قدرتها على التسلل، لا من حيث عنفها المباشر. فالعقائد السياسية والدينية التقليدية تعلن نفسها، وتطلب منك الولاء، وتدخل معك في صراع ظاهر. أما الذكاء الاصطناعي، في صيغته الناعمة، فلا يطلب منك الا الثقة. لا يقول لك: اتبعني، بل يقول لك هذا هو الجواب الأرجح، وهذا هو المسار الاكثر كفاءة، وهذا هو التفسير الاكثر تماسكا. ومع تراكم هذا الاعتماد، لا تعود المشكلة في أننا نستخدمه، بل أننا نبدأ في رؤية العالم من خلال منطقه. عند هذه النقطة لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للمعرفة، بل إطارا يعيد صياغة المعقول نفسه.
وهنا يلتقي سؤال العقيدة الناعمة مع ما كنت أشتغل عليه تحت عنوان "الهيمنة الذكية". فالهيمنة الذكية لا تعمل عبر القسر المباشر، بل عبر تطبيع الانحياز وتقديمه في صورة عقلانية طبيعية. وهي لا تحتاج الى خطاب تعبوي، لأنها تمارس أثرها داخل بنية الجواب ذاتها. حين يبدو لك ما تقوله الخوارزمية منطقيا وهادئا ومحايدا، فأنك قد لا تنتبه الى أن هذا الحياد نفسه محمل بافتراضات قيمية ومعايير ضمنية عما هو مقبول ومرغوب ومشروع. في هذه الحالة لا تكون الآيديولوجيا في المضمون فقط، بل في الطريقة التي يصاغ بها المضمون، وفي الهيئة التي يظهر فيها بوصفه معرفة لا موقفا.
واذا كان الاسلام السياسي، في بعض تجلياته، يعيد بناء الدين داخل قالب آيديولوجي حديث يسعى الى الهيمنة على المجتمع والدولة باسم الحقيقة النهائية، فان الذكاء الاصطناعي قد يعيد بناء الطاعة نفسها داخل قالب جديد أكثر سيولة وخفاء، ليس بوصفها التزاما بعقيدة معلنة، بل بوصفها اعتمادا متزايدا على بنية معرفية تختصر العالم وتعيد ترتيبه وتقدم لك مساراته الممكنة مسبقا. في الحالة الاولى، يتحول المقدس الى نظام مغلق. وفي الحالة الثانية، يتحول الاحتمال الى مرجعية. وفي كلتا الحالتين، يواجه الانسان خطر التنازل عن مهمته الأصلية: أن يفكر، ويؤوّل، ويتحمل مسؤولية اختياره.
لقد كانت محاضرة الدكتور الرفاعي، بالنسبة لي، مناسبة لاعادة اكتشاف أمر مهم، إن أزمتنا ليست فقط مع العقائد التي تصرخ، بل أيضا مع الأنظمة التي تهمس. وليست فقط مع الخطابات التي تعلن عداوتها للاختلاف، بل أيضا مع البنى التي تذيب الاختلاف بهدوء داخل منطق الكفاءة والسرعة والتوصية. من هنا، فان الدفاع عن حرية العقل اليوم لا يمر فقط عبر نقد تسييس الدين، بل أيضا عبر نقد ذلك الميل المعاصر الى تحويل المعرفة الى خدمة جاهزة، والفكر الى مخرجات، والشك الى عطل ينبغي اصلاحه.
ليست المشكلة في أن الذكاء الاصطناعي يجيب، بل في أننا قد نعتاد على العيش داخل أفق لا يعود فيه السؤال فعلا وجوديا، بل مجرد مدخل الى شاشة. وليست المشكلة أن التكنولوجيا تساعدنا، بل إننا قد نعيد تنظيم علاقتنا بالعالم على أساس أن المساعدة تغني عن الفهم. واذا كان الاسلام السياسي قد كشف لنا كيف يمكن للعقيدة حين تتصلب أن تضيق العالم، فان الذكاء الاصطناعي يكشف لنا كيف يمكن للعقيدة الناعمة أن تفعل الشيء نفسه من دون ضجيج، ومن دون شعارات، ومن دون أن ندرك أحيانا اننا دخلنا مجالها.
لهذا، فان السؤال الذي خرجت به من المحاضرة لا يتعلق فقط بالإسلام السياسي، بل بزماننا كله.. كيف نحمي قدرة الانسان على التفكير الحر في عصر تتعدد فيه أشكال الوصاية، من الوصاية التي تتكلم باسم السماء، الى الوصاية التي تتكلم باسم الخوارزمية؟ هنا، في تقديري، يبدأ العمل الفكري الحقيقي. ليس في رفض الدين، ولا في رفض التقنية، بل في مقاومة كل ما يحول الانسان من كائن يسأل ويؤول ويختار، الى كائن يكتفي بأن يتلقى الاجابة.







